الايقونة إما التمثال
التجسد جعل الله غير المنظور مرئياً ومنظوراً لنا, جعلنا ننظر مجد الله في مجد الله في وجهإبنه يسوع المسيح, التجسد كان دخول مرة وإلى الأبد ما هو إلهي فيما هو إنساني "اللهلم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر" (يو18:1). "الابن هو بهاءمجد الأب ورسم جوهره" (عب3:1)
فالمسيح هو صورة (أيقونة) الله غير المنظوربكر كل خليقة (كو15:1) وكلمة أيقونة هنا تعني المشاركة في الحقيقة والجوهر لأنه كيفيمكن تصوير ما هو غير مرئي ما لم تكن الصورة نفسها هي الحقيقة ذاتها والجوهر ذاته. هكذا يكون ما إتحد بطبيعتنا وظهر في جسد بشري هو الله ذاته "عظيم هو سر التقوى اللهظهر في الجسد" (1تي16:3). هذا حقيقة ظهور ما هو إلهي فيما هو إنساني.
والليتورجية مع كل أسرار الكنيسة هي تقديس الزمان والمكان والمادةوالحياة. والتقديس يعني حضور الله, ليحول ويجلي ويخصص, ويعلن حضوره. من هنا كانت(الأيقونة) بعيدة تماماً عن أي مفهوم مادي materialization( التماثيل)لأنها لا تصور المادة بلتعكس حقيقة روحية وتضع أمام أعيننا ما هو (مقدس) و(إلهي)
والملاحظ أننا فيكنيستنا لا نقبل وضع (تماثيل) لأن التمثال يجسد ما هو مادي بالأبعاد الثلاثة (تجسيم , هكذا بغياب الأبعاد الثلاثة التي تميز المادي, إلى بعدين فقط (الأيقونة)يستبعد أي إحساس مادي وتكون الأيقونة انتقال هادئ لحقيقة روحية خالية من أي معنى أوانطباع عاطفي أو جسداني.
هذا يعني أن لفن الأيقونات طرق وتقاليد خاصة لابد للفنان أن يتقيد بها. فلا يخضع التصوير الكنسي لخاطر المصور أو تقلب العصور، بل للأيقونة شخصية ثابتة بمعزل عما تمثله، فهي إيضاح شعور جميع الذين يجاهرون بالمبادئ الدينية نفسها ، أي إيضاح شعور الكنيسة وأفكارها وعقائدها.
وبحسب هذا المثال فإن فن الأيقونات لا يمثل لنا الأشياء كما هي، والأجساد البشرية وشوائبها، بل هو فن روحي صرف يعبّر لنا عن فكرة لاهوتية، فترينا الإنسان متجلياً بروح الله، وينبئنا عن حالته الروحية الممتلئة مجداً وقداسة . فهناك تمييز بين الجسد واللحم في الأيقونات. فهدف الأيقونة هو ليس إثارة أو إبراز أحاسيس الطبيعة البشرية ( التماثيل) فهي غير متحركة وخالية من العاطفية بحسب لغة الفن الحديث. هدفها أن تتجلى عواطفنا وإدراكنا وكل عناصر طبيعتنا بشكل متناغم مع النعمة الإلهية وذلك بنزع كل الأهواء التي يمكن أن تكون مؤذية ولا تناسبنا في السير نحو الخلاص. الأيقونة لذلك لا تقمع أو تخمد أي شيء أصيل في الإنسان كما هو شائع في بعض الأوساط. ولا تقتل العناصر الجسدية ولا شخصيته التي يتميز بها في العالم
لهذا فالأيقونة تظهر لنا بوضوح جسد الإنسان المقدس بنعمة يسوع المسيح " الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده "[1]. فإن ما يكتبه الرسام ويوحيه للناظر هو ذلك الجسد الروحاني الذي تكلم عنه بولس " من الأجساد ما هو سماوي ومنها ما هو أرضي"[2].فليست الأيقونة صورة عادية ولا مجرد أشكال فنّية وزينة مقدسة للمعابد ولا تفسيراً للأسفار المقدسة. بل هي أسمى من هذا كله فهي حقيقة إلهية محسوسة تاريخية منورة بالنعمة تباركها الكنيسة وتكسبها صفة سر من أسرارها. هي أداة عبادة تكمن فيها النعمة الإلهية وجزء متمم لليتورجيا تتجلى فيها عقيدة الكنيسة وتقليدها المقدس وتتمتع بالصفة نفسها التي للتقليد المكتوب أو الشفهي فتقابل الأيقونة بحسب تعاليم الكنيسة المقدسة كلمة الكتاب المقدس لأن ما تعلمنا إياه الكلمة بحاسة السمع تظهره الأيقونة بصمت بما تمثل للعيان. إذاً الفن المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية هو تعبير منظور لعقيدة التجلي.
لذا الأيقونة صورة لكنها مختلفة عن سواها من الصور والتماثيل بموضوعها و الغايةمنها وبطريقة رسمها و برسّامها (كاتبها). تمثل الأيقونة موضوعاً لاهوتياً روحياً, تنقله إلى المؤمن دون سواه, وتنقل معه بركة خاصة.
الأيقونة مسرح لقاء بين الله والإنسان, هي مكان انسجام بين ما هو بشري وما هو إلهي. إنها تفاعل و نتاج تفاعل بينمؤمن ينظر إلى نافذة سماوية أمامه فيرى ما لا يراه الإنسان العادي, وبين الله الذييخاطب هذا المؤمن عبر الأيقونة. من هنا نرى فرقاً بل فروقاً بين الأيقونة و التماثيل.
التماثيل ترسم منظراً أو شخصاً أو موضوعاً, وبه تنقل فكرة إلىكل إنسان يستذوقها. موضوع التمثال مستوحى من الحياة البشرية أو الفكر البشري. أماالأيقونة فترسم شيئاً غير طبيعي و غير معقول بالمقاييس البشرية, لأنها تقدم للمؤمنموضوعاً يتعالى عن الأرض وساكنيها و أفكارهم و أهوائهم.
التماثيل ترسم شخصاً أو منظراً أو تجريداً كما يراه الفنان. لاتوجد ضوابط أو معايير صارمة. فإما أن يستحليها المرء أو يمجّها. أما الأيقونة فترسمشخصاً متجلياً,متقدساً بنعمة الروح القدس, أي شخصاً ذو خصائص غير طبيعية بالنسبةللعالم, لأنه قديس و القديس هو في العالم إنما لا ينتمي إليه, فأحجام الأشخاص مثلاًفي الأيقونة قد تكون متباينة, و الشخص قد يكون مرتفعاً عن الأرض, أو مزيناًبجناحين, أو يحمل بيده هامته المقطوعة (أيقونة المعمدان مثلاً). رسّأم الأيقونةيرسم الشخص كما تراه الكنيسة أو كما تفهمه أو كما تؤمن به. إنه يضع لاهوت الكنيسةوتعاليمها في ألوان وأشكال. فليست قيمة الأيقونة في المطابقة الفوتوغرافية بل فيالمعاني الروحية و اللاهوتية و الكتابية. لهذا رسّام الأيقونة أمرٌ مهمٌ وإلا فلنتقبل الكنيسة رسمه و لن تستعمله.
أن الأيقونة تتكامل معالمبني الكنسي ومع العبادة الطقسية لإعلان حضور الله وسط شعبه, ولإدخال الشعبالمؤمن الحاضر في الكنيسة إلى هذا الحضور, فكما أن الكلمة واللحن والصلاة عن طريقالسمع فالصورة تقدس عن طريق العينين والتي عند الأباء أهم حواس الإنسان (مت22:6.( أنها تستحضر القداسة وتعلنها أمام أعيننا, أنها تقديس عيون المؤمنين, لأنه كما عاشتالنعمة مع القديسين أثناء حياتهم على الأرض فهي لا تفارق أرواحهم.
+++++
تابع
[1] - فيليبي 21:3
[2] -1كور 40:15

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس.gif)

المفضلات