[frame="9 95"]
ذكرى ستة أشهر على انتقال المطران بولس بندلي
أبرشيـــــــة عكــــــــار قبــــــــل وبعـــــــــد


قبل تولي المطران بولس بندلي مهامه كراعٍ لأبرشية عكار للروم الارثوذكس، كانت هذه الابرشية تمر بمرحلة بالغة الصعوبة على الصعد الرعائية والليتورجية والادارية كافة، حيث غاب التعليم الديني، بنسبة كبيرة جداً، في كنائس شبه خالية وأخرى مقفلة. ونشأت أجيال لا تعرف عن الايمان الارثوذكسي شيئاً، ما شكّل أرضية ملائمة لانتشار الهرطقات والبدع، التي جهدت في بثّ سمومها، اضافة الى انخراط العديد من الارثوذكسيين في تنظيمات، متبنين ايديولوجيات ومعتقدات فكرية وسياسية، لا تلتقي كلها مع فكر الكنيسة وتعليمها.
وتزامن هذا الواقع مع وجود سلطة كنسية لم تدرك خطورة هذا الواقع، رافضة أي تواصل جماعي مع الحالة النهضوية التي انطلقت مع حركة الشبيبة الارثوذكسية في أربعينات القرن الماضي. وقد نجحت هذه السلطة في عزل الرعايا، والشباب فيها بشكل خاص، عن التيار النهضوي الخادم في الكنيسة الانطاكية، رغم وجود اشخاص أرثوذكسيين ملتزمين ومتواصلين مع حركة الشبيبة الارثوذكسية بصورة فردية.
وكذلك، لم تكن السلطة الكنسية في عكار، آنذاك، على علاقة حسنة مع معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي، حيث لم تنتدب أي شخص للدراسة فيه، وتالياً لم يكن الكهنة يمرون بالمعهد اللاهوتي، وتأهيلهم للكهنوت كان يقتصر فقط على تعلّمهم أصول الخدمة الليتورجية والتراتيل حصراً، ما عزّز العزلة.
وتمثلت هذه المرحلة ايضاً، بغياب أية رؤية ولا سيما لجهة إدارة شؤون الابرشية وأوقافها، الموروثة اصلاً، فقد أدى شيوع الفوضى على الصعيد الاداري، وغياب أي أفق أو تصوّر للمستقبل الى التفريط بالكثير من العقارات الوقفية، بطريقة تخدم المصالح الخاصة للنافذين والمحظيين، وتالياً لم يبذل أي جهد أو سعي لإنشاء أية مشاريع أو مؤسسات تربوية أو صحية أو ما شابه، تخصّص لخدمة أبناء الابرشية.
هذه الامور كلها وسواها، أحدثت غربة حقيقية بين الكنيسة وأبنائها، وقد تعززت هذه الغربة بفعل نهج السلطة الكنسية الذي تمثّل بانعدام الرؤية المترافق مع الكسل، الى جانب انخراط هذه الرئاسة بالعديد من الصراعات والانشقاقات التي هدّدت وحدة الكنيسة الانطالية على مدى عقود. فغدت أبرشية عكار تعاني غربتين، تكمن الاولى في بعدها وانسلاخها عن التيار النهضوي وعن المؤسسات الكنسية الجامعة كالمعهد اللاهوتي، وعلاقة غير مستقرة مع المجمع الانطاكي المقدس، والثانية تتمثّل في غربة الادارة الكنسية عن أبنائها، إذ تميزت بالعجز والتقصير الاداريين، فتركتهم غنماً لا راعي لها، لا تخطط ولا تواكب ولا تشارك، حتى إن مشاركة المطران في خدمة كنسية، ولا سيما خدمة الجنّاز، كانت تقتصر فقط على من يستطيع أن يتحمّل الكلفة المادية، أي على الميسورين من أبناء الابرشية.
حتى إنني أستطيع أن أتجاسر، لأقول إن مواقف السلطة الكنسية وممارساتها آنذاك، وما رافقها من إهمال، وقلّة تبصّر، عوامل قد أدت الى حجب صورة الرب وكنيسته أو تشويهها عند كثيرين. بل استطيع القول، ايضاً، إن حالة الغربة، التي ذكرتها أنفاً، تطورت في أماكن عديدة، لتتحوّل الى حالة خصومة فعلية مع الكنيسة.
في هذا الواقع المرّ أصلاً، الذي تضاف اليه مرارة الحرب اللبنانية المندلعة وانعكاساتها، وحالة الاهمال الرسمي اللاحق بقرى عكار، وفي ظل وضع معيشي بالغ الصعوبة، شغر كرسي مطرانية عكار، فانتخب المجمع المقدس بإجماع أعضائه الأسقف بولس (بندلي) مطراناً على الابرشية، فجسد، بشخصه ومزاياه ونهجه وسلوكه، علامة فارقة. أيقنّا معها، نحن معشر من خبره وتعامل معه، أنه لم يكن الاّ تعبيراً صافياً عن افتقاد الله لشعبه في أبرشية عكار، فانطلق بولس بندلي مستعيناً بالنعمة الإلهية، وبهمّة رسولية، لاستعادة الكنيسة أمومتها وتالياً وضع أسس المصالحة بينها وبين أبنائها، ولإعادة وصل ما انقطع بين الابرشية ومداها الانطاكي، عاملاً وساهراً في سبيل كنيسة جامعة مقدسة رسولية، انطلاقاً من كنيسة عكار، فجسّد في سيرته ومسيرته نماذج عديدة عبّرت عنها شخصيته كإنسان وأسقف في آن. سأحاول أن استعرض بعض هذه النماذج.


المطران بولس:
نموذج الأسقف الخادم:
يعدّد بولس الرسول وفي رسالته الى أهل غلاطية (5:22) ثمر الروح الذي هو "محبّة، فرح، سلام، طول اناة، لطف، صلاح، ايمان، وداعة، تعفّف".
وكل من عرف المطران بولس كما هو، عاين فيه الثمار، كما على شجرة مثمرة.
من ثمار الروح هذه في حياة المطران بولس، وما أثمرته بدورها من تواضع وزهد أكمل مسيرته الاسقفية، راعياً، متعرفاً ومتفقّداً ابناء ابرشيته كافّة المقيمين والنازحين والمهاجرين والمهجّرين، طارقاً الابواب كلها، منتقلاً من بيت الى بيت، مشاركاً في الخدم الكنسية كافة بكثافة مرهقة على مدى يومياته، وعلى امتداد جغرافية ابرشيته وخارجها.
كان لا ينطق بغير كلمة الله، واعلانها، مسكوناّ بهواجس تجاه الآخر، هاجس عبر كنيسة المسيح، وهنا اندفع في التعليم والوعظ واقامة الندوات والسهرات الروحية ومواجهة الهراطقة، واقامة الخدمة الكنسيّة، والاستعانة بالآباء الروحيين.
وهاجس التعبير عن الاحترام والتقدير، للآخر، أي آخر مهما كان دينه او مذهبه او جنسه أو سنّه، وهو شخص مخلوق على صورة الله ومثاله، وقد افتداه الرب على الصليب بثمن عظيم، هاجس عبّر عنه المطران بولس بلطف قل مثيله، ووداعة وحلم واصغاء وتواضع وانسحاق، يعجز وصف أي منها، ذلك كله من دون تمييز او محاباة بين مسيحي وغير مسيحي، أو بين فقير معدم وثري مقتدر بالمال والسلطة، او بين سليم البنية والعقل وآخر مختلف، أو بين طفل أو شاب أو كهل، أو بين رجل او امرأة. لقد اظهر محبّته وغيرته للكل.
وكذلك هاجس كرامة الآخر، وحفظها من الانتهاك، فامتهن العطاء، رغم ضيق الحال، بخفر وتكتّم شديدين، وعمل جاهداً من أجل رفع العوز والحرمان وتأمين الرعاية الصحية، والتعليم.
ومع هذا الرجل، تحار في الوصف، فهل هو مستشهد دائماً بآيات الانجيل؟ أو هو جزء من انجيل حي.
فهذا المعطي، بغير حساب، كان دائماً يسمعنا قول بولس الرسول: "المعطي المسرور يحبّه الله".
وعندما كان أحدنا يلفته الى أنه يسعى الى انجاز ما يطلب منه، من دون ان يكون معنياً هو بالأمر، كان يحيلنا الى قول الرب: "افعلوا كل ما أمرتم به، وقولوا اننا عبيد بطّالون".
وامام الشدائد والمصاعب كلها، التي غالباً ما تعترضه مع من يعمل معه في حقل الرب، كان يردد متعزياً ومعزياً مستذكراً ومذكراً، ما يتلى على الكاهن امام المذبح اثناء رسامته: "ان النعمة الالهية التي للمرضى تشفي وللناقصين تكمّل، تنتدبك الى الخدمة".


المطران بولس: نموذج ثوري
رغم وداعة المطران بولس وتواضعه وهدوئه وورعه، ونطقه اللطيف الهادئ وابتسامته، الا أنه، بتواضعه واصراره ومثابرته، غيّر مفاهيم وقناعات واصطدم بمفاهيم وقناعات، استوعبها بهدوء وصبر، من دون ان يدعها تؤثر في قناعاته او سلوكه. فكرّس نموذجاً ثورياً فريداً صادماً للكثير من القناعات والمفاهيم الموروثة والدخيلة على طبيعة الكنيسة وبساطتها، والبنى القائمة، المتراكمة والناشئة بفعل تسرّب اعتبارات مجد العالم.
- فكان ثورياً صادماً عندما هرب من كل أمجاد الاسقفية ووجاهتها، وبروتوكولاتها في الملبس والمأكل والعيش، والتواصل مع الآخرين وحتى في التنقّل بالسيارة...
- كان ثورياً عندما نقل الاسقفية الى الفقراء ومنبوذي القوم، عندما جالسهم وأكل وشرب في منازلهم البسيطة ومزارعهم المتواضعة، من دون ان يمتنع عن دخول قصور الاغنياء وحدائقهم.
- وكان ثورياً في كسره حصرية مشاركة المطران بالخدم الكنسية العائدة للميسورين فقط، واصراره وعناده على المشاركة في كامل الخدم الكنسية ولا سيما خدمة جنانيز الفقراء، وعندما كان يعاتبه احدهم على ذلك، بحجة انه لا يرتاح كان جوابه: لا اقبل ان يكون المال عائقاً امام مشاركتي في اية خدمة كنسية، ولا سيما الجنانيز.
- كان ثورياً في تغليب حاجة الشخص على أي اعتبار مالي او اداري واستعداده للعطاء، والاستدانة متى استطاع، تأميناً لثمن دواء، أو كلفة عملية جراحية...
- كان ثورياً، عندما تحدى كل الاعتبارات والصعوبات، وحوّل غرف المطرانية الى صفوف للتدريس، بسبب عدم جهوزية البناء المدرسي. أو في تحويله الغرف ذاتها الى مستودعات للمواد الغذائية التي ترسلهاجمعيات انسانية الى أبناء عكار على اختلاف طوائفهم.
- كان ثورياً باستعداده لخدمة الانسان، بغض النظر عن دينه، أو جنسه، أو منطقته، رغم الانتقاد والكلام الجارح الذي لحق به.
- كان ثورياً في سيرته، وفي خروجه عن كل قيد او اطار، لأنه بمحبته وخدمته، حطّم القيود وتجاوز الأطر كلها.
هذا النموذج الثوري، التغييري، ليس أمراً غريباً، أو طارئاً على الكنيسة وطبيعتها، بل هذا ما أطلقه الرب يسوع وجسّده وارساه، عندما تحدى، له المجد، كل المفاهيم والعادات والتقاليد التي ابتدعها اليهود، حاجبين عبرها حنان الله، وكذلك عندما دعانا الى التحرر من كل اعتبارات العالم كي نتبعه. ألم يكن نهج العديد من الآباء؛ كباسيليوس الكبير والذهبيّ الفم ويوحنا الرحيم، وغيرهم من الآباء القدّيسين، نهجاً ثورياً، اصطدم بالكثير من المفاهيم ومراكز القوة والتسلّط، وجابهها؟


المطران بولس الرؤيوي
يستوقفك في المطران بولس، اندفاعه، وجهده، وخدمته في الاتجاهات كافة، ان لجهة تأسيس المؤسسات التربوية والصحية واطلاقها، أو لجهة احتضانه العمل الشبابي في الكنيسة. لقد جال من منزل الى منزل يجمع التبرّعات "بالقروش" من أجل بناء المدرسة الوطنية الارثوذكسية، وبعدها المهنية الوطنية الارثوذكسية. كما زار الرعايا كافة من دون تمييز او استثناء. تذهلك مظاهر الفرح والغبطة التي تنتابه عندما يتلقّى التبرّعات البسيطة، لأنها فلس الأرملة، ولأن كل ارثوذكسي في عكار مدعو الى ان يشعر ان له مساهمته الخاصة، ولو الطفيفة، في بناء مؤسسات الكنيسة.
شكلت هذه المؤسسات التربوية والصحية، عاملاً اضافياً لتواصل المطران بولس مع العديد من الوجوه والفعاليات وسائر ابناء القرى العكارية، الاسلامية والمسيحية، زارعاً القيم الانجيلية وباذراً بذور الخدمة، والود، والعطاء.... مستشرفاً آفاق المرحلة القادمة، والدور الذي يرجوه للكنيسة في مجتمع مختلف ومتعدد، فكان رؤيوياً، متطلعاً الى استمرار شهادة الكنيسة ورسالتها، بما يتجاوز شخصه وزمانه، عبر مؤسسات اوجدها بنعمة الله.


المطران بولس:
ابن النهضة الارثوذكسية
انطلق المطران بولس من صفوف حركة الشببية الارثوذكسية، خادماً للكنيسة، مختزناً فكر النهضة واهدافها وتطلعاتها. كرّس ذاته لخدمة الكلمة على امتداد حياته، علمانياً وكاهناً ومن ثم مطراناً، في تقوى واتضاع ومحبة وسهر. كانت مجالات اهتمامه واسعة ومشاريعه متعددة:
رعاية المؤمنين الدائمة وافتقادهم، تأمين مختلف أوجه الخدمة الاجتماعية، اطلاق المراكز الصحية والمستوصفات، تأسيس المدارس والمعاهد. حرص المطران بولس على تأمين حضور أبرشية عكار على مدى الكنيسة الانطاكية تأكيداً لوحدتها. حافظ على انفتاح ملتزم ومسؤول على الأديان والكنائس غير الارثوذكسية، من دون التفريط بذرّة واحدة من مسلّمات العقيدة. احتضن الشباب، وفتح بهم الكنائس. ترك أثراً كبيراً في نفوس كل العكاريين من مختلف الأديان.
كأنك تقرأ في مسيرة حياة هذا الرجل، المبادئ الستة التي قامت عليها حركة الشبيبة الارثوذكسية بشموليتها.
بل يمكن القول، وبصدق، ان المطران بولس هو ابن النهضة الارثوذكسية وأحد أبرز تجلياتها.

(•) عضو أمانة عامة في حركة الشبيبة.
ابرهيم رزق
[/frame]