المطران "أثناسيوس عطالله"، باني أبرشية حمص


الشماس سرجيوس (فراس) العدرة



ولادته ونشأته


هو اسعد بن الياس بن عطالله، ولد في 11 آذار سنة 1853 في قصبة الشويفات، مركز قائم مقامية الشوف، من أعمال جبل لبنان. من أبوين تقيين هما الياس عطالله فرح من الشويفات المذكورة، ونجمة ابنة يوسف أو "يونس" الشويري من مدينة بيروت.
اقتبل سرّ المعمودية في 25 آذار، من نفس العام، في كنيسة الشويفات، وفي مدرسة القرية تلقى علومه الابتدائية.
سنة 1866، اتجه إلى مدرسة سوق الغرب الأرثوذكسي1ة الداخلية التي كان يديرها المعلّم يوسف العربيلي، وتخرّج منها بتفوق سنة 1870.

استقدمه البطريرك الانطاكي إيروثيوس إلى دمشق وشمله برعايته. فأتمّ دراسته في المدرسة البطريركية، ورُسم متوحّداً باسم أثناسيوس عام 1871. قضى في دير سيدة البلمند ستة أشهر يتدرّب على الحياة الرهبانية ويطالع المؤلفات الآبائية والمصنّفات اللاهوتية.


مسيرته الكهنوتية




في أحد العنصرة المصادف للخامس من حزيران 1872، سامه البطريرك شماساً إنجيلياً لدى مرورهما ببيروت متوجّهين إلى القسطنطينية.
في عام 1876، رفعه البطريرك إلى رتبة أرشيدياكون (رئيس شمامسة) الكرسي الأنطاكي، وتعين في المدرسة الدمشقيّة استاذاً للموسيقى ولليونانية، حتى عام 1879.
في عام 1879، أرسله البطريرك إلى مدرسه خالكي اللاهوتية، فانضم في سلك طلابها، وأتقن اليونانية والتركية وألمّ بالفرنسية، ولكنه اضطر للعودة بعد عام واحد بسبب المرض.

فعاد إلى دمشق عام 1880 ليزاول التعليم في المدرسة البطريركية كسابق عهده حتى عام 1883 حين شرطن كاهناً، وجُعل أرشمندريتاً ورئيساً لدير النبي الياس _ضهور الشوير، فنظّم أحوال رهبان الدير وكهنته، وجمع عدداً من التلاميذ يدرّسهم بنفسه، وبنى غرفة الاستقبال في الدير، ورمم كثيراً فيه، ولما عزم على إنشاء مدرسة جامعة في الدير، انتدبه غبطة البطريرك إلى أبرشية حمص ليساعد على تهدئة الأمور، ذلك أن مطران حمص ديونيسيوس (1866-1885)، اختلف مع بعض أبناء رعيته، فكان أن حل السلام في الأبرشية على يده، وأحبه شعب حمص نظراً لما رأوا من فضائله، وبقي في الدير إلى عام 1886.

انتخابه مطراناً



في 2 شباط 1885. توفي مطران حمص ديونيسيوس [1]، وبعد عشرة أيام تقدم أهالي حمص بطلب إلى البطريرك إيروثيوس بسيامة أثناسيوس مطراناً عليهم بأشد إلحاح، ولكن غبطته كان في شيخوخة متقدمة، فلبى نداء ربه قبل أن يتمكن إجابة طلبهم.
ثم ارتقى السيد جراسيموس سدة البطريركية (1885-1891) [2]، فأعاد أهالي حمص الالتماس السابق فوعدهم خيراً، واستقدم أثناسيوس إليه خمسة أشهر، ورغب منه البقاء عنده ليكون يده اليمنى في تدبير مهام البطريركية، إلا أن لجاجة شعب حمص في التماسه حال دون ما يتمناه غبطته، فرشح غبطته أثناسيوس لأبرشية حمص حسب القانون الكنسي، وكان أن انتخب مطراناً على الأبرشية[3].

تمّت شرطونيته ميتروبوليتاً في 25 آذار 1886في بيروت، ووصل إلى حمص في 5 نيسان (سبت لعازر)، فاستقبله الشعب الحمصي استقبالاً منقطع النظير.


أعماله الروحية والرعائية




بدأ المطران أثناسيوس إصلاحاته الروحية فور وصوله، فأخذ يقيم الصلوات باللغة العربية بعد أن كان معظمها يُقام باليونانية[4]، ورتّب جوقةً للترتيل درّبها بنفسه، وشرع يلقي المواعظ أيام الآحاد والأعياد والصوم الأربعيني. اهتم بتعليم الشعب الإيمان الأرثوذكسي، فخصّص يومي الثلاثاء والخميس من كل أسبوع ليفسّر لهم الإنجيل ويشرح العقيدة، فازداد تعلّق المؤمنين بشخصه لما كان يتحلّى به من تقوى وغيرة ومحبة أبوية نحو الجميع، ولما يتمتّع به من علم زاخر وصوت عذب رخيم حتى دعي "بلبل الشام".

صار الإقبال على حضور الصلوات شديداً في عهده، ولم تعد كاتدرائية الأربعين شهيداً تتسع للمصلين، فجدّد بناءها ووسّعها عام 1890، وبنى كنيستين جديدتين في المدينة، كنيسة القديس جاورجيوس عام 1894، وكنيسة القديس أنطونيوس عام 1910. ثم راح يبني الكنائس في سائر قرى الأبرشية أو يجدّدها، وينشئ إلى جانب كل منها كهنةً مشهوداً لهم بالعلم والحكمة مع الفضيلة والتقوى.


اهتمامه بالمدارس وتقدّم المعارف




عندما تسلّم المطران عصا الرعاية، لم يكن في حمص سوى مدرستين صغيرتين (240 تلميذاً وتلميذة و6 معلمين)، فأخذ يشيد دور العلم بمؤازرة الشعب الغيور ودعم الجمعية الامبراطورية الفلسطينية الأرثوذكسية. حتى بلغ عدد المدارس التي أسسها بحلول العام 1911 ستة عشر مدرسة للذكور والإناث تضم 2250 تلميذاً و54 معلماً.
كانت الدروس التي تعطى قبله للتلاميذ مقتصرةً على مبادئ القراءة والخط والحساب والجغرافية، لكن المطران أثناسيوس أضاف إليها النحو والصرف ومبادئ الجبر والهندسة ومسك الدفاتر والعلوم الطبيعية والجيولوجيا، كما أدخل إلى مناهج التعليم اللغتين الفرنسية والتركية إلى جانب الموسيقى الكنسية والتاريخ الشريف.
بذلك أصبحت مدارس حمص محط أنظار الجميع وقِبلةً للتلاميذ يقصدونها من سائر أنحاء سوريا ولبنان، الأمر الذي دفعه عام 1910 إلى تأسيس أول مدرسة داخلية هي "المدرسة الداخلية العلمية الأرثوذكسية" التي استقبلت في عامها الدراسي الأول 53 طالباً داخلياً مع 50 تلميذ خارجي يتلقون العلوم العالية بالعربية والانكليزية، على أيدي أمهر الأساتذة المحليين، والاختصاصيين الذين استحضرهم من لبنان وفلسطين وسائر سوريا. وكان المتقدمون من التلاميذ يتلقون مبادئ التركية والفرنسية والروسية إضافة إلى دروسهم.
إضافة لهذه المدارس التي كانت لا تميّز بين مسلم ومسيحي أو بين غني وفقير، أسس المطران عام 1894 مدارس ليلية لمن تضطرهم ظروفهم الحياتية للعمل نهاراً، كما خصّص أحد أيام الأسبوع للتداول مع أبناء الطائفة فيما يعود بالنفع على المدارس، وفي جمع ما يمكن من المال للإنفاق على المحتاج من التلاميذ والمعلمين، ويوماً آخر للاجتماع بالمعلمين لإرشادهم استناداً لخبرته الطويلة في هذا المجال. وكثيراً ما كان يدخل الصفوف ليلقي بنفسه درساً نموذجياً ويحثّ التلاميذ على الاجتهاد والفضيلة. كان يتولى بنفسه ترتيب البرامج ويسهر على حسن سير التدريس ويتابع نتائج الامتحانات وتكريم المتفوقين وإيفاد النابغين إلى الخارج.
كما أنه بنى لكل قرية من قرى الأبرشية مدرسة خاصة بها، نذكر منها:
- بنى سنة 1895 مدرسة لقرية الدوير.
- بنى سنة 1898 مدرسة لقرية وريدة.
- بنى سنة 1899 مدرسة لقرية كفرام.
- بنى سنة 1900 مدرسة لقرية قطينة.
- بنى سنة 1901 مدرسة لقرية أم شرشوح.
- بنى سنة 1902 مدرسة لقرية المشرفة.
- بنى سنة 1903 مدرسة لقرية رباح.
- بنى سنة 1910 مدرسة لقرية جب عباس.
لقد كانت مدارس حمص منارات للعلم والأخلاق في عصر مظلم، خرّجت أجيالاً من الشباب الوطني المثقف، فكان منهم المؤرخ والطبيب والمربّي والأديب. حملوا رسالة النهضة ولعبوا دوراً في اليقظة العربية.

وبذلك وفى بالعهد الذي قطعه على نفسه حين وصل إلى الأبرشية وخطب قائلاً: "ها إنني مستعد بعد الاتكال على الله أن أجتهد غاية الاجتهاد لأجل إصلاح شؤون الطائفة.. وأن أكون خادماً أميناً حريصاً على نشر المعارف والعلوم الدينية والأدبية.."


تأسيس الجمعيات الخيرية والأدبية




اهتم المطران أثناسيوس بأن يُشرك الشعب في هواجسه الروحية والعلمية والخيرية في الأبرشية، فشكّل لهذه الغاية11 جمعية، ولجان البر خمسة واحدة منهم للنساء، وسنّ لها قوانينها ووضع لها تنظيمها، فأحسنت القيام بمهامها وكانت له خير معين. نذكر منها:
- جمعية عضد الفقراء 1886 للاهتمام بالفقراء وتطبيب المرضى.
- جمعية القديس اليان لدفن الموتى 1892 للعناية بدفن موتى الفقراء والغرباء.
- جمعية الغاية الجليلة لنشر الفضيلة 1896 لترقية آداب أبناء الطائفة وتثبيتهم في الإيمان الأرثوذكسي إزاء التبشير الغربي.
- جمعية الاقتصاد في العوائد 1896 لإبطال بعض العادات البعيدة عن روح الإيمان المسيحي التي كان يمارسها الشعب في الأفراح والمآتم، فتستنزف ماله.
- جمعية الإنشاءات الخيرية 1898 لتشييد المباني العمومية لخير الطائفة.
- جمعية المنكوبين 1903 لإعانة البائسين والمنكوبين بالهواء الأصفر الذي ضرب حمص في ذلك العام، وفتك بحياة الكثيرين من سكانها.

- جمعية تربية اليتامى 1904 التي شيّدت ميتماً ضم في العام 1906 عشرين من اليتيمات اللواتي فقدن أهلهن في ذلك الوباء، وأشرفت على تهذيبهن وتعليمهن.

إنجازاته الرائدة وفرادته



كان المطران أثناسيوس رائداً للنهضة وسبّاقاً إلى تحقيق عدد منالإنجازات التي انفرد بها:
شكّل أول جمعية اقتصادية وطنية في حمص، وربما في سوريا، لرفع مستوى صناعة النسيج المحلّي وجعله منافساً في جودته للمنسوجات الغربية، وهي شركة مساهمة تحت رئاسته ضمّت عدداً من تجار المنسوجات الحمصية.
أسس عام 1897 أول جمعية نسائية، هي جمعية "نور العفاف"، تألّفت من خريجات مدارس الطائفة اللواتي نشأنَ على التقوى، ونشطن في العمل الخيري ومساعدة الفقراء. ومن مآثرها المستوصف الذي شيّده عام 1903 بجوار الكاتدرائية لمعالجة المرضى مجاناً، ومستشفى الحميدية 1912.
أوجد في حمص أول مطبعة[5]، فأصدر جريدة حمص عام 1909 لتوثيق الصلة بين أبناء الوطن المقيمين والمغتربين، والتي مازالت تصدر حتى الآن.
أنشأ عام 1896 في حمص أول دار للكتب وأول قاعة للمطالعة استفاد منها عموم الشعب لأنها كانت مكتبة عمومية فتحت أبوابها لجميع الناس.
أدخل الكهرباء إلى حمص لأول مرة في تاريخها عام 1911[6].
أسس أول مسرح في حمص، وكان يشرف بنفسه على تدريباته.

طبع أول كتاب لمجموع الصلوات باللغة العربية 1890، وضمّنه بعض القصائد الدينية من نظمه وأشهرها: "افرحي يا بيت عنيا".


تلامذته




كثيرون هم الذين درسوا على يديه وتدرّجوا بتشجيعه في مراتب الكهنوت حيث لعبوا دوراً هاماً في حياة الكنيسة الأنطاكية، نخص منهم بالذكر:
القديس الأسقف رافائيل هواويني.
البطريرك ألكسندروس طحان.
المطران أبيفانيوس زائد.
المطران استفانوس يوسف.
المطران بولس أبو عضل.
المطران باسيليوس الدبس.
الأرشمندريت أنطونيوس مبيّض.

الشهيد المحامي رفيق رزق سلوم.


أوسمته




نال سيادته عدد من الأوسمة نذكر منها:
الوسام المجيدي من الرتبة الثالثة.

وسام القديس فلاديمير من الرتبة الثالثة من قيصر روسيا نقولا الثاني.


رقاده بالرب




واظب المطران أثناسيوس سبعةً وثلاثين عاماً على رعاية القطيع الذي اؤتمن عليه بكل محبة وأمانة، وبغيرة رسولية وهمّة لا تعرف الكلل أو الملل، حتى رقد بالرب في 23 تشرين الثاني 1923 في منسك "الدوير" عن عمرٍ يناهز السبعين عاماً حافل بالعطاءات الكبيرة للإنسانية والوطن والدين. فُجع برحيله الجميع، مسلمون ومسيحيون، مغتربون عن الوطن ومقيمون، ودفن في ساحة الكاتدرائية.

وفي عام 1929 أقام له الحمصيون نصباً فوق ضريحه، كما وأطلقوا اسمه على أحد شوارع المدينة اعترافاً بفضله وتخليداً لذكراه كباعث نهضة ومصلح اجتماعي وروحي كبير. ومازال النصب التذكاري إلى يومنا هذا يتوسط ساحة الكاتدرائية.


المراجع والمصادر




أسعد، الخوري عيسى. تاريخ حمص. "القسم الأول: منذ نشأتها الأولى إلى ظهور الإسلام". منشورات مطرانية حمص الأرثوذكسية. 1983.
أسعد، منير الخوري عيسى. تاريخ حمص. "القسم الثاني: من ظهور الإسلام حتى يومنا هذا". منشورات مطرانية حمص الأرثوذكسية. 1984.

خير الله، أمين ظاهر. الأرج الزكي في تهاني غبطة البطريرك الأنطاكي السيد ملاتيوس، المطبعة العثمانية، لبنان، 1899.

رستم، أسد. كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، الجزء الثالث، منشورات المكتبة البوليسية، لبنان، 1988.


نعمة الله، رزق الله حداد. تذكار اليوبيل لسيادة الحبر الجليل اثناسيوس عطالله. مطبعة حمص. 1911.


الحواشي




1. عمة الله، رزق الله حداد. تذكار اليوبيل لسيادة الحبر الجليل اثناسيوس عطالله. مطبعة حمص. 1911، ص 48-49.

2. رستم، أسد. كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، الجزء الثالث، منشورات المكتبة البوليسية، لبنان، 1988، ص 233.

3. خير الله، أمين ظاهر. الأرج الزكي في تهاني غبطة البطريرك الأنطاكي السيد ملاتيوس، المطبعة العثمانية، لبنان، 1899، ص 135-136.

4. ذلك أن سلفه المطران ديونيسيوس (1865-1885) كان يونانياً من الأناضول.

5. تبرّع بها المغترب الحمصي في البرازيل بشارة عيسى المحرداوي.

6. المولدتان الكهربائيتان تبرّع بهما المغترب الحمصي في البرازيل عبده يوسف تقلا، واستمرت الكهرباء تنير المطرانية والمدرسة الداخلية والمطبعة إلى أن صادرتهما الحكومة التركية أثناء الحرب العالمية الأولى.