السماء هنا حقًّا
قـال أحــد الـرهـبـان للـقـدّيــس بـاخـوميـوس (٢٨٦- ٣٤٦): حدّثنا عمّا يظهر لك في الرؤى. أجابه القدّيس: الخاطئ مثلي لا يطلب من الله أن يكون لديه أيّ رؤًى... ثمّ تابع: مع ذلك، استمع، فإنّي سأحدّثك عن رؤيا عظيمة: إذا رأيت إنسانًا طاهرًا ومتواضعًا، فهذه رؤيا عظيمة. فما هو أعظم من هذه الرؤيا: أن ترى الله غير المنظور عبر الإنسان المنظور الذي هو "هيكل الله" (سيرة القدّيس باخوميوس اليونانيّة الأولى ٤: ٢).
ليس من كلام أفضل من هذا الكلام، لنذكره في زمن يضجّ العالم فيه بأخبار الرؤى. فثمّة مَنْ يقول إنّه رأى المسيح أو أحد القدّيسين (ولا سيّما مريم والدة الإله). وتسمع عن "رسائل أنزلت". رسائل، إن قرأتها بتمعّن، تجدها إمّا تثبت إيمان كنيسة دون أخرى، أو تردّد ما تطلبه المسيحيّة عمومًا (صلّوا؛ اقرأوا كلمة الله؛ توبوا؛ لا تبتعدوا عن اجتماع الكنيسة؛ وما إليها). فعالم اليوم لاهٍ، بمعظمه، عمّا قاله القدّيس باخوميوس. ليس لأنّه صعب، بل لكون الكثيرين قد وضعوا عقلوهم وهواجسهم في موقع آخر!
كلام باخوميوس يذكّرنا بالحقيقة التي غيّرت وجه التاريخ. فكلمة الله أتى إلينا. كنّا قبل مجيئه محكومين بقواعد عادت لا تنفعنا. هو صار معنا، وواحدًا منّا، و"شريكنا في كلّ شيء ما خلا الخطيئة" (عبرانيّين ٤: ١٥). عدنا لا نراه بعيدًا، أو محتاجًا إلى أن يكلّمنا أحد عنه، أو نكلّمه بالواسطة (فلنذكر أنّ تعليمنا يطلب أن نكلمّ الله "مع" القدّيسين). وهذه هي الأعجوبة التي لا تحاكيها أعجوبة، والرؤيا التي لا تشبهها رؤيا. ويذكّرنا، تاليًا، بحقيقة الإنسان الذي دعوته الدائمة، فيما يعتقد أنّه خاطئ، أن يسعى، بجدّيّة كاملة، إلى أن يكون طاهرًا (يعقوب ٤: ٨) ومتواضعًا (فيلبي ٢: ٣). أي، باختصار، أن يكون مسيح الله مثاله الوحيد (١كورنثوس ١١: ١).
دعوة الإنسان أن يعي أنّه "صورة الله" و"هيكله". فبعيدًا من تحقيق هذه الدعوة، سنبقى رهن أخبار العالم ورؤاه. هل هذا يعني أنّ الله يحتاج إلى الإنسان الطاهر والمتواضع، ليدلّ على نفسه في الأرض؟ يبدو، في معظم الأحيان، أنّ الأمر كذلك. هذا لا يعني أنّ الله تنازل للإنسان عن حضوره تنازلاً كلّيًّا، بل إنّه يمدّ حضوره في مَنْ قَبِلَ أن يكون، بالنعمة، مقرًّا له. فالربّ أتـى إليـنا، ليــبقى فيـنا. لو آمنا بـمجيئه فحسب، لما قـلنا المطلوب كلّه. المطلوب أن نؤمن، في آنٍ، بمجيئه وببقائه (فينا). بعضنا يعلم أنّ عبارة "صورة الله"، أو "هيكل الله"، لها مدلولاتها في الكتب. فقول الله، في العهد القديم، إنّه خلق "الإنسان على صورته"، فهمه آباؤنا على ضوء تجسّد الكلمة الذي هو "صورة الله غير المنظور" (كولوسي ١٥:١). وقوله إنّنا هيكله يعني أنّ هيكل الله، الذي كان قَبْلَ هدمِهِ قائمًا على رابية من روابي أورشليم، كان رمزًا إلى شعب الله الجديد الذي أصبح هو الهيكل (١كورنثوس ٣: ١٦). بهذا المعنى، الله حاضر في مَنْ كان على صورة ابنه الوحيد، ولا سيّما في مَنْ حواه ممجّدًا فيه.
من مخاطر الرؤى، التي اشتهر العالم بنقلها، أنّ الاستسلام لها يجعلنا نهمل خلاصنا. ألم يخبرنا التراث النسكيّ أنّ أحد القدّيسين رفض ظهور شخص ادّعى أنّه المسيح، بقوله: "لقد وَعَدَنا الربُّ بأن نراه في اليوم الأخير"، ثمّ اكتشف أنّ محدّثه كان إبليس؟ صحيح أن ليس كلّ ظهور إبليسيًّا. لكن، ألا نغيّر مشيئة الله الذي حكم أن يراه الناس فينا، إذا طلبنا رؤيته في رؤًى؟ الله يريد أن يظهر فينا في فضائله الغالية. هذا هو ظهوره الحقيقيّ في العالم. ومن مخاطرها، أيضًا، أنّها قادرة على أن تجعلنا أسرى مَنْ يخبرنا عنها. فقد يدغدغنا أن نرى شخصًا يقول لنا إنّه راء، فنسقط في تأليهه، ونتبع شهوات رابضة فينا. ليس من قاسم مشترك بين هؤلاء ومن وصفهم باخوميوس العظيم بأطهار ومتواضعين. فمن تحلّوا بالفضيلة، قادرون على أن يساعدونا على أن نرى أنفسنا على حقيقتها، لنشفي قلوبنا. إذ ليس من رؤية أعظم من رؤية إنسان يدرك، في صميم قلبه، أنّه "راعي بقر وواخز جمّيز" (عاموس ٧: ١٤). فذاك مَنْ يجب أن يكون طلبنا الوحيد، لنلتقي بالله حقًّا.
لا أعتقد أنّ القدّيس باخوميوس ينكر، في قوله، وحي السماء. لكن، هل من وحي يفوق وحي الله في مسيحه؟ ولا أعتقد أنّه ينكر حضور القدّيسين في حياة الجماعة. فنحن استلمنا أنّنا وإيّاهم كنيسة واحدة. معظم ما يصل إلينا من الرؤى ينقله فرد. فكيف تشرح، مثلاً، لمأخوذ بالرؤى، أنّنا والقدّيسين جماعة واحدة؟ من يعتقد أنّ قدّيسًا ظهر في هذا البيت أو على هذه الهضبة، ألا يمكن أن يعني أنّ البيوت والهضاب الأخرى تخلو من حضور قداسة الله؟ لقد رأينا ألوف الناس يحتشدون في مقرّ قيل لهم إنّ قديسًا ظهر فـيه. مَنْ سأل نـفسه لِمَ هؤلاء جميعهم لا يحتشدون في اجتماع الكنيسة التي تجمع السماء والأرض؟ ليس هذا معناه أنّنا نشكّك في عواطف الناس وصدقهم، بل نسأل على ضوء إيماننا. فإلى متى ستبقى القداسة، برأي الكثيرين، محصورة بالسماء وإطلالاتها؟ أي إلى متى سنبعد عنّا دعوة القائل: "كونوا قدّيسين"؟ هل الكلام على السماء المطلّة أغلى، عند الله، من الأرض التي أهلها مدعوّون دائمًا إلى أن يدركوا أنّها باتت سماء بسكنى ابن الله فيها إلى الأبد؟
لقد قال القدّيس باخوميوس ما يجب أن نقوله دائمًا، ونقتدي به دائمًا. ما من رؤيا أخرى تفرح الله. وما من أمر آخر يقدر على أن يوحي أنّ السماء باتت هنا حقًّا.
رَعيّـتي - تصدرها أبرشية جبيل والبترون للروم الأرثوذكس

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
.gif)

المفضلات