[FRAME="8 90"]
منذ أزمنة موغلة في القِدَم يختبر الإنسان في أعماقه حياة تتسامى في كمالها وجمالها وتجدّدها على عيشه اليومي تسامي الدفاع الروحي فيه على دوافعه الحيوية الدنيا. فهذه تستهدف بقاءه على قيد الحياة، واستمراره كنوع، وتحقيق كل ممكنات بشريّته أو ناسيته، بينما يرمي ذاك إلى الارتقاء به إلى ما فوق بشريته، أي إلى صيرورته إنسانا حقاً، مرآة تنعكس على صفحاتها الممكنات الموجودة "بالقوة" في العلم الإلهي اوالكلي، بما يحقق الغاية من الخلق: معرفة المطلق نفسه في النسبي، ومحبة اللانهائي نفسه في المنتهي!
هذه الخبرة التي تعتبر أساس كل حضارة حقيقية وجوهرها العميق كان لا بد للإنسان من أن يعبِّر عنها وينقلها، فكان الفن - فضلاً عن حياة الإنسان المختبر نفسها، بكل أوجهها وأدق تفصيلاتها - أكثر النشاطات الإنسانية قدرة على التعبير عن روح الخبرة المذكورة وأبلغها ترجمة لجمالها. وب"الفن" نعني هنا الفن بما هو التعبير الخارجي المحسوس عن أعمق ما تنطوي عليه حضارة روحية في أسسها ومنطلقاتها وتطلعاتها.
إنما جوهر الفن هو الجمال، ولما كان الجمال من صفات الحقيقة، يتعذر من وجهة نظر الحقيقة فصل الشكل عن الفن، من حيث أن الفن تجسيد للشكل المحسوس والأقرب إلى التعبير عن الحقيقة ايماءً ورمزاً، وهذه الخاصية - خاصية تعبير الفن عن الحقيقة - تتأتى من وجود مقايسة analogy معكوسة بين الصعيدين المركزي أو اللامرئي من جهة، والمحيطي أو المرئي من جهة ثانية. بمقتضى هذه المقايسة تتجلّى أسمى الحقائق على أوضح ما يكون عليه التجلّي في أبعد انعكاساته عن المركز، أي على الصعيد المحسوس أو المادي. "الأطراف في تماس" كما يقال. أي أن بلوغ أقصى كثافة ممكنة للمادة يجعلها محل تجلٍّ بامتياز لأسمى تحقّق روحي.
تأسيساً على ما تقدم يمكننا أن نفهم سر التجسُّد، أي كيف "صار الكلمة جسداً" (يوحنا :1 14) وكيف يتيسر للفن المقدس أن يحتكم إلى قواعد تطبِّق في عالم الصور المحسوسة القوانين الكونية والمبادئ الكلية، قواعد تشي في مظهرها الخارجي الأعمّ بخصوصية حضارة معينة وبنهجها العام الذي يفسِّر بدوره نمط عقليّتها الفريد. لذا يمسي الفن، متى نُزعت عنه قدسيته وصار بشرياً "شخصياً" وبالتالي اعتباطياً، علامة وسبب تدنٍّ عقلي وانحطاط حضاري إذ يكف عندئذ عن أن يكون حاملاً للكشوف العقلية والروحية الرفيعة التي ترفع طرف النقاب عن الحقيقة المستترة أبدا، يتحول إلى مجرد استجابة للأشواق النفسية الجماعية الدنيا.
أن الصلة القياسية بين الكشف الروحي والصورة المادية تفسِّر لنا كيف كان للخبرة الروحية أن تنزرع على ممارسة المهن والفنون اليدوية. وهذا وجه مهم من وجوه المسألة التي نحن في صددها، أي فعل علم الباطن في عالم الظاهر من خلال الصور المحسوسة بما هي أوعية حقيقية للعقيدة الروحية، تنقل هذه العقيدة، بفضل رمزيتها، بلغة مباشرة وعالمية، وبذلك يبثُّ علم الباطن في الوجه الظاهر من الحضارة حصراً، خاصية روحية وتوازناً داخلياً يؤدي غيابهما اخيراً إلى انحلال هذه الحضارة برمِّتها. أن التخلي اليوم عن الفن المقدس حرم علم الباطن من وسيلة تأثيره المباشرة، وأدى إلى تكاثف الصور المحسوسة والى موتها.
وهي مناسبة للقول أن جمال الله يشير إلى حقيقة أعمق، أو بالحري أبطن، من خيره. قد نستغرب هذا القول للوهلة الأولى، لكن فلنعد إلى القانون الإلهي الذي بمقتضاه تكون المقايسة بين الصعيدين المركزي والمحيطي معكوسة، بمعنى أن الكبير في المركز صغير في المحيط، والباطن في المبدأ يبدو ظاهراً في التجلّى، والعكس بالعكس. تأسيساً على هذه المقايسة، يكون الجمال في الإنسان ظاهراً والخير باطناً، على عكس ما يحصل على الصعيد الإلهي حيث الخير هو مجرد "تعبير" عن الجمال ليس إلا. يفسِّر لنا هذا كرَّة أخرى كيف يمكن الجمال الإلهي، الأبطن في الألوهة، أن ينعكس في الصور المحسوسة.
الفن المقدس، بما هو تطبيق لقوانين إلهية وكونية، يبدع الجمال حتماً. أما الجمال في الفن "الواقعي" فليس في العمل الفني بما هو كذلك، بل في الغرض الذي ينسخه هذا العمل، بينما يكون العمل بحد ذاته جميلاً في الفن الرمزي المقدس، مهما بلغ تجريده أو استعارته للجمال من نموذج طبيعي. الفن الفرعوني مثال على ذلك، من حيث إن جماله ليس في الغرض الممثل له فحسب، بل في العمل الفني بحد ذاته أيضا، أي في الحقيقة الداخلية التي يُظهّرها العمل
ينطبق مصلحة "أيقونة" (من كلمة يونانية تعني "صورة") في المعنى الواسع على كل الصور المقدسة التي يكرِّمها المسيحيون في أوروبا الشرقية والشرق الأدنى، بصرف النظر عن حامل الصورة. بذا يمكن أن تكون الأيقونات من حيث المبدأ عبارة عن فسيفساء، أو جدرانيات، أو محفورات على الرخام أو المعدن، أو مطبوعات على الورق. أما في المعنى السائد حالياً فينطبق المصطلح على الصورة المقدسة المحمولة والمرسومة على الخشب، أو المعدن، أو حتى على الزجاج.
نشأة تكريم الأيقونات وانتشاره
ظهرت أولى الأيقونات في مصر في القرن الثالث الميلادي، وأقدم ما وصلنا سليماً من الأعمال يشبه إلى حد كبير صور الفيوم الشخصية الجنائزية التي حلت محل الأقنعة على التوابيت البشرية الشبه في العصر الهلنستي. ووجه التقليد اليهودي الذي تقيّد بالنهي التوراتي عن استخدام الصورة في العبادة الدينية بالتقليد اليوناني المؤيِّد نظرياً بالعقيدة الأفلاطونية الجديدة التي يعبِّر الرمز المادي في نظرها عن حقيقة روحية، وتكون للصورة، في هذا المعنى، وظيفة تعليمية. ولاقى هذا التقليد قبولاً في بعض الجماعات اليهودية. مثال ذلك الجداريات المستوحاة من موضوعات توراتية المنفَّذة على جدران كنيس دورا اوروبوس (الصالحية اليوم) على الفرات في القرن الثالث. بيد أن التقليد اليوناني هو الذي بعث في القرنين الثاني والثالث ظهور الصور المقدسة في الكنيسة المسيحية التي لم تستعمل أصلاً إلا رموزاً مجرَّدة (من نحو الصليب والحَمَل والسمكة والحمامة). ورحَّب العالم المسيحي بالوظيفة التعليمية للصور، لكن تكريمها لم ينتشر في المنطاق كافة، بل ظل محل عبادة في المنقول اليوناني البيزنطي.
كانت للأيقونات الأولى، شأنها شأن الصور الشخصية الجنائزية، قيمة تذكارية أصلاً، فكانت تمثّل للشهداء والرسل والعذراء ويسوع. ومع مستهل القرن الرابع بدأت شخوص نمطية تتشكل وصارت هالة النور تشير إلى قداستها. كانت صحة هذه الصور الشخصية ترتكز على اعتبار جوهري. كان يُعتقَد أن صور المسيح والعذراء عجائبية الأصل و"مصنوعة بغير أيد"، أما صور القديسين فنُفِّذت بحسب الأوصاف المنقولة حفظاً - شفهية أو مدوَّنة - بالمصادر المنقولة. وأقدم أيقونة تمثل للعذراء ظهرت في فلسطين ونُسبت إلى القديس لوقا، باستثناء الوجه الذي قيل انه رُسِم عجائبياً من دون أن تمسسه يد بشرية. وبحسب المأثور، يعتمد التمثيل لشخص المسيح على صورة شخصية بعث بها يسوع إلى ملك الرها (إذسا أو أورفه) أبجر أكّاما، "الأسود" (مات عام 50م)، وعلى نقاب فيرونيكا الذي يقال أن صورة المخلّص انطبعت عليه (لعل اسم فيرونيكا تحوير للكلمتين اللاتينيتين vera icona، أي "الوجه الحقيقي").
ومع تطور رسم الأيقونات بعد القرن الرابع، اندرجت فيها موضوعات تتناول الفصول التاريخية لرسالة المسيح (العجائب، مشاهد من سيرته)، ومن بعدُ فصولاً من حياة القديسين وتاريخ الكنيسة. وفي القرن السادس انتشر تكريم الأيقونات عبر الإمبراطورية البيزنطية، فكانت الأيقونات تُعرَض على المؤمنين في الكنائس أو أثناء المواكب الاحتفالية، كما يُحتفظ بها في المنازل الخاصة. وكانت عبارة إما عن قطعة واحدة أو مركّبة من قطعتين أو ثلاث. وقوة انتشار تكريم الأيقونات والقدرات العجائبية المنسوبة إلى بعضها، وتواحد الأيقونات في أذهان المؤمنين مع الشخصية التي تمثّل، خلقت منذ البداية معارضة ومناوءة من بعض آباء الكنيسة، مما أدى في القرن الثامن إلى أزمة تحطيم الصور Iconoclasm التي نجم عنها إتلاف عدد كبير من الأيقونات، ولا سيما في المناطق الواقعة تحت سلطان أباطرة بيزنطة المباشر. ورغم ذلك، عجز تحطيم الصور عن الحيلولة دون الانتشار اللاحق لتكريم الأيقونات في المناطق الواقعة على محيط الإمبراطورية، ومن هنا المحافظة على أقدم الأيقونات العائدة إلى القرنين الخامس والسادس في جورجيا (عبر القفقاس) وعلى جبل سيناء وفي قبرص. ومع إعادة الاعتبار الرسمية لتكريم الأيقونات عام ،843 تعمّمت ممارسة التكريم ليس في الإمبراطورية البيزنطية وحدها بل في مناطق سيطرت عليها الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كشبه جزيرة البلقان وروسيا.
وفي أعقاب انتصار العقيدة الآخذة بتحليل التكريم عُرضت الأيقونات أكثر بكثير في الهياكل وظهر الايقونوسطاس ("حامل الأيقونات")، وهو عبارة عن شاشة من الأيقونات تفصل المذبح عن صحن الكنيسة. ويبدو أن الايقونوسطاس تطور عن الtemplon، وهو حاجز حجري أو رخامي أو عاجي يحوِّط الهيكل حيث المائدة المقدسة[/FRAME]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
المفضلات