[frame="13 80"]
ثلاثيّة الموسيقى، الأسطورة، الدين
I


منذ القديم القديم، يقع لبنان في منطقة عبور، تبدأ من شمالي بقاعه عند فتحة حمص، حتى أقصى مدى جنوبه، أي جنوبي فلسطين، على حدود "دلتا" مصر. ومن استطاع من الممالك القديمة أو الحديثة، أن يسيطر على هذه الرقعة، كان يرسم بقوة، حدوده العسكرية والاقتصادية مع الممالك الكبرى المحيطة ومصالحها القديمة/ الجديدة، الاخشاب وغيرها قديماً... كما النفط وغيره... حديثاً.
هكذا اصطرعت آلاف السنين، وتصطرع حالياً الممالك الكبرى القديمة – الحديثة نفسها: من الجنوب سلالات الفراعنة المصريين، ومن الشرق السومريون، البابليون، الآشوريون/ العراقيون، وفي مدى أبعد، الفرس/ الايرانيون، ومن الشمال الحثيون/ الأتراك... وما حولنا وحولهم من قوى عظمى قديمة وحاليّة: اليونان، روما، ومن ثم أوروبا، أميركا/ اسرائيل، روسيا، الصين.



II


مع ذلك، نشأت أسطورة عازف القيثارة "أورفيوس"، وهو في الأصل من أبناء الرفائيين الذين سكنوا حرمون والبقاع وشاع تكريمهم في مدينة أنطاكية العظمى (تركيا الحالية) حيث غابة أورفا المقدسة وكانوا من النساك والأطباء والفلاسفة، يشفون النفس والجسد والروح... (أجسام الكائن البشري السبعة).
من هو أورفيوس هذا، وما هي قيثارته، وما علاقتها بالموسيقى وفي هذا الزمن بالذات؟
"أورفه" او الأورفلّي هذا، أمه، بحسب الأساطير المتوسطية، واحدة من تسع "ملهمات" او "جنيّات" او "شياطين" الأدباء والفنانين والعلماء بحسب التعبير العربي، وهي بالتحديد ملهمة البلاغة والشعر الملحمي ولقبها "الصوت الشجي".
أما أبوه، فهو إله الشمس "شمش" او أبولون اليوناني (ومنه لقب قرية "بلّونة")، وقد أنجب في ليال تسع متتاليات – من الربّة "الذاكرة" السحيقة القدم – تسع ربات ملهمات، حافظات للعلوم والآداب والفنون بحسب ذاك الزمن، عددهن تسع وهنّ:
في العلوم ربة علم الفلك، ربّة التاريخ، في اللغة، ربّة علم البلاغة، في الشعر والغناء، ربّات الشعر الغنائي / الملحمي" وخصوصاً ربّة المراثي، في المسرح، ملهمتا التراجيديا والكوميديا، في الفنون، "شيطانتا" الموسيقى والرقص. وكان الإله أبولون يرعى جوقة الربّات الملهمات التسع، ويقود ابداعاتهن، كما انجازات البشر الذين مسّتهن ربّات الخلق والبهاء تلك، بواسطة قيثارته الإلهية ذات الأوتار السبعة.
لكن أورفه – الابن – تفوّق بالعزف على أبيه أبولون، فسحر أفئدة الحيوان الوحشي كما الانسان "الوحشي"، حتى إنه قارب أن يحيي الميت، فأهداه أبولون قيثارة صنو قيثارته، وأضاف اليها وترين اثنين، ليصبح عدد أوتارها تسعة بحسب عدد ربّات "العبقر"، وكان أورفه يجيد "السحر" بأوتارها، حتى إنه استطاع أن يحنّن قلب حارس أبواب الجحيم ليقوده الى محبوبته التي أردتها قتيلة حيّة سامة ليلة زواجه منها، فكان أن سمح له إله الجحيم نفسه الإله "حتف" ان يستعيدها. لكنه لحظة مغادرته أبواب الجحيم، ارتعب لفقدانها مجددا، فنظر للتوّ وراءه مستطلعاً فكان أن سلبت منه الى الأبد.



III


يحلو لي أن أشبّه قيثارة "أورفه" المنعم عليها بخريطة لبنان، وموقعه الجغرافي والمناخي والاستراتيجي والتاريخي.
هذا "اللبنان" / أورفه وخريطته/ القيثارة ذات الأوتار التسعة التي حباها ربّ الشمس منذ التكوين مباهج العلم والأدب والفنون، بفعل سحر الموقع، الجنّة، المنفرد في محيطه، وجلال تطوره التاريخي المشترك مع الشعوب المحيطة، منذ انبثقت حضارات العصر الحجري الحديث وما تلاه: عصر فجر التاريخ وعصر السلالات الكبرى...
لكن الأعجوبة – الأحجية الخاصة بلبنان، أن قيثارته نادرة، وهي ذات أوتار تسعة مزدوجة، تعزف عليها طوائفه الثماني عشرة:
فمتى أحسنت هذه الطوائف العزف، ونسّقت الربّات التسع عبقرية الأوتار البهية المزدوجة، بحيث أفاضت كل طائفة من مخزونها الاسطوري والتراثي والروحي المتنوع والثريّ، ارتقى شعبنا غنياً موحداً الى عزف التلاقي والتمايز والتلاقح، وسطع الوطن "كمصحف منفرد بذاته".
أما متى تقاتلت الطوائف، كلّ بحسب مواقيت دولية، على الانفراد بتملّك أوتار القيثارة، وخضعت كما تاريخياً، لصراعات الممالك المحيطة: ارتفع إذ ذاك نشيج الدم من أوصالها الطولية، وفي بطون جميع مناطقها: شواطئها، سهولها الساحلية والداخلية، وديانها، تلالها، هضابها، قمم جبالها، حتى انقصم "الفيصل" بين مسالكها: "ظهر القضيب" القابض على وسطها – إنه عويل "المراثي" العويل الدوري الأبدي لربة شعر المراثي الغريبة تلك، التي ورد اسمها في تعداد الربّات التسع، بنات هذي الديار التاريخية.



IV


أما نهاية أورفه الجميل المبدع، فهي كنهاية المسيح وأدونيس وإيزيس ولبنان، دائماً اسطورية. لم يؤاسه شيء على فقدان زوجته، فكان أن أقام على رثائها حتى ضجّت منه ساكبات الخمر اللواتي يخدمن ديونيسوس، فقطّعن جسده ومزقنه إرباً نثرت في الأنهار، فما كان من ربات الشعر، أمّه وشقيقاتها، إلاّ أن جمعن جسده وواريناه الثرى في موضع عند أقدام جبل الآلهة المقدس: جبل حرمون، أو جبل الأولمب، بحسب واحدة من الاسطورتين.
أما هكذا تتمة اسطورة لبنان. فناء ثم فناء؟ أم فناء ثم فناء ثم قيامة؟

نجاة نعيمه ناصيف

[/frame]