رأس السـنة للقديس يوحنا الذهبيّ الفم
كثيرًا ما يرافق لقاء العام الجديد عند المسيحيين، كفرٌ وإلحادٌ وإفراطٌ وعدم اعتدال. أمّا الكفر والإلحاد فلأنّ الكثيرين من المسيحيين يتفاءلون، ظانّين أنه اذا مضى عليهم اليوم الأول من السنة وهم مسرورون، فالعام كلّه سيمضي كذلك. وأمّا الإفراط وعدم الاعتدال فلأنّ الجميع، رجالًا ونساءً، يحتسون الخمر حتى الصباح.
فهذا السلوك لا يتّفق مع حكمة الروح المسيحي اذا أتبعناه، او سمحنا للآخرين أن يتّبعوه، ألم نسمع قول القديس بولس: "فإنكم تحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين، فأنا أخاف عليكم أن أكون قد تعبتُ فيكم عَبَثًا" (غل10:4-11). ومن جهة أخرى ليس من المعقول أن يُبنى على يومٍ واحدٍ صُرِفٍَ بسرور، الشيء نفسه طوال العام كلّه. وقد يحدث هذا ليس عن جهلٍ فقط، بل من تأثير الشيطان، اذ نستنتج أن الأعمال في الحياة لا تأتي عن طريق الجهد والنشاط، بل بتداول الأيّام فقط. إنّ عامك يكون كلّه سعيدًا، ليس اذا شربت الخمر حتى تسكر، بل بمواظبتك يوميًّا على عمل ما يرضي الله تعالى. إن تعاسة اليوم وسعادته لا تتوقّفان على خصوصية اليوم، لأنّ اليوم لا يختلف عن سواه، بل على نشاطنا او تهاوننا. إن فعلت خيرًا فيومك يكون سعيدًا، وإنْ فعلت الشرّ فيومك يكون مؤلمًا. اذا فكّرت في هذا وعملت بموجبه وأتممت واجباتك من صلاةٍ وعمل برٍّ، فثِقْ بأن عامك سيكون سعيدًا لا محالة، وإنْ تهاونت بهذا وانتظرت النعم الروحيّة بناءً على بدء الشهور وعدد الأيّام، فلا يكون لك خيرًا أبدًا.
إن الشيطان يعلم هذا جيّدًا، ولذلك يحاول ان يوقف سيرنا عن أعمال البرّ ويُطفئ فينا نـور الـنـشاط الـروحـي ويعـلـّمنا أن نُعـلّـق السـعـادة والتعاسة على الأيّام. ولهذا إنّ من يظن أن حُسن اليوم او قُبحه يتوقّفان على شكل اليوم، فهو لا يزاول أعمال البرّ في اليوم القبيح لظنّه أنّ كل ما سيفعله يذهب أدراج الرياح، ولا يأتي بنفع قطّ، وكذلك في اليوم السعيد لا يزاول الأعمال الصالحة، حاسبًا أن التهاون الشخصي لا يضرّه بناء على خصوصية اليوم. وعلى هذه الصورة يُحرم من الخلاص، حاسبا أيامه غير نافعة او باطلة، فيصرف حياته بالخمول والتعاسة.
إننا، لا يجوز لنا أن نراقب الأيّام، وأن نحبّ بعضًا منها وننفر من غيرها. بل علينا أن نعلم جيّدًا أنه لا شرّ الا من الخطيئة، ولا خير إلّا من أعمال البرّ.
السرور لا يكون بالسّكر بل بالصلوات الروحيّة، وليس بالخمر والملاهي بل بالوعظ والإرشاد فالسّكر يُحدِث الهياج، والإرشاد يهدّئ الاضطراب. الأوّل يُظلم العقل، والثاني ينير الظلام. الأوّل يسبّب أحزانًا لم تكن في البال، والثاني يبدّدها مهما كانت.
لا شيء يُدخل النعمة والسرور الى النفس كالتعاليم الحكيمة، وهي احتقار الملذّات والنعم الدنيويّة الحاضرة، والشوق الى الآتية، لأن كلّ حياةٍ بشريّةٍ زائلة. فإننا إن وجّهنا أفكارنا الى هذه الحكمة الحقيقيّة، لا يتسرّب الحسد الى قلوبنا ويؤلمها. وإن رأينا غنيًا لا تضطرب نفوسنا من الفقر، حتى اذا وقعنا فيه نقدر على أن نكون مسرورين.
فلنتجنّب الأعمال التي لا تنفع، لأنّ الرسول المملوء حكمةً يأمرنا أن نعمل حسب قول الرب: "إن أكلتم او شربتم أو عملتم شيئًا فاعملوا كلّ شيء لمجد الله" (1كور31:10). لنهتمّ بالأعمال لا بالأقوال. ولنمجّد، بلا فتور، المسيح الربّ الذي يليق به مع الآب الأزليّ والروح الكليّ قدسه كل مجدٍ وإكرامٍ وسجودٍ الآن وكل أوانٍ والى دهـر الداهـرين.
المصدر :نشرة رعيتي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
.gif)




المفضلات