ولماذا الصوم؟ في عالمٍ بات فيه للاستهلاك القيمة الأولى وللإنسان القيمة الأخيرة لأنه بات كالسلعة المستهلَكة. نود لأولادنا الترف المراتب الغنى اللباس والطعام وكل اهتمام معيشي. هذا حسنٌ عندما لا نتجاوز الحدود. الصوم ليس دعوة لقهر الجسد. فالجسد هو هيكل الروح القدس. ولكننا نجعله عدونا عندما نطلق العنان للشهوة بحيث تتحكم بنا. هناك شهوات صالحة بحد ذاتها، الطعام والنوم والجنس، ولكن لنا قدرة على إساءة استعمالها أو استعمالها خارج الإطار الشرعي... في الصوم نتبنى نظام حياةٍ جديدة. نستغني فيها عن بعض الأطعمة سبيلاً من سبل التقشف والسيطرة على جِماح اللذات. ومواكبة الفقراء. وشهادة على مصالحة الكائنات الحية بعدم قتلها. فمن يريد أن يصارع روح الشر الكامن في أفعاله وأفكاره عليه أن يكون قادراً على التحرر من شهوة كبيرة هي شهوة الطعام. في الإمساك شهادة على أن الصلاة خيرٌ من الطعام والشراب. الصوم ليس أمرأً سطحياً كما يظن البعض. فالجسد و الروح هما في وحدة مترابطة. فالصوم ليس للحمية. بل هو تمرين يمنحنا مع الصلاة الحارة قدرة على مواجهة أهوائنا الفاسدة. كما أنه جهدٌ نقوم به بنعمة الله.. ولابد أن يترافق مع ضبط النفس والصلاة. والقراءة الروحية. و تجنب المشاهد المخلة والكلام الباطل، والسهرات الصاخبة. لهذا تتكثًّف الصلوات في الفترة القادمة.
الصوم ذهابٌ إلى الصحراء دون أن نترك المدينة والقرية، هو ذهابٌ روحي إلى الصحراء حيث النفس مع المسيح تنتظر غلبته على الموت - ولا بد أن تستمر بعد القيامة حتى لا نكون مرائين في حياتنا-فيه نعيش قول السيد: "إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضاً. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم لايغفر لكم زلاتكم". النص الإنجيلي يؤكد أن مشكلة الإنسان ليست في العمل بل في الدافع له. في وضعيته في القلب المكشوف تماماً أمام الله. في الصوم نعيش بتقوى الله ومحبته. ونكون منارةً للآخرين –دون أن نتغنى بفضائلنا-. يجب أن ندرك دائماً أن كنزنا هو المسيح. وهو وحده الذي لا يتغير هو هو نفسه أمس واليوم وغداً. هو وحده الذي يحبنا أكثر مما نحب أنفسنا. ويريدنا أن نعيش كما علمنا أن نعيش. له المجد إلى أبد الدهور آمين. وصياماً مقبولاً نتمناه لجميعكم.
عن نشرة الكلمة العدد 10 سنة 2003

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات