أؤمن بإلهٍ واحدٍآبٍ ضابطِ الكل..."
"الله لم يره أحد قط،الإله، الإبن الوحيد الذي في حضن الآب هو نفسه قد أخبر" (يو 1: 18).
ان الإله الذي يتوق كل إنسان إلى معرفته والذيظهر للأنبياء في العهد القديم، قد ظهر لنا في ملء الأزمنة في شخص ابنه يسوع المسيح. وقد رسمت لنا الأناجيل المقدسة، في لوحات رائعة، صورة الله كما تجلَّت من خلالتعاليم يسوع وأعماله وموته وقيامته، ونجد في تلك الصورة خطوطاً اعتدناها في العهدالقديم وخطوطاً جديدة برزت لنا في المسيح.
1- الإله الوحيد
فعلى غرار العهد القديم، يبدولنا اللهُ في العهد الجديد الإلهَ الوحيد الذي له وحده يجب السجود والعبادة، والإلهالقريب من الانسان، الذي يعتني بجميع الناس ويدعوهم إلى دخولملكوته.
فعندما يتكلم يسوع عن الله لا يبشّر بإلهجديد، بل بالإله الوحيد الذي ظهر في العهد القديم لابراهيم واسحق ويعقوب وموسىوسائر الأنبياء. وقد سأل يوماً أحد الكتبة يسوع عن أولى الوصايا، فأجابه يسوعمردّداً كنت العهد القديم: "أُولى الوصايا هي: اسمع يا اسرائيل: الرب إلهنا هو الربالوحيد. فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك وكل قوّتك" (مر 12: 29، 30؛راجع تثنية الاشتراع 6: 4، 5).
وللتعريف بهذا الإلهلا يلجأ يسوع إلى لغة فلسفية وتعابير نظرية تصف الله في ذاته، بل يستخدم، على مثالأنبياء العهد القديم، لغة حياتية وتعابير واقعية وأمثالاً شعبيّة لا تعرّف بالله فيذاته بقدر ما تعرّف به في علاقته بالعالم والانسان. فيبدو الله، في تعاليم يسوع،قريباً من العالم والانسان، على خلاف آلهة الفلاسفة الأقدمين.
فالله، عند أفلاطون، هو الفكرة المطلقة المجرِّدة للخير، وهو بعيد كلالبعد عن هذا العالم، عالم الظواهر الحسية والمادة الفاسدة. وينتج من تلك النظرةإلى الله موقف عداء للمادة ورذل للجسد.
والله، عندأرسطوطاليس، وان كان قد أبدع الكون، إلا أنه يحيا منذ الأزل بعيداً عن الكون. فهوالعقل الذي يعقل ذاتَه ولا يبالي بالعالم: لا علاقة له بشؤون البشر، فلا يعتني بهمولا يطلب منهم شيئاً.
والله، عند أفلوطين، هو الواحدالمنفصل عن الكون، الذي منه انبثق عالم المادة. إلا أن العالم، بانبثاقه من الواحد،سقط في فساد الكثرة والتعدّدية. لذلك، بينما الإله الواحد هو إله الخير، لا يرىأفلوطين في المادة إلا الشر والفساد. ويتحتّم من ثم على الانسان الذي يريد الوصولإلى الله أن يبتعد عن المادة ويتحرّر منها.
2- الإله القريب من الانسان
هذا التناقض بينالله والكون لا وجود له في العهد القديم ولا في تعليم يسوع. فالله، منذ العهدالقديم، هو الذي خلق الكون والمادة وخلق الانسان روحاً وجسداً، "ورأى ذلك كله انهحسن". وبعد أن خلق الكون والانسان لم يتخلَّ عنهما بل بقي ملتزماً ما خلق. فهو سيّدالتاريخ وسيّد الانسان، وهو الذي يقود البشرية جمعاء إلى الخلاص. وقد أعلن للانسانمشيئته القدوسة في ما رسم له من أحكام ووصايا، وطلب منه الطاعة لأحكامه والأمانةلوصاياه. ومهما ابتعد الانسان عن الله، يبقى الله قريباً من الانسان يخاطبه ويذكّرهبعهده ووصاياه، تارة في كلام الأنبياء وطوراً من خلاله أحداث التاريخ، يلاطفه مرّةويداعبه، ويؤنّبه مرّة ويقاصّه.
هذا الإله يصوّرهلنا الكتاب المقدّس منذ سفر التكوين في ملامح بشرية. فنراه يتكلم ويأمر ويَعِدويهدّد ويقاصّ ويسامح ويتطلّب ويغار ويغضب ويندم، يشعر بالفرح والحزن، بالمحبةوالكره. لا تعني تلك التصاوير البشرية أن الله هو على مثال الانسان في تقلُّبعواطفه وتغيّر طبعه ومزاجه. فالقصد منها إظهار قرب الله من الانسان وعنايته الدائمةبه وغيرته المستمرة عليه.
فالله ليس كائناً مبهماًولا حقيقة مجرّدة. وليس هو بالفراغ المظلم الذي لا يمكن التعريف به ولا الهاويةالتي لا يمكن تحديدها. الله في تعليم يسوع، كما في العهد القديم، يظهر لنا كائناًشخصياً يمكن التحدّث إليه، وكائناً حياً أعطى الحياة للإنسان، وكائناً محباً يعتنيبالبشر كما يعتني الأب بأبنائه. وهذا الكائن الشخصي الحي المحب هو الذي أخذالمبادرة وأوحى بنفسه إلى الانسان داعياً إياه إلى أن ينشى معه علاقات شخصيّةوحيّة، وعلاقات محبة.
فالله هو الذي يقترب منالانسان ويريد أن يقترب منه الانسان بثقة ومحبة فيخاطبه ويتحدث إليه في الصلاةداعياً شاكراً ساجداً مبتهلاً. ومن خلال تلك العلاقات يريد الله من الانسان أن يزيلمن نفسه كل خوف وقلق يمكنه أن يشعر بهما في هذا العالم، ويثق بالله ثقة الصديقبصديقه ويحبه محبة الابن لأبيه.
لذلك لا نجد لا فيالعهد القديم ولا في تعاليم يسوع براهين فلسفية عن وجود الله. فيسوع لا ينطلق منالكون والانسان ليبرهن من خلالهما عن وجود الله. إلاّ أنه عندما يتكلم عن الكونوالانسان يظهرهما دوماً مرتبطين بكائن آخر هو مبدأ كيانهما وثبات وجودهما. لا يرىيسوع العالم إلا في نور الله، فاذا به عالم حسن يستطيع الانسان، دون خوف وقلق، أنيحقّق فيه ذاته ويصل من خلاله إلى سعادته وغاية وجوده.
وهكذا يظهر وجود الله في تعليم يسوع جواباً ليس على رفض الملحدين ولاعلى فضولية علمية تحاول تقصّي أسرار الكون، بل على حاجة وجودية كامنة في أعماق كيانالانسان.
فالله، في نظر يسوع، لا يهمل الناس بليعتني بهم جميعاً كما يعتني بطيور السماء وزنابق الحقل. لذلك يجب على الانسان ألاّيعيش في الخوف والقلق والاضطراب. وهذا معنى عدم الاهتمام المفرط بأمور الحياة الذييطلبه يسوع بقوله:
"لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون،ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست النفس أفضل من الطعام، والجسد أعظم من اللباس؟انظروا إلى طيور السماء، فإنها لا تزرع ولا تحصد، ولا تجمع إلى الأهراء، وأبوكمالسماوي يقوتها؛ أفلستم أنتم أفضل منها بكثير؟ مَن منكم يستطيع، مع الجهد، أن يزيدعلى عمره ذراعاً واحدة؟ ولماذا تقلقون بشأن اللباس؟ تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو،إنها لا تتعب ولا تغزل؛ وأنا أقول لكم: ان سليمَان نفسه، في كل مجده، لم يلبسكواحدة منها. فاذا كان عشب الحقل، الذي يكون اليوم، ويُطرَح في التنّور غداً، يلبسهالله هكذا، فكم بالأحرى يلبسكم أنتم، يا قليلي الايمان؟ فلا تقلقوا إذن قائلين: ماذا نأكل؟ أو: ماذا نشرب؟ أو: ماذا نلبس؟ فهذا كله يطلبه الوثنيون، وأبوكم السماويعالم بأنكم تحتاجون إلى هذا كله. بل اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذا كلّهيُزاد لكم".(متى 6: 25- 34)
وهذا ما يعنيه يسوعأيضاً في مَثَل القاضي الجائر الذي كانت تأتي إليه أرملة قائلة: أنصفني منخصمي.
"فامتنع زماناً طويلاً، ثم قال في نفسه: انيوإن كنت لا أتّقي الله، ولا أرعى للناس حرمة، أنصف هذه المرأة بما أنها تبرمني،لئلا تعود، على غير نهاية وتوجع رأسي". ثم قال الرب: "اسمعوا ما يقول القاضيالجائر! والله، ترى، أفلا ينصف مختاريه الذين يصرخون إليه نهاراً وليلاً؟ وهليتوانى عنهم؟ أقول لكم: انه ينصفهم سريعاً".(لوقا 18: 4- 8)
ويشبّه يسوع الله بالأب الذي يعرف أن يعطي العطايا الصالحةلأولاده:
"إسألوا فتعطوا، اطلبوا فتجدوا، إقرعوافيفتح لكم. فإن كلّ من يسأل يُعطى، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له. أي إنسان منكميسأله ابنه خبزاً فيعطيه حجراً؟ أو يسأله سمكة فيعطيه حيّة؟ فاذا كنتم، مع ما أنتمعليه من الشرّ، تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأولادكم، فكم بالأحرى أبوكم الذيفي السماوات يمنح الصالحات للذين يسألونه!"(متى 7: 7- 11)
في تلك التصاوير والتشابيه والأمثلة يجد الانسان الجواب على مايلاقيه في حياته من صعوبات ومضايق: في الشدّة والعذاب، في الضيق والألم، في الحزنوالحرمان، يعلم أن الله لا يهمله، بل هو قريب منه، وانه باستطاعته في كل لحظة أنيلتجئ إلى الله فيجد الراحة والسلام والفرق والحياة.
لم يأتِ يسوع ليشبع فضولية الانسان ويكشف له عن أسرار الكون، بل جاءليعطيه موقفاً جديداً من الحياة، موقف إيمان بأن الحياة هي عطية من الله الأبالمحبّ القريب من الانسان.
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات