دير القديس جيورجيوس – صيد نايا
يومين قضيتهما في ربوع هذا الدير التابع لبطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس في سوريا هما يومان عشتهما عيشة ملائكية في داخل الدير لن أنساهما مدى حياتي .
الدير عمره عدة قرون وهو موغل في القدم قام بنشاط مقرون بنعمة الرب قدس الأب يوحنا التلي رئيس الدير بتجديد مرافقه المختلفة ضاما إليه 15 شابا من أبنائه الروحيين في المناطق التي خدم فيها يعيشون الهدوء والسكينة مصلين عابدين عاملين ومنتجين يعملون في الحقل بالزراعة وكتابة الأيقونات الشريفة ( الأيقونة لا تُرسم بل تُكتب ) وتدريب الجوقات للترتيل والدوام في المكتبة لا يرجون في الدنيا غير خلاص نفوسهم وخلاص الذين يزورونهم يكفرون بحطام هذه الدنيا الزائلة ويأكلون الطعام البسيط الذي غالبه من إنتاجهم لا يعرفون اللحم والدجاج مطلقا يأكلون بعض منتجات الحليب والسمك في مناسبات معينة فقط .
لفت نظري ذلك الشاب الراهب الصامت الذي لا يتكلم مطلقا إلا لضرورة القصوى فهو يعمل بالزراعة وكتابة الأيقونات الشريفة ويُدرب ويقود الجوقة في الترتيل وغير ذلك لا يعرف شيئا أو ربما يعرف شيء عن كل شيء لكنه لا يُفصح ولا يتكلم .
زوار الدير ومعظمهم من الشباب لا يختلفون في طباعهم عن سكان الدير يأتون للمشاركة في الصلوات والسهرات الروحية التي حضرت إحداها وشاركتُ فيها حيث تنتهي تلك السهرة الروحية بالقداس الإلهي وتدوم من 5 – 7 ساعات لا ملل فيها بل عبادة لله مطلقة خالصة يخرجون بعدها لتناول طعامهم البسيط على مائدة تسمى مائدة المحبة .
كل راهب يعرف عمله ويقوم به على أكمل وجه بلا كلل ولا ملل أصواتهم خافته ويسودهم الهدوء وقلة الكلام .
وعندما يأتيهم زائر يرغب بالمبيت عندهم يتفانى الكل في رعايته والاهتمام به وخدمته على اجمل وأحسن مما يرام بحيث يحس الزائر بكرم الضيافة الأصيل كيف لا والعهد الجديد يؤكد على إضافة الغرباء والاعتناء بهم ( كنتُ غريبا فآويتموني ) .
أما رئيس الدير فهو الملاك في كل تصرفاته وحركاته يرعى شؤون الإخوة وحاجاتهم الروحية والمادية ينظم الزيارات ويسمع الاعترافات ويرشد التائبين بكيفية أن يتصرفوا يسهر لوقت طويل مشغولا بالقراءة والتأمل لتزداد خبراته الروحية فيرشد الجميع على أكمل وجه .
رائع هذا الرئيس بعظاته وتأملاته فلغته بسيطة سهلة يفهمها الجميع وحتى أوامره التي تصدر عنه تصدر بملء المحبة وليس من قبيل السلطة والتسلط .
يتمنى المرء أن يبقى في هذا الدير أطول فترة ممكنة لكن مشاغل الرعايا والأسرة تقول لنا كفى يجب الرحيل .
وتذكرتُ أننا معشر الكهنة والرهبان لكل منا دعوته التي يدعوها له الرب وعليه أن يُتمم رسالته فيها فالكاهن المتزوج له رعيته وبيته فيجب رعاية كل منهما بالصورة التي يرغبها الرب والراهب له دعوته داخل الدير ليكون بهيئة ملائكية يسبح ويمجد الرب .
غادرت الدير وأنا ممتلئ نشاطا وبركة عظيمة أحس باندفاع كبير للخدمة في كل شيء فالشكر لله الذي منحني هذه الفرصة وأتمناها للجميع والنعمة والبركة مع جميعكم . آمين
المفضلات