القديس جاورجيوس
المهندس جورج فارس رباحية
وُلِد القديسجاورجيوس في كبادوكيا (1) في أواسط النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي ( بعضالمصادر حدّدت إنه وُلِدَ سنة 280 م ) من أبوين مسيحيين شريفين كانا من أصحاب الغِنى والشهرةالاجتماعية . فوالده الأمير أنسطاسيوس حاكم ملاطية (2) ووالدته ثيوبستي من اللد(3) ابنة ديونيسيوس حاكم اللد فلما رُزقابجاورجيوس (4) اهتمّ والده بتربيته والتزامه بالآداب والأخلاق المسيحية المستقيمةولقّنه العلوم الكنسية واللاّهوتية والقوانين والآداب وتعلّم اللغة اليونانية التيكانت في ذلك العصر لغة الثقافة كما أجاد الفروسية التي كانت مفخرة ذلك العصر . وكانجاورجيوس وسيم الطلعة . فيّاض الحيوية ، عالي القامة .
كان والدهانسطاسيوس رفيقاً للملك في أسفاره وفيها اطّلع على حقيقة ديانته المسيحية فأمربقطع رأسه وعيّن مكانه أميراً آخر وكان جاورجيوس عمره لا يتجاوز الرابعة عشر . بعداستشهاد والده أخذت الوالدة ابنها وذهبت إلى مدينة اللد ( ديوسبوليس ) موطنهاالأصلي ولها أملاك وافرة فيها .
عَلِمَ الحاكمالجديد بهذا الشاب بشجاعة جاورجيوس وفروسيته وهو في السابعة عشرة من عمره فأرسلبطلبه وبعث به إلى الإمبراطور الروماني ديوكلتيانس Dioclitien ـ الذي حكَمَ في الفترة ( 284 ـ 305 ) م في فترةاضطهاد المسيحيين ـ وزوّده برسالة يوصي الإمبراطور بترقيته ، فأُعْجبَ بهالإمبراطور ومنحه لقب أمير وخصّص له راتباً شهرياً ضخماً وأعطاه ألف جندي ليكونواتحت إمرته فصار بحسب الوظيفة تريبونس أي قائد الألفوعيّنه حاكماً لعدّة بلاد وسجّل اسمه في ديوان الإمبراطورية مع العظماء وأهداهحصاناً ممتازاً . وبعودته إلى فلسطين استقبله حاكمها بالحفاوة والتكريم . ولما بلغمن العمر عشرين عاماً توفّيت والدته وتركت فيه ذكرى طيبة جعلته يُكمل مسيرتهمُثابراً على الإيمان المسيحي وبالوقت نفسه اشتهر جاورجيوس بانتصاراته في الحروبحتى لُقِّبَ بـ " اللابس الظفر " أو " الظافر " أو " المُظَفَّرْ " ولما بدأ الإمبراطورديوكلتيانس يضطهد المسيحيين ويُعذّبهم وأصدر أوامره بإجبارهم على عبادة الأوثانومن يرفض منهم يُقْتَل على الفور . فدخل جاورجيوس على الإمبراطور غاضباً وجاهربمسيحيته ودافع بحماسة عنهم وعن معتقداتهم ، فحاول الإمبراطور أن يُثنيه عن عقيدتهالمسيحية بالوعود الخلاّبة والترقية إلى أعلى المراتب وبإغداق الأموال عليه ، لكنهرفض كل هذا في إلحاح وحزم . غضب منه الإمبراطور وأمر بتعذيبه فاقتادوه إلى سجنمُظْلِم ، فأوثقوا رجليه بالحبال ووضعوا على صدره حجراً ضخماً وضربوه بالسياطوالحِراب حتى فقد الوعي وتركوه مطروحاً بالأرض ، أما هو فكان يصلي .
وفي اليوم التالي أخذوه إلى الإمبراطور آملين أن يكونالتعذيب يجعله يغيّر رأيه ،فظهر أمام الإمبراطور أكثر جُرأة وشدة وصلابة ، فأمربإعادة تعذبيه فوُضِعَ على دولاب كله مسامير ثم أُدير الدولاب بعنف فتمزّق جسدهوتشوّه وجهه وسالت الدماء من جسمه لكنه احتمل ذلك بصبر عجيب وسمع صوتاً سماوياًيقول : " يا جاورجيوس لا تخف إني معك" فتشدّدت عزيمته وخرج من تلك الآلة وكأن لم يحدُث له شيء وشُفيت جراحه ،فأخذوه إلى الإمبراطور فما أن رآه حتى تولاّه الذهول إذ وجده سليم الجسم كاملالقوة وزاد غضبه وأمر جنوده بإعادته إلى السجن وتعذيبه فأعادوه وضربوه بالسياطوصبّوا على جسمه جيراً حيّاً (كلساً حياً) ومزيجاً من القطران ومحلول الكبريت على جراحه فتحمّل الألم فوق طاقة البشر فظهرله المسيح وشفاه وطمأنه أنه سيكون دوماً معه .وفي صباح اليوم التالي دخل عليهالجنود فرأوه يصلّي ووجهه يُضيء كالشمس دون أي أثر للتعذيب ، فأخذوه إلىالإمبراطور فلمّا رآه اتهمه بالسحر وأحضر ساحراً ماهراً اشتهر بقدرته على أعمالالسحر ، فوضع له في كأس ماء عقاقير تقتُل مَن يشربها على الفور ، وقرأ عليها بعضالتعاويذ الشيطانية وطلب من القديس أن يشربها ، فأخذ منه الكأس ورسم عليه إشارةالصليب وشرب ما فيه ، فلم ينله أي مكروه وظلّ منتصباً باسماً ، ثم أخذ الساحركأساً ثانياً وملأها بسموم شديدة المفعول وقرأ عليها التعاويذ وطلب تقييد القديسلكي لا يرسم إشارة الصليب على الكأس كما فعل سابقاً ، لكن القديس بسبب إيمانه بقوةالصليب ، راح يُحَرِّك رأسه فوق الكأس ورسم إشارة الصليب بحركة رأسه ثم شرب الكأسفلم ينله أي ضرر على الإطلاق ، فصدق قول السيد المسيح له المجد " وهذه الآيات تتبع المؤمنين . يُخرِجونَ الشياطين باسميويتكلّمون بألسنة جديدة يحملون حيات وإنشربوا شيئاً مميتً لا يضرّهم ويضعون أيديـهم على المرضى فيبرأون "
( مرقس 16 : 17 ـ 18 ) . فطلب الساحر من الإمبراطور بأنيأمر بأخذ القديس إلى القبور ويُجَرِّب إذا كان باستطاعته أن يُقيم الأموات ، فإناستطاع ذلك كان إلهه هو الإله الحقيقي . وهذا ما تمّ . فارتدّ الساحر إلى الإيمانواستُشْهِدَ قبل استشهاد القديس . فزاد بعد ذلك الإمبراطور قسوة وهمجية فأمر بصنععجلة كبيرة فيها منجل وأطواق وسيوف حادّة وأمر جنوده بوضع القديس بداخلها فلما رأىالقديس هذه العجلة الرهيبة صلّى إلى الرب أن يُنْقِذه من هذه التجربة القاسية ،فوضعوه فيها فانسحقت عظامه وتناثر لحمه وانفصلت أعضاء جسمه عن بعضها ، فصاحالإمبراطور مخاطباً رجال مجلسه قائلاً: أين الآن إله جاورجيوس؟ لماذا لم يأتِويخلّصه من يدي ؟ ثم أمر جنوده بإلقاء أشلاء القديس في بئر عميق بحيث لا يُمكِن أنيصل إليه أنصاره ، ظهر عليه السيد المسيح مع ملائكته وأقام القديس من الموت وأعادهإلى الحياة سليم الجسم . في الصباح أدخل إلى مجلس الإمبراطور فذهلوا جميعاً فقالالإمبراطور : هل هذا هو جاورجيوس أم شخص آخر يُشبهه؟
أخيراً خطر علىبال الإمبراطور فكرة إقناع جاورجيوس بتغيير إيمانه فطلب منه أن يحضر أمام الأصنامويُقَدِّم لها العبادة اللاّئقة ، فقَبِلَ جاورجيوس . فجمع الإمبراطور الأقطابوالشعب في الساحة العامة لرؤية جاورجيوس وهو يُقَدِّم للآلهة العبادة الوثنية .فوقف جاورجيوس أمام الصنم الكبير وقال له : " أفصح إن كنت الإله الحقيقي" فأجابه صوتٌ مُزَمْجِر : " الإله الحقيقي هو الذي تعبده أنتَ ونحن سوىملائكة عُصاة تحوَّلنا إلى شياطين " وفي الحال سقط الصنم الكبير على الأرضوسقطت معه سائر الأصنام وتحطّمت جميعها . فأمر الإمبراطور بقطع رأسه فصار صيتاستشهاده وجُرْاته النادرة في كل أرجاء الإمبراطورية ولذلك دُعِيَ : " العظيم في الشهداء" . كان ذلك في 23/نيسان/ 303 م(أن بض المصادر حدّدت تاريخ استشهاده سنة 296م ). قام خادمه سقراطيس بنقل جثمانهمن مكان استشهاده (5) إلى مدينة اللد وعمل خادمه على إخفاه جثمانه على حين شيد لهالإمبراطور قسطنطين الكبير ( 274 ـ 337 ) م كنيسة كبيرة على اسمه فنقل رفاته إليهاسنة 323م . وقد وصفها القديس يوحنا الكريتي بأنها " عظيمة جداً وأنها مستطيلةالشكل وبإمكان المرء أن يرى فوهة ضريح القديس فيها ، تحت المائدة المقدّسة مغطّاةبالمرمر الأبيض " وبيّنت الدراسات أن رُفاته قد توزّعت فيما بعد على أديرةوكنائس في أماكن شتى في الشرق والغرب كاليونان وفلسطين وقبرص ومصر والعراق .
يُعتبر القديسجاورجيوس من أبرز قديسي الكنيسة وأقربهم إلى عواطف المؤمنين وأكثرهم شهرة وشيوعاً في الإكرام الذي يُقَدِّمهله عامة الناس . يتسمّى المؤمنون باسمه أكثر من أي اسم لقديس آخر (6) كما أنالعديد من الكنائس والأديرة والمدن سُمِّيَت باسمه واتّخذته شفيعاً لها (7) .
يُصَوَّرالقدّيس جاورجيوس في الأيقونات في وضعيات مختلفة ولكن أشهرها تصوّره في لباسهالعسكري على جواد ابيض وهو يقتل التنّين ، وقد تُضاف إليه في هذه الوضعية مجموعةمن الأيقونات التفصيلية من حول الأيقونة الأساسية تُصوِّر عذاباته . وأحياناً واقفاًيُصلّي بكامل قامته أو مع قدّيسين أو قدّيسات آخرين كالقدّيس ديمتريوس أو مركوريوسأو بروكوبيوس أو براسكيفي وسواهم . وقد يجعلونه واقفاً يدوس التنّين وهو يقتله . وتوجدمصكوكات معدنية وذهبية ومداليات تحمل رسمه كما توجد صلبان برونزية من القرن التاسع الميلاديتجعله في أعلاها وهو رافع يديه يُصلّي . أما التنّين في أيقوناته فهو رمز لروايةتعود على القرن السادس وردت في صيغ مختلفة وخلاصتها أن إبنة أحد الملوك تَهَدّدهاتنّين ، فظهر له القديس جاورجيوس وقتله وخلّصها والأميرة واقفة مرتعدة من التنّينوأبواها يُشْرفان عليها من فوق الأسوار .فهذه الصورة رمزية ، ومعناها أن القدّيسجاورجيوس الفارس البطل والشهيد العظيم قد انتصر على الشيطان الممثّل بالتنين وهدّأروع الكنيسة الممثّلة بابنة الملك .
أخيراً أنه من المهم أن نُدْرِك أن النقص فيالمعلومات التفصيلية عن القديس جاورجيوس لم تؤثّر على مكانته في الكنيسة أو الحدمن قدره بين القدّيسين .
تُعَيِّـد له الكنيسة بتاريخ 23 / نيسان / و 6/ أيــار من كل عام حسبالتقويمين الغربي والشرقي .
2/2/2011 المهندسجورج فارس رباحية
المفــــردات:
(1) ـ كبادوكيا : مدينة في وسط تركيا ( منطقة الأناضول ) .وتُسمّى مدخنة الملائكة
لنظام بناءالبيوت فيها . وتُسَمّى أيضاً : مدينة الكهوف أو جوروم .
(2) ـ مـلاطية : مدينة في تركيا تقع شمال أورفا ( الرها )وغرب ديار بكر .
(3) ـ اللّـد : مدينة في فلسطين ( محافظة نابلس) تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة
يافابمسافة 16 كم. هي مدينة كنعانية ، في عصر الفراعنة كان اسمها ( رتن )
وفي عصر الرومان سُمِّيَت ( ديوسبوليسDiospolis ) .
(4) ـ جاورجيوس :ويعني اسمه: الحارث الذي يحرث الأرض أو الفـــلاّح وعُرفَ
بأسماءكثيرة : تريبونس أو قائــد الألف ـ اللاّبس الظفـــر أو الظافر أو
أوالمُظَفَّر لشجاعته وانتصاراته في الحروب ـ العظيم في الشهداء : لشهـرته
لشهرتهالنادرة في أرجاء الإمبراطورية . كما يُعرف بالخضر لدى الطــوائف
الإسلامية التي تحترمه .
(5) ـ مكان استشهاده : لم يُعْرَفْ بالضبط مكان استشهادهوذكرت بعض المصـادر إنه
استشهدفي صور www.gazire.com . وذُكر في المخطوط السينائي (402)م
انهاستشهد في حوران وقيل أن عمامته وزنّاره بقيا في حوران فيما نُقِلَ جثمانه
إلى اللد. ويقول كاتب المخطوط عن العمامة والزنّار : "أنه لا أحد يقصدها وبه
وجع إلاّشُفِيَ "
(6) ـ تُسمّى الذكور باسم : جورج ـ جرجس ـ جورجي ـ جرجي ،جورجي، والإناث
باسمجورجيت ـ جورجينا .
(7) ـ بُنِيت كنائس وأديرة كثيرة ومدن في أنحاء العالم تحملاسمه :
في سورية : كنيسة في إزرع بُنِيَت عام 512 م ولا تزال إلى اليوم .ودير القديس
جاورجيوسالحميراء غربي حمص بلدة المشتاية بُنيت الكنيسة الأولى في القرن 6"م
والثانيةفي القرن 12" م والثالثة في القرن 19" م . وديـر القديس جاورجيوس في
بلدة كفربو( محافظة حماه ) بُني في القرن 4"م وبُني على أنقاضه ديراً جديداً وفيـه
إبهامالقديس جاورجيوس إلى الآن : www.christian-guys.net. بالإضـافة إلى
كنائس عديدةتحمل اسمه في أكثر المدن والبلدات السورية ، ففي مديــنة السقيلبية
كنيسة تحملاسمه وفي حمص كنيسة ومدرسة تحملان اسمه أيضاً .
في لبنان : كنائس كثيرة تحمل اسمه . والخليج الذيبُنِيت بيروت على ضــفّته
يحمل اسمسان جورج .
في الأردن : يوجد في مدينة السلط كنيسة باسم الخضر( جاورجيوس ) بُنيت في عام
1682م .
في فلسطين : الكنيسة التي بناها الإمبراطور قسطنطينالكبير سنة 323 مووضع
رُفاتهفيها . ودير كبير في بلدة أريحا .
في القسطنطينية: بنى الإمبراطور قسطنطين الكبير من 5 ـ 6 كنائس تحمل اسمه
في أرمينيا : شيّد الإمبراطور جوستنيان ( 483 ـ 565) م كنيسة على اسـمه .
في فرنسا : عملت القديسة كلوتيديس زوجة كلوفيس أول ملوك فرنسا المسيحييـن
على تشييدعدة كنائس حملت اسمه .
في جورجيا : فالإيبيريونغيّروا اسم بلادهم وجعلوه جورجيا أي أرض القــديس
جاورجيوس .
في بريطانيا : نُقِشَتطورته على الليرة الذهبية ( الإنكليزية ) ويعتبر البريطانـيون
يوماستشهاده عيداً قوميّاً تُعطِّل فيه الدوائر الرسمية . والكثير من ملوك بريطانــيا
اتخذوااسمه لنفسهم تبرّكاً به مثل الملك جورج الأول والثاني والثــالث والرابـع
والخامسوالسادس . كما أنه في بريطانيا / 152 / قرية تحمل اسمه .
في إيطاليا : للقديس مكانة عظيمة لدى الكنيسةالكاثوليكية . وُجِدَ في روما ونابولي
كنائس قديم جداً تحمل اسمه وإن البابا جلاسيوسأثبت قداسته سنة 404 م.
في روسيا : كان له مكانة عظيمة في روسيا القيصرية ،فرسموا صورتـه علـى
الحصون ،وأصبح رسمه وهو يقتل التنين شعاراً للقوات المسلّحة منذ القرن14" م
ووساماًللإمبراطورية القيصرية . وبُنِيَت في روسيا مدينة ( يوري ) وهي تصغير
لكلمةجاورجيوس .
في اليونان : يُكرّمونه أعظم تكريم وشيّدوا علىاسمه الكثير من الكنائس والأديرة .
بالإضافة إلى كنائس كثيرة بُنيَت على اسمه في أرجاءالعالم مثل ومصر ودُبي على سبيل المثال لا الحصر .
المصــادر والمــراجع :
ـ السواعي الكبير : القدس 1886
ـ المنجد في اللغة والأعلام : بيروت 1973
ـ الكتاب المقدّس : بيروت 1968
ـ مواقع على الإنترنت :

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات