إن تخلينا عن مفاهيم آداب السلوك والأخلاق والابتعاد عن النهج الديني كأساس لتعليم الأطفال أدى إلى أن الكثير من الأطفال اصبحوا يعاملون آباءهم بازدراء. لقد اصبح الأطفال يُبدون مقاومة من تعاليم الآباء واصبح الآباء غالباً ما يستسلمون ويسمحون لأطفالهم بعمل أو قول أشياء يجب أن لا تحدث.

إن الكثير من المراهقين يتطلبون اهتماماً دائماً من آبائهم الذين اصبحوا لا يقضون إلا وقتاً قصيراً مع أبنائهم ، ولكونهم يشعرون بالذنب فإنهم يعملون على استرضاء أبنائهم بالوجبات الخفيفة والملابس والألعاب ...

والحقيقة المحزنة التي لايمكن نكرانها أن الحياة العائلية بالنسبة للكثيرين أصبحت كلها تتعلق بالعمل فتربية الأبناء يجب أن تكون متعة طيلة الوقت وعندما تتوقف الحياة مع الأبناء عن أن تكون متسمة بالبهجة والسرور فإن هناك شيئاً ما خطأ بالطريقة التي تسير بها أمور العائلة.

لقد قدمت لنا الكنيسة عن طريق الآباء القديسين نهج ديني صحيح للتربية في إطار الكتاب المقدس فمن تعاليم القديس يوحنا الذهبي الفم نتعلم كيفية التعليم الصحيح لأبنائنا ومن سفر الأمثال نتعلم أن الصرامة في تعاملنا مع أبنائنا تنقذ النفس من الجحيم ، ومن تعاليم يشوع بن سيراخ نجد أن المحبة الحقيقة هي عدم التراخي في تربية أبنائنا.

إن الآباء القديسين وضعوا بتعاليمهم الملهمة من الروح القدس الأطر والأسس الصحيحة للتربية المسيحية ، فنجد التفهم الواضح للقديس يوحنا الذهبي الفم لنفسية الطفل فهذا الأب الجليل والذي يعتبر "الراعي الصالح " يضع في اعتباره ضعف طبيعتنا البشرية وهو يخوض في مجال تربية الأطفال ولكن دون أن يسمح بأي انحراف عن تعاليم الكنيسة لأنه ينبغي علينا كمسيحيين أن نجاهد لنتغلب على الإغراءات ونظل أمناء لتعاليم المسيح .

ومن بعض تعاليم الذهبي الفم في التربية :

† علينا كل صباح ومساء أن نصلي لله ونسأله أن يعيننا على تعليم الأولاد محبة الله والسلوك في طريقه ووصاياه ، كما يجب أن نعلم أولادنا الحكمة لمخافة الله حتى يعرفوه ويحبوه لأن "راس الحكمة مخافة الله" .
† إن الصلاة العائلية ضرورية للغاية فإذا ما رآنا الطفل نصلي فإنه سيبدأ عن طريقها حياته الخاصة في الصلاة .
† علينا أن نعلم الطفل رسم إشارة الصليب في كل كلمة وفعل وعندها سيتعلم من هذا المعنى أن حياته كلها صلاة .
† تعليم أطفالنا الصوم يومي الأربعاء والجمعة ، وصلاة (أبانا الذي في السماوات) كلما اجتمعت العائلة حول المائدة قبل تناول الطعام وهكذا تدخل العائلة في مجال حضرة الله ومعرفته من خلال الصلاة .
† يقترح الذهبي الفم أن يقوم الآباء بسرد قصص من أسفار الكتاب المقدس للأبناء مع شرح معنى هذه القصص ، وذلك بعد اختيار القصة التي تتناسب مع خبرة أطفالنا.

إن الأبناء يعتبرون الآباء هم مثلهم الأعلى في الحياة ، فإذا تعلموا منهم التربية المسيحية الصحيحة فإنها ستكون نهج حياتهم بالمستقبل عند تكوين عائلاتهم وهذا ما يوضحه الرسول بولس (2 تيموثاوس 5:1) بأن الإيمان يوّرث وقد توارثه تيموثاوس عن أمه لوئيس التي ورثته بدورها عن أمها افنيكي.

(في تعاليم القديس يوحنا الذهبي الفم من مقالة للقديس بعنوان المجد الباطل والطريقة الصحيحة لتربية الآباء لأطفالهم )

وأنتم أيها الأبناء أطيعوا والديكم "فإن بركة الأب توطد بيوت البنين ولعنة الأم تقلع أسسها"(يشوع بن سيراخ 11:3) .وكما يقول سفر الأمثال(22:23) "اسمع لأبيك الذي ولدك ولا تستهن بأمك إذا شاخت" وأنتم أيها الأمهات الباحثين عن تربية أطفالكم من خلال الأساليب العلمية الحديثة علموا أولادكن المحبة الحقيقة ، علموهم طريق الكنيسة منذ الصغر لأنهم مهما أبعدتهم مشاكل الحياة عن طريق الخلاص فانهم سيرجعون إلى هذا الطريق لأنهم سيكونوا عندها قد تأسسوا على الأيمان والرجاء والمحبة وكما يقول الرسول بولس للمرأة (1تيموثاوس15:2) "إلا أنها ستخلص بولادة الأولاد إن استمرت على الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل) .

إن الله باركنا بأن منحنا أولاداً "البنون ميراث من عند الرب" (مز3:127) فيجب علينا الآن أن نبارك الله بأن نوجههم إلى محبته ، حتى يعيشوا حياتهم في المسيح . إن ما يجب أن ينتظره الوالدان في حياتهما ليس المكافأة من الأولاد ، ولكن نداء الرب السمائي لهم عندما يقدمونهم إليه وهم فيه "نعماً أيها العبد الصالح والأمين ، كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك" (مت21:25).