" و كل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس . فيعرّضون عصائبهم و يعظمون أهداب ثيابهم . و يحبون المتكأ الأول في الولائم و المجالس الأولى في المجامع . و التحيات في الأسواق و أن يدعوه الناس سيدي سيدي .
و أما أنتم فلا تدعوا سيدي لأن معلمكم واحد المسيح و أنتم جميعا أخوة . و لا تدعوا لكم أبا على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السموات . و لا تدعوا معلمين لأن معلمكم واحد المسيح . و أكبركم يكون خادما لكم "
===============================
بهذه الآيات يستجير بعض أصحاب البدع لكي يسبغوا على إنكارهم لوجود الكهنوت المسيحي ووظيفته شيئاً من شرعية ساقطة، وهم لا يدركون لسذاجتهم أنهم إنما يضيفون بذلك إلى رصيدهم نقطة أخرى ليست لصالحهم إذ يظهرون انفسهم على حقيقتها من السذاجة والإعوجاج في قراءة الكتاب المقدس وفي فهمه وفي تفسيره ، حالهم في ذلك حال كل من خرج من الكنيسة ليرتمي في الطريق فريسة الوحوش بلا راعٍ ولا عناية روح الله القدوس المقيم والعامل في الكنيسة المستقيمة الرأي.
يبدأ الرب حديثه هنا بقوله : " على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون " ( متى23: 1 ). من الواضح أنه يتحدث هنا عن الفريسيين والكتبة وهم الزعماء الروحيون لليهود ، الذين كان عملهم هو إبعاد الناس عن المسيح ملزمين الشعب بوصايا الناموس ومتناسين أهم ما في هذا الناموس وهو الرحمة " ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتركتم أثقل الناموس: الحق والرحمة والإيمان. كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك " ( متى 23:23 ).
ولكن الرب يقول عن تلاميذه كلاماً آخر " من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني " ( متى 10: 40 ) وَ " الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني " ( لوقا 10: 16 ). وبهذا يطلب من الناس أن يسمعوا الان لهؤلاء التلاميذ، أي لهؤلاء الذين يعلمون الناس عن يسوع المسيح تعليماً صحيحاً ومستقيماً ( لأن كثيرين صاروا اليوم يتاجرون بتعاليم المسيح ويكررون اسمه على عدد شعر رأسهم ، ولكن باطلاً ). وأما من لا يقبل هؤلاء التلاميذ فقد حكم على نفسه وانتهى الأمر " ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فاخرجوا خارجا من ذلك البيت أو من تلك المدينة وانفضوا غبار أرجلكم، الحق أقول لكم: ستكون لأرض سدوم وعمورة يوم الدين حالة أكثر احتمالا مما لتلك المدينة " ( متى 10: 15 ).
يعرضون عصائبهم ويعظّمون اهداب ثيابهم، ويحبون المتكأ الأول في الولائم والمجالس الأولى في المجامع .... إلخ
المعلم الصالح هو الذي يلتقي أبناءه ويكون معهم كواحد منهم، لا يتعالى ولا يتكبر فرحاً بألقاب باطلة . الفريسيون كانوا يزدرون عامة الشعب ويحتقرونهم على أنهم خطأة لا يجوز الحديث معهم ولا الإختلاط بهم ولا معاشرتهم " فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه: « لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟»؟ " ( متى 9: 11 ) و " فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك قال في نفسه: «لو كان هذا نبيا لعلم من هذه المرأة التي تلمسه وما هي! إنها خاطئة» " ( لوقا 7: 39 ). وهذا الفرق مهم لمعرفة هؤلاء الفريسيين ولمعرفة السبب الذي دعا بالرب يسوع لأن يقول عنهم ما قاله.. الكاهن في الكنيسة خادم للجميع ، ينتقل من بيت هذا إلى بيت ذاك ، يصلي للمرضى ويعزي الحزانى ويعمّد الأطفال ويكلل الأزواج ويقيم الصلوات والقداديس وكل أعمال الخدمة ... إلخ. من يعرف كاهناً يجلس في بيته بضعة ساعات مع عائلته ؟ اليس هذا بشراً وصاحب عائلة ؟
أما انتم فلا تدعوا سيدي، لأن معلمكم المسيح وانتم جميعاً أخوة. ولا تدعوا لكم أباً على الأرض ...
يتهلل طرباً أبناء البدع والشقاقات لهذه العبارة حاسبين أنها تبرر عدم اعترافهم بسرّ الكهنوت وتبرر مهاجمتهم بمناسبة وغير مناسبة الإكليروس المسيحي.
ولكن قراء الكتاب المقدس والذين يدّعون انهم لا يؤمنون بسواه هم لا يفقهون ما جاء فيه، ولا يعرفون كيف يقرؤوه كوحدة متكاملة وتعليم واحد متكامل. إذ كيف سيفهمون وليس لهم من يرشدهم ؟
قول أصحاب البدع أن هذه الوصية تبرر عدم دعوة الكاهن " ابونا " أو المطران " سيدنا " هو ساذج ومضحك . لأن أبوة الكاهن هي لأبنائه المؤمنين بحسب إنجيل المسيح ، وسيادة رئيس الكهنة هي من كونه ظل الرب يسوع على الأرض وممثله ورسوله في المسيح فقط. خارج المسيح لا يجوز دعوتهم لا أبانا ولا سيدنا. كيف يكون ذلك إذاً؟
حسب الفهم الخاطيء لأبناء الضلالات والهرطقات يكون الرسول بولس قد خالف وصية المسيح (أو لم يفهمها على الأقل !)، لأنه يقول: "لأنه وإن كان لكم ربواتٌ من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1كور4: 15). فبولس يدعو نفسه هنا "أباً" للذين ولدهم بالإنجيل.
ويدعو بولس كذلك تيموثاوس وتيطس أبناءه. فعن أيّة أبوة يتحدث بولس الرسول؟ وهل ينادي " الابن " أباه بلفظ ( يا فلان ، او يا أخونا ) ؟؟؟؟
والرسول يوحنا الإنجيلي في رسالته يقول "يا أبنائي الصغار" (1يو 2: 12 و14). فهل يبلغ العقوق بأبنائه الصغار مبلغاً بأن يدعوه ( يوحنا ، أو يا أخ )؟؟
والرب نفسه، في مثل الغني والعازر، يذكر أن الغني خاطب إبراهيم قائلاً: "يا أبي إبراهيم" (لوقا16: 24). ولم يجبه إبراهيم قائلاً: "ألا تعرف أن الله الآب فقط هومن يجب أن يُدعى أباً؟". ولكنه أجاب الغني: "يا ابني" (لوقا 16: 25). والمسيح نفسه دعا نيقوديموس "معلم إسرائيل" (يو3: 10).
ويقول الوحي المقدس في كتاب أعمال الرسل أنه كان يوجد في كنيسة أنطاكية "أنبياء ومعلِّمون" (أع13: 1). وبولس يذكر أن الله وضع في الكنيسة "معلِّمين" : " فوضع الله أناسا في الكنيسة: أولا رسلا ثانيا أنبياء ثالثا معلمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء أعوانا تدابير وأنواع ألسنة " و " وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا، والبعض أنبياء، والبعض مبشرين، والبعض رعاة ومعلمين" (1كور 12: 28؛ أفسس 4: 11). ويقول " لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين لسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله " ( عبرانيين5: 12 )
إذاً لم يقصد المسيح القول إنه لا يجوز أن ندعو أحداً "أباً" إلا الآب، ولا أحداً "معلماً" إلا المسيح؟ وبولس الرسول والكنيسة كلها لم تفهم يوماً قول المسيح هذا كما يحاول البعض أن يفهمه اليوم ( يطعمهم الحج والناس راجعة ! ).
يبقى السؤال: ماذا قصد المسيح من قوله هذا إذن؟
المناسبة التي قال السيد هذا القول تشرح لنا معناه. فالمسيح كان يتكلم عن الكتبةوالفريسيين وكان ينتقد ممارستهم وتعليمهم، فبدلاً من تعليم شريعةموسى صاروا يعلّمون تقليدهم الخاص (مر7: 8و9)، "مُبطلين كلام الله بتقليدكم الذي سلّمتموه" (مر7: 13). لهذا كان يسوع يحذّرهم من استعمال مناصبهم وألقابهم ليقيموامن حولهم تلاميذ لهم ولتقاليدهم وليس تلاميذ لله. ومع مجيء المسيح صار على رجال الدين أن يعلِّموا "تعليم الرسل" (أع2: 42) أو "تعليم المسيح" (2يو9)، الذي هو "المعلِّم" الحقيقي و"الأب" الحقيقي ( لهذا كل "معلِّم" و"كل أب" في الكنيسة ما هو إلا قناة حية لتسليم التعليم الذي وصلإليه من المسيح، "المعلّم الأكبر"، بالرسل. أو بكلمة أخرى، ليس "المعلّم" أو "الأب" في الكنيسة هو مصدر التعليم، بل يسوع المسيح نفسه، بالروح القدس الساكن في الكنيسة. وإلا صار هذا المعلّم أو الأب تحت الدينونة نفسها التي طالت الكتبة والفريسيي ).
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "لأنه (أي المسيح) علّة كل شيء، علّة المعلّمين وعلّة الآباء معاً"
أي هناك معلمين وهناك آباء ولكن بالمسيح يسوع فقط، خارج يسوع المسيح لا يبقَ شيء. ونحن ندعو من يعلمنا عن المسيح ويقيم الأسرار ويخدم الرعايا بـ " أبانا " لأنه كما بولس الرسول قد " ولدنا بالمسيح يسوع بالإنجيل "..
كما ان المسيح ارسل تلاميذه ليعلموا المسكونة كلها " علموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به " ، وطالما أنهم نالوا مهمة التعليم فقد صاروا " معلمين " لما أوصاهم به يسوع أن يعلموه. وهكذا لدعوة " سيدي " أيضاً ليست بمعنى السيادة والفوقية والطبقية ، بل هي سيادة من يسوع المسيح على قطيعه ، والسلطان معطى لهم من فوق ، من الله نفسه.
خارج المسيح يفقد الكاهن أبوته الروحية وتصير دعوته " أبونا " غير جائزة، أما في يسوع المسيح فيحمل أبوّة الله لأولاده مختفياً وراء الله ومقدماً لأبنائه ما لله وليس ما ما له هو .
ويبقى أن نقول ما قاله القديس أفرام السوري " كل من ترك الإيمان المستقيم يـُخنق بحبل معصية يهوذاالخائن . لأن الإيمان الذي تسلمه الآباءمن الرسل القديسين إيّاه أخذتُ و تعلمتُ . هذا الذي كـُرز به في كل المسكونة . "
إطلاق الألفاظ التكريمية على الإكليروس
في القاعدة يوجد إما شخص محترم أو شخص غير محترم. ولا يوجد شخص قليل الإحترام ولا شخص زائد الإحترام قليلاً. فالشخص الغير محترم لا يتمتع بأي احترام، وأما الشخص المحترم فهو يتمتع بكامل الإحترام. والذي يتمتع بكامل الإحترام هو " جزيل الإحترام " وهو " فائق الإحترام " وهو " عظيم الإحترام " وهو " كلي الإحترام " ... كلها مرادفات لكلمة واحدة، وتطلق تعبيراً عن المحبة فقط، لأن محبتك للشخص تدفعك لأن تطلق عليه أقوى الصفات.
و" صاحب الغبطة " تعني " المسرور " والشخص الذي يغتبط هو الشخص الذي يُسَرّ ويفرح ، وإطلاق هذه الصفة تعني " المسرور بخدمة الرب " ..
والأبوة الروحية أو " أبونا " هي صفة تطلق على الكهنة لأنهم يهتمون بتربية الأبناء روحياً كما يربيهم آباؤهم جسدياً.
إن نعمة الرب التي حلت على هؤلاء بالكهنوت هي التي تجعلهم " آباء " و " مغبوطون " و " سادة " و ... إلخ . وخارج المسيح لا يملك أحد شيئاً لا علمانياً ولا إكليريكياً .
هل رجل الدين سلطة مطلقة وقرارته لا تقبل الطعن؟
كلا. يؤمن الأرثوذكس بان رجل الدين ليس سوى بشر يخطيء كما سواه. ويؤمنون بأن خطأه كبير لأنه يجب أن يكون القدوة لأبنائه وأن ارتكابه الأخطاء سوف يكون عثرة كبيرة لهم. ويُساءل رجال الدين ويحاسبون في المجامع وفي مجالس الرعايا في حال أخطؤوا.
لا يقول الأرثوذكس بأن ما يقوله رجال الدين لا يقبل النقاش. نحن نقول بأن التعليم الذي اتفقت عليه كامل الكنيسة والمستند إلى الكتاب المقدس والتقليد الرسولي الشريف هو الذي لا يقبل النقاش. ورجال الدين ليسوا سوى ناقلين لهذا التعليم ومعلمين له. وعندما يطلق أحدهم تعليماً خاطئاً يُحاسب على خطئه ، وإن كان تعليماً هرطوقياً يتم تجريده من رتبته الكهنوتية وفصله من الشركة مع الكنيسة المستقيمة الرأي.
إن وضع الأيدي لسيامة الكهنة والأساقفة لا يعني أن الروح القدس أعطي لهم ليوزعوه على من يشاؤون ويمنعوه عمن يشاؤون. لا يوجد مسيحي يؤمن بذلك والرافضة يعرفون ذلك ولا يريدون أن يصدقوا كيلا يفقدوا مبررات وجودهم. وضع الأيدي خلال السيامة الكهنوتية هي منح مواهب الروح القدس ، والمانح هو الله وحده، والأساقفة الذين يضعون أيديهم لا يفعلون سوى انهم يتضرعون للرب القادر على كل شيء أن يرسل نعمة روحه القدوس على الخادم الجديد. تماما كما في سر القربان المقدس .
لقد فهم الرسل كلام المسيح خير فهم ، وقالوا عن أنفسهم " بولس عبد يسوع المسيح " و " يوحنا عبد يسوع المسيح " و " يعقوب عبد يسوع المسيح " ... ولم نجد كاهناً واحداً قال شيئاً غير هذا، ولم نجد مطراناً رفع نفسه فوق يسوع المسيح، ولم نجد بطريركاً أهمل المسيح ونصّب نفسه إلهاً على العباد ..
كل الرسل فهموا كلام الرب يسوع وكل الناس تفهمه. ألم يفهم بولس كلام المسيح ؟ فلماذا يسمح بولس وسيلا لحارس السجن بمناداتهم " أسياد " وهم مسجونون وهو جندي أو ضابط ربما ؟؟؟؟ ألم يخاطبهما حارس السجن " يا سيدي ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟ ". هل قالا له : " كيف تقول هذا وقد قال الرب أن لا سيد ولا ألقاب عندنا " ؟؟؟!!! هل قرّعاه ووبّخاه؟؟ وأخيراً هل تختلف كلمة " سيدنا أو أبونا " عن كلام حارس السجن وقوله لبولس وسيلا " يا سيديّ " ؟؟؟؟
الجواب أنه لا اختلاف ، فالكاهن هو أبي عندما سيعلمني عن المسيح ، والأسقف هو سيدنا عندما سيعلمنا عن المسيح ، ولأنه ظل المسيح على الأرض وصورة الراعي الصالح الذي يرعى قطيع المسيح ويحفظه من " الذئاب الخاطفة " بقوة الكلمة المستقيمة وبقوة " عصاه " أيضاً .. عصا الرعاية .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات