نشأ النسك في مصر ثم انتشر إلى بقاع الشرق كله، وبخاصة في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين. وكان القديس أنطونيوس الكبير، الملقب كوكب البرية، أشهر النسّاك ، ذلك أنه بعد أن عاش حياة النساك القسم الأكبر من حياته، أسس الحياة الرهبانية فسُمّي "أبو الرهبان".
ففي السنة 313 أعلن الإمبراطور قسطنطين الكبير الحرّيّة الدينية، وزال عهد الاضطهادات التي طالت المسيحيين. فأقبل المسيحيون إلى الإنغماس في خيرات هذه الدنيا، مما أدى إلى هروب بعضهم ممن رأوا في هذا الانغماس انحرافاً عن المسيحية الحقّة. فلجأوا إلى الجبال والوديان والغابات والبراري، وعاشوا في العراء عيشة النسك. وقد ترك لنا العديد من كتّاب ذلك الزمان شعادات عيان عن هؤلاء النساك، نذكر منهم: القديس أفرام السرياني (+373)، والقديس يوحنا الذهبي الفم (+407)، وثيوذوريطوس القورشي (+466).
يجمع المسيحيون على القول بأن القديس يوحنا المعمدان الذي عاش على الجراد والعسل البري يمثل النموذج الأسمى لحياة النسك والتقشّف. وهذا النموذج انتشر في أوساط النساك منذ القرن الرابع، فالقديس أفرام السرياني يصف أحوال النساك الأوائل بقوله: "كانوا يعيشون مع الحيوانات، فيشربون ماء السواقي، ويقتاتون من أوراق الشجر وثماره، ويلبسون جِلد الحيوان". أما ثيوذوريطوس فيقول عنهم: "فمن النساك من يقضي حياته تحت الخيم أو في الصوامع، واهتمامهم الدائم أن يرفعوا التسبيح لله؛ وهناك الكثير ممن قرروا أن لا يكون لهم مغارة أو كهف أو خيمة أو صومعة". ولا يسعنا إلا أن نذكر من بين النساك العظام القديس سمعان العمودي الذي ابتكر النسك على رأس عمود، ليكون قريباً من الله ومن الناس معاً. وقد تبعه العديد من النساك في طريقته.
تنوّعت أصناف النساك وطرقهم، فبالإضافة إلى العموديين نذكر "الوقّافين" الذين يلزمون الوقوف المتواصل، من غير حراك ولا كلام، ويفرضون على أنفسهم سكون الحجر، بعضهم النهار كله وبعضهم الآخر جزءاً منه. وقد ذُكر عن أحدهم أنه بلغ أقصى الشيخوخة وظلّ محافظاً على نشاطه حتى النهاية، ولما طعن في السنّ، فلم يقوَ على الوقوف المتواصل من غير عناء، طلب عصاً لكي يستند إليها. وهناك "الشجريّون" الذين عاشوا على الشجر، حيث كانوا يصنعون فيه كوخاً صغيراً يأوون إليه، أو إلى فجوة بين الأغصان. ومنهم من ربط جسمه بسلسلة ليكون في منجاة من السقوط إذا نام أو بدر منه ما يعرّضه للسقوط. ونذكر أيضاً من النساك "السهّارين" الذين كانوا يعيشون جماعات جماعات، فيتناوبون السهر، ليرفعوا لله التسبيح الدائم ليل نهار، عملاً بقول الرب يسوع بوجوب المداومة على الصلاة من دون ملل (لو18: 1). وهناك "العشّابون" الذين وصفهم المؤرّخ الكنسي سوزومينس بقوله: "لم يكن لهم مسكن، فلا يأكلون خبزاً ولا طعاماً، ولا يشربون خمراً، وكانوا يسكنون الجبال، ويسبّحون الله دائماً أبداً بصلوات وأناشيد. وإذا جاء وقت الغذاء، أمسكوا بالمناجل وساروا في الجبال، فيقتاتون بأعشاب المواشي". وقد وضف ثيوذوريطس أحد هؤلاء العشّابين بقوله: "ولم يكن غذاؤه مما يحتاج إلى عناية في زرعه وغرسه، بل مما ينبت من نفسه في البرية".
وثمّة "الحبساء" الذين كانوا يحبسون أنفسهم في أماكن ضيّقة، ولا يستقبلون في الأصل أحداً من الناس، ويعكفون على الصلاة في العزلة والسكينة. فالناسك يتوخّى قبل كل شيء الانقطاع إلى الله، فيعتزل الناس ويحبس نفسه ويقيم بينه وبينهم حاجزاً، فيعيش في صومعة صغيرة مغلقة، أو كوخ، أو كهف، أو برج، ومنهم من لجأ إلى القبور. وعاش بعض الحبساء في صوامع نُحِتت في منحدرات الجبال الصخرية. وهناك "أهل العراء" الذين أرادوا أن يمارسوا في الواقع قول السيد المسيح: "للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له ما يضع عليه رأسه" (مت8: 20). ويصف ثيوذوريطس أحد هؤلاء بقوله: "كان يتحمّل تقلّبات الجوّ على أنواعها، فتارةً كنت تراه غارقاً في عاصفة من المطر، ومرة مجمّداً بالصقيع والثلج، وطوراً مشتعلاً وذائباً تحت أشعّة الشمس المُحرِقة".
انقطاع النساك عن العالم وعيشهم في عزلة عنه لم يمنعهم من الاهتمام بقضايا الإيمان والكنيسة. ففي أزمنة الهرطقات والبدع التي عصفت بالكنيسة رأيناهم يخرجون من مناسكهم للاشتراك في مجامع عقائدية لتصويب مسيرة الكنيسة التعليمية. وكانوا يهتمّون اهتماماً عارماً بهداية الشعب إلى نور الإنجيل. وكانوا يُدافعون عن المظلومين، فثيوذوريطس يروي قصّة ناسك دافع عن حقوق الفلاحين وقاوم ظلم أحد ملّاكي الأرض، فآل به الأمر إلى تبديل معاملته لهم. وكانوا أيضاً يتزاورون ليتحادثوا في الشؤون الروحيّة، ويرشد بعضهم بعضاً. ونختم مع أبيات جميلة قالها أبو نواس في النسّاك:
وبالناموس في البِيَع اللواتي تُقام بها الصلاة لدى الشروق
بمريم، بالمسيح وكل حَبر حواريّ على دين وثيق
برهبان الصوامع في ذراها أقاموا ثَمّ في جهد وضيق

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات