في مسرحية "الذباب" أشار سارتر إلى الألوهة باسم "جوبيتر" وهذا ليس عبثاً، لأن اسم جوبيتر مرتبط بأسطورة بروميتيوس، ذلك الكائن الذي اختلس ناراً من السماء ليوجد منها البشر، فغضب عليه جوبيتر وأنزل به عقاباً أبدياً. تلك الأسطورة تصور العلاقة بين الألوهة والبشر علاقة عداء في الأساس حتى أن وجود الإنسان نتيجة اختلاس للقوة الإلهية. وكأن الإنسان لايوجد إلا ضد الله. هذا هو بالضبط موقف سارتر. فقد كتب في "الكائن والعدم" أن المخلوق "لا يمكن أن يؤكد ذاته إلا ضد خالقه".
(ملاحظة: هذا الموضوع لم ينقل عن كتاب "إله الإلحاد المعاصر" للرد على فكرة سارتر. ومن أجل أن نعرف محبة الله، الإله الحقيقي، لنا ولماذا خلقنا الله. إلا أن هذه المقدمة، أعلاه، جاءت في الكتاب وهي تساعد أكثر على فهم ما سيأتي لاحقاً. فلذلك تم اقتباسها أيضاً.). وكل ما سيجيء ياللون الأحمر ليس من متن الكتاب.
1. الله محبة
ولكن جوبتير، أو غيره من الآلهة، الذي نسب إليه الأقدمون -وسارتر من بعدهم- صفات التملّك والحسد الكائنة في البشر ليس إله الإعلان الكتابي (ليس هو الله الذي نقرأ عنه في الكتاب المقدس) . إله الكتاب-وقد تجلى لنا تماماً في يسوع المسيح القائل "من رآني فقد رأى الآب" (يوحنا 14: 9)- ليس عنده تسلط وتملك. ذلك لأنه عطاء كله. لقد قال عن نفسه في العهد القديم: "أنا ينبوع الماء الحي" (ارميا 2: 13) وهتفت المزامير: "كما يشتاق الأيل إلى ينابيع الماء الحي، هكذا تشتاق نفسي إليك يارب" (فاندايك 42: 1)، والينبوع فيض مستمر، هبة حياة دائمة. وفي العهد الجديد كتب الرسول يوحنا "الله محبة" (1يوحنا 4: 8 و16) وكأنه يقول أن المحبة هي أفضل تعريف عنه، الله، لأنه في جوهره محبة وعطاء.
لقد قال جوبيتر "الذباب": "إنني لا أحب أحداً" أي أنه قابع في عزلة وأنانية أبديتين. ولكن إله الكتاب ليس فقط يحب ولكنه المحبة عينها. إنه محبة منذ الأزل ولذلك فهو ثالوث، لأن علاقة المحبة لكي تقوم تفترض وجود أكثر من شخص، أقنوم، واحد. إله الكتاب يظهر لنا علاقة حب تجمع الأقانيم حتى أن الأقنوم الأول لا يُعرّف عنه إلا بالنسبة للثاني (فالآب ليس آباً إلا بالنسبة للابن) والثاني لا يُعرّف عنه إلا بالنسبة للأول (فالابن ليس ابناً إلا بالنسبة للآب). الله يظهر لنا في صميمه عطاءً تاماً متادلاً: "كل ما هو لي فهو لك وكل ما هو لك فهو لي" (يوحنا 17: 10). فالآب يعطي ذاته بالكلية للابن، يعطيه جوهره بكامله، ولذا فالابن صورة تامة عن الآب: "من رآني فقد رأى الآب" (يوحنا 14: 9) ولكنه بإعطائه جوهره أزلياً للابن فإنه يعطيه أن يكون عطاء، ولذا فالابن متجه إلى كلياً. في العهد الجديد عندما يظهر الآب، لا يمجد ذاته إنما يمجد ابنه. فإنه عندما أسمَعَ صوته حين معمودية يسوع وحين تجليه، أسمعه ليمجد ابنه قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (متى 3: 17 و17: 5) وكذلك الابن أتى إلى العالم ليمجد الآب: "أنا مجدتك على الأرض" (يوحنا 17: 4).
هذه المحبة هي في صميم الله تعين نوع علاقته بالبشر. هذه العلاقة لا يمكنها أن تكون إذاً إلا علاقة حب وعطاء. الآب يحب العالم بالحب ذاته الذي يحب به ابنه: "... إنك أحببتهم كما أحببتني" (يو 17: 23). هذا ما تجلى في العهد القديم عندما صور الأنبياء ونشيد الأنشاد علاقة الله بشعبه كعلاقة الزوج بزوجته والحبيب بحبيبته. ولكنه ظهر لنا خاصةً في يسوع المسيح. فالحب الذي أظهره يسوع لنا كشف لنا كل عمق حب الآب، لأن الابن صورة الآب. بيسوع خاصة عرفنا أن علاقة الله بالبشر كلها سخاء وبذل. حياة يسوع كانت معطاة لنا كلها، معطاة لنا حتى الموت، معطاة لنا بدون قيد أو شرط، معطاة للخطأة والصديقين، للأشرار والصالحين، ففهمنا هكذا أن الله عطاء غير مشروط: "لا يكاد أحد يموت عن بار، وقد يقدم أحد على الموت عن صالح وأما الله فقد برهن على محبته لنا بأن المسيح قد مات عنا ونحن بعد خطأة" (رومية 5: 7-8). رأينا يسوع يولد في مزود ويرفض الغنى والسلطة والمجد، رأيناه يغسل أرجل التلاميذ ويؤكد بأنه "لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" (متى 20: 28)، رأيناه "طائعاً حتى الموت" (فيلبي 2: 8)، وهكذا في يسوع الذي هو على حد تعبير الرسول بولس "صورة الله غير المنظور" (كولوسي 1: 15) أدركنا أخلاق الله وعرفنا بأن التسلط والتشامخ والتجبر والتملك، تلك الأخلاق التي نسبها سارتر لإلهه، وغير سارتر، بعيد عن أخلاق الإله الحي بعد السماء عن الأرض.
بيسوع المصلوب عنا ("ليس حب أعظم من هذا أن يضع الإنسان نفسه عن أحبائه" يوحنا 15: 13) عرفنا أن الله مبذول لنا كله، وبأن طبيعته لا أن يتملك ويحتفظ لنفسه ويطلب ما لنفسه بل أن يعطي ويغدق بدون حساب. أدركنا بيسوع نوعية علاقة الله بخليقته. يقولون إن الله خلق الكائنات لمجده. ولكن ما هو مجد الله؟ "مجد الله، يقول أحد الكتّاب المعاصرين الروحيين، ليس أن يأخذ بل أن يعطي. مجد المحبة أن تحب... مجد الينبوع أن يملأ ويسقي ويروي ويغسل. مجد الشعلة أن تلهب وتضيء وتدفئ. مجد الآب أن ينجب ويربي ويشدد...".
يقول لويس افلي في كتابه "آبانا...": "ما هو مجد الله؟ الله يحب. مجده أن يكون الله، أي أن يكون محبة..." (ص49). وأيضاً: "الله خلق الخليقة حباً، ليعطي وليهب ذاته، ليحيي كائنات أخرى بحياته، ليبهج كائنات أخرى بفرحه" (ص 48).
هذا ما عبر عنه أحد الآباء الأقدمين ايريناوس، عندما كتب في القرن الثاني للميلاد: "مجد الله حياة الإنسان". وكأنه يرد مسبقاً على تصورات سارتر، وغير سارتر، الذي سمى إلهه جوبيتر "إله الأموات". وقال أنه يسر برؤية الأحياء شبيهين بالأموات، بينما سمعنا الرب يقول: "الله ليس إله الأموات بل إله الأحياء" (لوقا 20: 38)، وسمعناه يكشف لنا مقاصد الله بقوله: "أما أنا فقد أتيت لتكون لهم الحياة وتكون لهم بوفرة" (يوحنا 10: 10).
هكذا يتضح لنا أن هم الله ليس أن يزيل وجودي بل أن يمدني بوجوده، كل ما يريده الله مني هو أن أدعه يحبني ويجعلني في الوجود بحبه، هو أن أقبل بأن أتلقى منه الكينونة والخير. إنه ليس فقط لا يريد إلغاء وجودي بل إنه لا يرتضي لي بوجود ناقص، مبتور، إنه يريد لي كل الوجود، يريد أن يشركني في حياته كلها وأن يغنيني بملئه كله. ليس فقط لا يشاء الله إلغاء وجودي، بل يريد أن يرفعني إلى مستوى وجوده، أن يمنحني كل غنى وجوده. وبعبارة أخرى يريد الله تأليهي.
هذا ما عبر عنه القديس مكسيموس المعترف في القرن السابع عندما كتب: "الله متعطش إلى تأليه الإنسان". الله لا يشاء تحقير الإنسان بل، كما أن الآب الجدير بهذا الاسم يسر بأن يصبحه ابنه مثله مكتمل الرجولة، هكذا شاء الله أن يجعلنا شركاء لاهوته وأن يعاملنا معاملة المثل للمثل. لذا كتب بطرس الرسول بأننا مدعوون إلى أن نكون "شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بطرس 1: 4). وكتب الرسول يوحنا "أيها الأحباء، نحن من الآن أولاد الله، ولم يتبين بعد ماذا سنكون. غير أننا نعلم أننا، إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأننا سنعاينه كما هو" (1 يوحنا 3: 2). ويختتم تيوثي وير مقاله عن "تجلي الجسد" بقوله: يقول مخطوط عبراني: أن أحد الملوك دخل بستانه ليخاطب البستاني فاختباء البستاني فقال له الملك: لماذا تختبئ مني ألست مثلك؟ هكذا سيسير الله مع الصديقين في الفردوس الأرضي وسيرونه وسيرتجفون منه وسيقول لهم آنذاك لا تخافوا أنا واحد منكم" (ص 144). في هذه الألفة التي يعتبر فيها الله نفسه واحد من أحبابه، أي مكان الخوف الذي قال عنه سارتر، وغيره، على لسان جوبيتر، الذباب، "إن له ريحاً شهية في خياشيم الآلهة"؟ وكأن الرسول الحبيب قد ردّ مسبقاً على سارتر، وغيره، عندما كتب: "لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تنفي الخوف... والخائف لم يكتمل في المحبة" (1يو 4: 17-18).
فلترَ جواب لويس افلي على هذه المسألة: "كل تاريخ البشرية انحرف وتحطم لأن آدم كوّن لنفسه فكرة خاطئة عن الله. لقد كان يريد أن يصبح مثل الله. أرجو أنكم لم تعتقدوا لحظة أن خطيئة آدم كامنة في ذلك. أي طموح آخر كان يمكن أن يكون له؟ ألم يكن هذا هو الهدف بالضبط الذي دعاه الله إليه؟ ولكن آدم أخطأ النموذج. فقد اعتقد أن الله كائن مستقل، مكتفٍ بذاته ولذلك تمرد وعصى حتى يصبح مثله"
- قد نتساءل والحالة هذه: لماذا سقط آدم إذاً عندما شاء أن يحقق وعد الشيطان "ستصيران آلهة"؟ ألا يعني ذلك أن الله لا يشاء أن يتأله الإنسان؟
- ولكن هل كانت خطيئة آدم بأنه أراد أن يتأله؟
"ولكن الله عندما كشف ذاته، عندما أراد أن يظهر ما هو بالحقيق، أظهر ذاته محبة، حناناً، عطاء ذات... الله أظهر ذاته طائعاً، طائعاً حتى الموت"
"هكذا عندما اعتقد آدم أنه يصبح مثل الله اختلف بالكلية عن الله، لأنه انفصل واعتزل بينما الله شركة كله".
هكذا لم يسقط آدم لأنه أراد أن يصير مثل الله، ولكن لأنه لم يتمثل الله حقيقة، أي لم يشأ أن يكون مثله عطاء يقابل عطاء، بل فصم الشركة ورفض "عطية الله" (تلك العطية التي حدّث يسوع السامرية عنها قائلاً: "لو كنت تعرفين عطية الله" يوحنا 4: 10) أي أنه رفض أن يمتلئ من الوجود الذي كان الله يدفقه فيه وحبس على نفسه في اكتفائية قاتلة....
2. الله يريد ويحترم حرية الإنسان
يتبع>>>

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس.gif)
.gif)

المفضلات