هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن الطفل, وإن كان يبدو بريئاً بسبب عدم وعيه للخطيئة, إلا أنه غير متقّدس بالنعمة لأن القداسة ليست مسألة فطرية موجودة بذرية آدم, بل تحتاج إلى جهاد متواصل بين الإرادة البشرية ونعمة الروح القدس, وكلاهما مفقود في الأطفال. لهذا فكل مولود بشر ينطبق عليه كلام داود النبي "ها أنذا بالآثام حُبل بي, وبالخطايا ولدتني أمي" ~ مز 5:51. فكل إنسان هو مولود في الخطيئة لأنه ابن آدم القديم. لهذا وإن كان الأطفال غير خاطئين بصورة شخصية لأنهم غير مدركين للخطيئة فيهم, إلا أنهم يولدون في الخطيئة ويحتاجون للمعمودية لينالوا القداسة والاستنارة والخلاص.
\
الكنيسة الأورثوذكسية لا تؤمن بذنب الخطية الأصلية ، فمن الداعي للإستغراب أن يقف الطفل في محاكمة مع الله على ذنب لم يرتكبه ، و لذلك فإن الكنيسة الغربية التي ابتدعت هذه العقيدة و صاغتها بشكل عقائدي ، تخلت اليوم هي أيضاً عنها ، و منذ أشهر اعلن البابا بندكت ذلك صراحةً عن مصائر الأطفال .
في المقالة الموجودة على مدونتي ( قراءة في قضية الخلاص ) ، ستجد أن القديسين كليمنضس و كيرلس الكبير يقولان كلامي ، و ستجد أيضاً المطران كاليستوس وير يقول :
معظم اللاهوتيين الأرثوذكسيين يرفضون فكرة مسؤولية الخطيئة الأصلية التي تكلم عنها أغسطين والتي ما تزال (ولو على نحو ملطف) مقبولة من الكنيسة الكاثوليكية. والمفهوم الأرثوذكسي على العموم يقضي بأن الإنسان قد ورث بصورة آلية عن آدم القابلية للفساد والموت لكنه لم يرث مسؤولية خطيئة آدم بحد ذاتها، إذ إنه ليس مذنباً إلا بمقدار ما ينسج على منوال آدم بملء اختياره. ويتعقد الكثيرون من المسيحيين الغربيين بأن الإنسان بعد السقوط عاجز عن القيام بأي شيء يرضي الله مهما كان نوعه، لأنه لا يستطيع أداء أي أمر لا تشوبه الخطيئة الجدّية. هذا التفكير غريب عن الفكر الأرثوذكسي. فما من أرثوذكسي يفكر مثلاً كما فعل أغسطين والعديد من الغربيين الآخرين، بأن الأطفال الذين يموتون بدون معمودية، لكونهم ملطخين بالخطيئة الأصلية، سيصلون نار الجحيم الأبدية بمشيئة الله العادل. فالصورة التي ترسمها الأرثوذكسية عن الإنسانية الساقطة هي أقل سواداً من التي رسمها أغسطين أو كالفين
أما عن الفساد و الإستنارة فيجب أن أشير إلى حقيقة احتياجنا للمعمودية بالفعل ، و لكن يجب أن نضع كل أمرِ في نصابه ، ففساد الطبيعة هي وسيلة و ليست الغاية ، أي أنها السلاح الذي يؤدي إلى الخطية ، فإن لم تُرتكب الخطية ، فهناك كلام آخر. و هذا ما يقوله الأب يوحنا رومانديس في مقالته :
Original Sin According to saint Paul
و لكن يبقى لنا حقيقة قول القديس غريغوريوس اللاهوتي عن كون احتياجنا الإستنارة (بذور التأله) من أجل الحياة الأبدية ، فهذا حقيقة لا نختلف عليها ، لكن ما لا يمكن أن نختلف عليه أيضاً هو سر عمل الروح القدس ، و لذلك فإن الصلاة من أجل الموتى هنا يكون دورها.
و قد يأتي متسائل ، أليس هذه هي عقيدة المطهر ؟ لا يا عزيزي فعقيدة المطهر عن الغرب هي "مهزلة القرون الوسطى" التي تصور الله ممسكاً سوط ، و أن الآلام التي يحياها الذين يعيشون الآلام المطهرية يمكن أن تخلصهم ... يعني أنا أروح أكهرب نفسي شوية ، تتغفر حبة خطايا. أما عنا ، فنحن نؤمن بأنه لا يوجد فريقين منفصلين اسمهم أحياء و أموات ، و أن هناك جدار مادي بينهما . كما أننا نؤمن أن الخلاص و التأله لا يكونان بالقصاص و الحاجات دي ، بل بدم و عمل ابن الله و روحه القدوس ، و لذلك فإننا كمؤمنين ندخل إلى الليتورجية المقدسة و نحن نؤمن بشركة الأموات و القديسين و الطغمات و من فوقهم كلهم والدة الإله و فوقها الثالوث القدوس ، كل هؤلاء لا يجلسون بعيداً يشاهدوننا نتناول و نحيا النطاق المنظور ، بل يشاركوننا هذه الإحتفالية ، و بصلاتنا لأجل أحبائنا المنتقلين ، يستمر عمل التأله الذي لم يكتمل في حياتهم كأحياء بيننا. و هذا ما نؤمن به ، و هو استمرار عمل الله في المنتقلين و تأليههم بشكل سرائري لا نفهمه نحن ، و هذا من خلال اشتراكهم أيضاً السرائري في الأسرار المقدسة.

لهذا لا تخف عزيزي المؤمن على طفل رضيع انتقل قبل معموديته لظروف خارجة عن إرادتك و صللي لأجله لأنه ثمين جداً عند الثالوث القدوس . و أريد أن أوضح لك شيء ، إن مقولتك : السؤال الذي أخاف إجابته ، " يجب أن تختبر من خلالها حقيقة أن الله أكثر منك حباً للمنتقلين و أنه لا داعي لخوفك من الله هكذا لأنه ليس آخر بالنسبة لك ، و هذه دعوة لقراءة أكثر عمقاً و معرفة لحقيقة محبة الله و ابنه المزخر فيه كنوز الخكمة و المعرفة.

تحياتي
ميناس