قال الرب يسوع لنيقوديموس: "إن كنت قد قلت لكم الأرضيات لا تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السمويات؟" (يوحنا 12:3)....

زائر الليل - نيقوديموس - جاء ليستفسر عن بعض الأمور من الرب، بعد أن أخذ إيمانه به ينمو رويداً رويداً..... نراه هنا يأتي ليلاً.... ثم نراه يدافع عن الرب يسوع في مجلس السنهدريم.... ثم عند الصليب (علناً).... ثم نراه ويوسف الرامي يطلبان جسد الرب بعد موته على الصليب ليكفناه ويضعاه في القبر.... وأخيراً يخبرنا التقليد الكنسي بأنه أعلن إيمانه للملء، وصار أسقفاً.........

وأول جواب للرب على تساؤله، كان: " الحق الحق اقول لك ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله" (آية 5).... وهذا ما زاده حيرة.... ما عسى أن يكون هذا!؟.....
لقد كان الجواب على قدر المستوى الروحي واللاهوتي العالي الذي كان يتمتّع به نيقوديموس، كونه معلّم للناموس له قدره..... ومع هذا لم يفهم ما وراء كلمات الرب له....

كان الرب يعني بذلك الولادة الثانية بالروح القدس..... بالماء المقدِّس بدم الرب يسوع..... حيث يطهّر الروح القدس المعمود من الخطيئة الأصلية....باستحقاق دم السيد المسيح.... فيُدفن آدم الأول - الذي نرثه بالولادة الطبيعية من أبوينا - بماء المعمودية، ويولد الإنسان من الماء ثانية... إنساناً جديداً طاهراً.... لابساً آدم الثاني المنتصر على الخطيئة والموت.... ووارثاً المواعيد الإلهية الصادقة..... وارثاً للمسيح!!!!...... آدم الأول أورثنا الخطيئة والموت اللذين عقوبتهما الهلاك الأبدي.... وآدم الثاني أورثنا الحياة الأبدية التي خسرها جدّينا الأولين..... أورثنا الملكوت الموعود به.... أرض الميعاد الروحية..... أورشليم السماوية النازلة من فوق....
كان الحديث عن ولادة جديدة.... عن أمر يختص بالأرضيات.... بلغة أهل عالمنا هذا... أمر كان ينبغي أن يدركه نيقوديموس، خاصة وأنه معلّم للشريعة.... وأما كيفية عمل الروح القدس في هذا الخلق الجديد لا أحد يعلم به..... إنه كالريح التي تهب حيث تشاء، ولا أحد يعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب (آية 8)..... وهذا الأمر هو ما أربك نيقوديموس!.... حيث أن الأمر يتعلّق بأمور سماوية ليس له علماً بها.... أمور فوق إدراك العقل البشري..... وكون الرب يسوع هو الله الكلمة المتجسّد، فقد أظهر لنيقوديموس بأنه أيضاً من فوق، وما يتكلّم به عن ذلك العالم هو عن معرفة كاملة لما يجري فيه...... لذلك استعاض عن لفظة "أنا" بـ "نحن"، حين قال: "الحق الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا" (آية 11)، وأيضاً: "وليس احد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (آية 13)..... أي أنه الآن في هذه اللحظة يتكلّم مع نيقوديموس، وفي نفس اللحظة هو في السماء أيضاً.... وهذا دليل على لاهوته، حيث أن الله وحده هو الموجود في كل مكان في آن واحد.... هو وحده الغير محدود في زمان أو في مكان...

فمن البديهي – والحالة هذه – أن يجهل الإنسان ما في ذلك العالم "السمويات"... كونه ينتمي فقط إلى هذا العالم "الأرضيات"..... و علمه بما يخص هذا العالم هو محدود أيضاً.... إذ أننا لا نعلم كل شيء عن عالمنا المنظور.....

هناك الكثير من القديسين الذين نالوا نعمة خاصة، فرأوا نذراً يسيراً من عالم "السمويات"..... وعندما عادوا إلى وعيهم، إلى "الأرضيات"، لم يستطيعوا أن يجدوا الكلمات المناسبة لوصف ما رأوا.... كما جرى مثلاً مع القديس بولس حين اختُطف إلى السماء الثالثة (2 كورنثوس 12)..... وأيضاً رؤيا حزقيال النبي.... ومركبة إيليا النارية....إلخ... وحتى أن هناك قصصاً لقديسين كثيرين اختبروا حالات غريبة بالنسبة لنا..... ومن يقرأ سيرهم في كتاب "بستان الرهبان" مثلاً يقف شعر رأسه عند الكثير منها....

وليس من المستغرب أن الكثيرين لا يؤمنون بالأعاجيب أو بالظهورات، فقد سبق الرب يسوع وأعلمنا بذلك..... وأيضاً كيف لنا نحن الأرضيين أن نفقه ما للسمويات، إذ أنه عالم يختلف عن عالمنا جذرياً!؟.... ولكن البعض منّا (القديسين) زاروا ذاك العالم، وحاولوا بكلمات أرضية أن يصفوا ما رأوا.... ومع كل وصفهم، يبقى الأمر غامضاً تماماً بالنسبة لنا..... تماماً مثل غموض سفر الرؤيا..... وهؤلاء القديسون هم مصدر ثقة في الكنيسة المقدسة، إذ أيّدهم الرب بآيات جرت عن طريقهم..... ونحن نصدّق ما أخبرونا به..... وكما هم قرنوا الروحيّات بالروحيّات، على حدّ قول القديس بولس (1 كورنثوس 13:2)، هكذا نتبع نحن خطاهم.... والروحيّات الأولى هي ما يتعلّق بالسمويات، والثانية هي ما يخصّ حياتنا الروحية كتجاوب وانسجام بتسليم إيماني لما أخبرونا هم عنه......

فإن سمعتم عن ظهور أو أعجوبة، يكفي أن تكون ثمارها لخير النفوس حتى نميّز بأنها من الرب.... فالشيطان ليس من صالحه خلاص الأنفس، ولا يسعى لذلك.... فإن خلصت نفس واحدة بسبب أعجوبة، تكون خسارته لا توصف..... ومن جهة أخرى، فإن الرب لا يسمح للشرير أن يعبث بمقدّساته.... حتى أن الشياطين لا تجرؤ أن تقترب منها.....

وإن كان هناك من لا يؤمن بها، فلا يحتقرْ من يؤمن.... وخير له أن لا يسبب عثرة للآخرين بتشكيكهم بصحتها...... فإن ذلك إنما يخصّ "السمويات".....