[FRAME="13 70"]
دروس رجال الله


رجال الله قوم يحرِّكهم روح الربّ. لا يحسبون حساباً لترتيبات البشر. همّهم الأول والأخير أن يُطاع اللهُ لا الناس. هاجسُهم أن يستقرّ سلام الله في الناس ولو بدا، أحياناً، كأنّهم يقيمون الدنيا ولا يقعدوها. هم قيثارة الروح. وهم ورثة مَن قيل له: "لا تخف من وجوههم لأنّي أنا معك لأُنقذك... انظر. قد وكّلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتُهلك وتنقض وتبني وتغرس" (إر 1: 8 ، 10).

هؤلاء هم الذين حفظوا الكنيسة ويحفظونها في كل جيل. هؤلاء هم ملح الكنيسة. دونك، من بين هؤلاء، مثالاً طيِّباً: القدّيس المعترف ثيودوروس الستوديتي.

كان القدّيس ثيودوروس راهباً، وسلك في الرهبانية بكل جوارحه. ثمّة مَن يحلو لهم الظنّ أنّ اهتمام الراهب محدود، في نطاق الدير، بالصوم والصلاة، وما تبقّى، هو من اختصاص الأساقفة والكهنة. كل الكنيسة، لثيودوروس، كان الهمّ. كل ما يعرِّض إيمان الكنيسة وسلامة الحياة الروحيّة فيها للخطر كان يعنيه وكان له موقف منه. لم يكن ليَقبل أن يُخرَق القانون الكنسي بحال، كائناً مَن كان المخالِف. كان لا يعبأ بما تحدثه مواقفه، اعتراضاً ورفضاً لكل تجاوز، من ردّات فعل، وحتى من زلازل في حياة الكنيسة. لا سلام، في زمن المخالفة، إلاّ بعد زلزلة. أعظم الأخطار على الكنيسة عنده ليس أن يقوم الناس على الناس، بل أن تنام الكنيسة على المخالفة والتعليم الفاسد. هذا، في نظره، وفي نظر كل الآباء، في الحقيقة، هو ما يصدِّع الوحدة الداخلية للكنيسة.
ثلاثة أمثلة نوردها لدى القدّيس ثيودوروس الستوديتي، تعبِّر عن مدى الهمّ الكنسي لديه ولدى رجل الله بعامة:
* كان الأمبراطور البيزنطي قسطنطين السادس (780 – 797 م) شاباً خليعاً ماجناً، استسلم، دون رادع، لشهوات نفسه، لا سيما لشهوة الزنى. لأجل ذلك قرّر التخلّص من زوجته ماريا فأجبرها على أن تصير راهبة مستبدلاً إيّاها بزوجة أخرى هي ثيودوتا نسيبته من جهة أبيه. امتنع البطريرك طراسيوس عن مباركة زواجه الثاني. أحد كهنة الكنيسة العظمى، يوسف، خرج عن طاعة البطريرك وزوَّج الأمبراطور. عوقب الكاهن وعَمِلَ البطريرك على إبطال الزواج. هدّد الأمبراطورُ بإحياء هرطقة محاربة الإيقونات. تريّث البطريرك لئلا يُصيبَ الكنيسةَ ما هو أشرّ. فكانت النتيجة أن تفشّى الزنى، في الممارسة، بسبب ما فعله الأمبراطور وغضّ عنه البطريركُ الطرْفَ. شرع الأمراء والنبلاء يقتدون بالأمبراطور. عمد العديد من الحكّام إلى إطلاق زوجاتهم وإجبارهنّ على أداء النذور الرهبانية واتّخاذ نساء أخريات والعيش في الخطيئة. بلغ مِسمعي ثيودوروس المغبوط ما حدث. اضطربت نفسه لأنّ الخطيئة صارت تُرتَكب بوقاحة، وقطع هو ورهبانه الشركة مع الأمبراطور. حاول الأمبراطور استمالته بالتملّق والهدايا فأخفق. تعرّض ثيودوروس ورهبان ديره للضرب والسجن والنفي فلم يُذعنوا. صمدوا، بنعمة الله، إلى أن أُطيح بالأمبراطور فعاد ثيودوروس ورهبانه إلى ديرهم مظفَّرين وعاد السلام إلى الكنيسة.

* اغتصب الأمبراطور البيزنطي نيقيفوروس الأول (802 – 811 م) العرش لمّا أطاح بالأمبراطورة إيريني. أعاد الأمبراطور، من نفسه، إلى الشركة، الكاهن المقطوع يوسف. أمر بالسماح له بالقيام بالخدمة الليتورجية. تصدّى البطريرك للأمبراطور لكنّه خشي أن تتعرّض الكنيسة، برمّتها، للإساءة على يديه. لذلك قَبِل الكاهن يوسف، في الشركة، مرغماً. ورغم كون البطريرك، المدعو نيقيفوروس أيضاً، قدّيساً في الكنيسة فإنّ ثيودوروس قطع الشركة معه، في تلك السانحة، لأنّه قَبِل رجلاً مقطوعاً من الشركة. جرى نفي القدّيس ثيودوروس إلى إحدى الجزر القريبة من المدينة المتملّكة. وبالنتيجة قضى الأمبراطور في حربه ضدّ البرابرة وعاد ثيودوروس إلى ديره مظفَّراً وعادت الشركة مع البطريرك إلى حدّ الصداقة العميقة وعاد السلام إلى الكنيسة.

* تبوّأ العرش الأمبراطور البيزنطي لاون الخامس الأرمني (813 – 820 م). هذا أراد أن يحيي الحرب ضدّ الإيقونات ومكرّميها. تصدّى له البطريرك والعديد من الآباء بمَن فيهم القدّيس ثيودوروس. واجهوه وناقشوه. قال له ثيودوروس بكل جسارة: "ألا اعلم، أيّها الأمبراطور، أنّه ليس من اختصاصك أن تعيد النظر أو تغيّر في أحكام الكنيسة. ما لك سلطان عليه هو أن تحكم وتحلّ مسائل عالمية، أما الشؤون الكنسيّة فهي لأساقفة الكنيسة ومعلّميها. أما أنت فعليك أن تطيع هذه السلطات وتخضع لها. ولمّا قال له الأمبراطور: "أتودّ، إذاً، أن تلقيني خارج الكنيسة؟" أجاب: "لا أنا بل تقليدات الرسل الإلهيّين والآباء القدّيسين هي التي تلقيك خارجاً. لأنّه لو شاء ملاك من السماء أن يبشّر بخلاف ما هو من الإيمان المقدّس فليكن مقطوعاً". وبالنتيجة عُذّب ثيودوروس ونُفي وسُجن وعانى إلى حدود الموت، لكنّه صمد بنعمة الله. وقد شدّد البطريركَ والرهبانَ والمؤمنينَ في كل مكان. أخيراً، بعد سبع سنوات، قضى لاون بيد جنوده وعاد ثيودوروس إلى رهبانه مظفَّراً، بنعمة الله، وعاد السلام إلى الكنيسة.
في ضوء ما تقدّم نقول إنّه لم تكن وحدة الكنيسة، في التاريخ، البتّة، تراكمية. ليست الكنيسة تراكم أجساد. طبعاً نراعي الضعفاء، قدر استطاعتنا، ولكن على صعيد سعيهم الشخصي إلى التنقّي. لم تكن المراعاة يوماً على حساب تعليم الكنيسة ولا على حساب قوانينها المقدّسة. هذا لا يمكن أن يحفظ وحدة المؤمنين في الكنيسة بحال بل يفتّتها. إسُّ التلاقي في الكنيسة هو في عقيدتها وشَرْعِها، وإلاّ تنفرط الوحدة الداخلية، في الروح، بين المؤمنين ولا يبقى منها غير الشكل إلى أن تنحلّ الوحدة في الشكل أيضاً إذ تتفشّى الفوضى العقدية والممارسات الخاطئة. من هنا أنّ مَن يتعبون في حفظ سلامة العقيدة وحسن الممارسة القانونية هم الذين يحافظون على الوحدة الحقّ للكنيسة ولو بدا كأنّهم، بما يحدثونه من اضطراب في بعض النفوس، لا سيما في زمن التراخي، يفرّقون. الوحدة في الظاهر، في كل حال، لا قيمة لها إلاّ إذا تفجّرت غيرة على تعليم الكنيسة وممارساتها القانونية ونبذت المخالفة والفساد. من هنا أنّه لا خوف على الكنيسة من الذين يغارون على الحقّ فيها. بالعكس هؤلاء يساهمون في جمع المؤمنين إلى واحد، كما حصل للكنيسة بالقدّيس ثيودوروس. الخوف هو من الذين يفرِّطون بالحقّ صوناً لوحدة نفسانية شكلية مؤسّساتية مزعومة، هي، في كل حال، وحدة انقسامية من ابتداع الناس لا من روح الله!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
[/FRAME]