Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2962
دروس رجال الله

الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: دروس رجال الله

  1. #1
    أخ/ت مجتهد/ة الصورة الرمزية سليمان
    التسجيل: Mar 2007
    العضوية: 843
    الجنس: male
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    الحالة: سليمان غير متواجد حالياً
    المشاركات: 985

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي دروس رجال الله

    [FRAME="13 70"]
    دروس رجال الله


    رجال الله قوم يحرِّكهم روح الربّ. لا يحسبون حساباً لترتيبات البشر. همّهم الأول والأخير أن يُطاع اللهُ لا الناس. هاجسُهم أن يستقرّ سلام الله في الناس ولو بدا، أحياناً، كأنّهم يقيمون الدنيا ولا يقعدوها. هم قيثارة الروح. وهم ورثة مَن قيل له: "لا تخف من وجوههم لأنّي أنا معك لأُنقذك... انظر. قد وكّلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتُهلك وتنقض وتبني وتغرس" (إر 1: 8 ، 10).

    هؤلاء هم الذين حفظوا الكنيسة ويحفظونها في كل جيل. هؤلاء هم ملح الكنيسة. دونك، من بين هؤلاء، مثالاً طيِّباً: القدّيس المعترف ثيودوروس الستوديتي.

    كان القدّيس ثيودوروس راهباً، وسلك في الرهبانية بكل جوارحه. ثمّة مَن يحلو لهم الظنّ أنّ اهتمام الراهب محدود، في نطاق الدير، بالصوم والصلاة، وما تبقّى، هو من اختصاص الأساقفة والكهنة. كل الكنيسة، لثيودوروس، كان الهمّ. كل ما يعرِّض إيمان الكنيسة وسلامة الحياة الروحيّة فيها للخطر كان يعنيه وكان له موقف منه. لم يكن ليَقبل أن يُخرَق القانون الكنسي بحال، كائناً مَن كان المخالِف. كان لا يعبأ بما تحدثه مواقفه، اعتراضاً ورفضاً لكل تجاوز، من ردّات فعل، وحتى من زلازل في حياة الكنيسة. لا سلام، في زمن المخالفة، إلاّ بعد زلزلة. أعظم الأخطار على الكنيسة عنده ليس أن يقوم الناس على الناس، بل أن تنام الكنيسة على المخالفة والتعليم الفاسد. هذا، في نظره، وفي نظر كل الآباء، في الحقيقة، هو ما يصدِّع الوحدة الداخلية للكنيسة.
    ثلاثة أمثلة نوردها لدى القدّيس ثيودوروس الستوديتي، تعبِّر عن مدى الهمّ الكنسي لديه ولدى رجل الله بعامة:
    * كان الأمبراطور البيزنطي قسطنطين السادس (780 – 797 م) شاباً خليعاً ماجناً، استسلم، دون رادع، لشهوات نفسه، لا سيما لشهوة الزنى. لأجل ذلك قرّر التخلّص من زوجته ماريا فأجبرها على أن تصير راهبة مستبدلاً إيّاها بزوجة أخرى هي ثيودوتا نسيبته من جهة أبيه. امتنع البطريرك طراسيوس عن مباركة زواجه الثاني. أحد كهنة الكنيسة العظمى، يوسف، خرج عن طاعة البطريرك وزوَّج الأمبراطور. عوقب الكاهن وعَمِلَ البطريرك على إبطال الزواج. هدّد الأمبراطورُ بإحياء هرطقة محاربة الإيقونات. تريّث البطريرك لئلا يُصيبَ الكنيسةَ ما هو أشرّ. فكانت النتيجة أن تفشّى الزنى، في الممارسة، بسبب ما فعله الأمبراطور وغضّ عنه البطريركُ الطرْفَ. شرع الأمراء والنبلاء يقتدون بالأمبراطور. عمد العديد من الحكّام إلى إطلاق زوجاتهم وإجبارهنّ على أداء النذور الرهبانية واتّخاذ نساء أخريات والعيش في الخطيئة. بلغ مِسمعي ثيودوروس المغبوط ما حدث. اضطربت نفسه لأنّ الخطيئة صارت تُرتَكب بوقاحة، وقطع هو ورهبانه الشركة مع الأمبراطور. حاول الأمبراطور استمالته بالتملّق والهدايا فأخفق. تعرّض ثيودوروس ورهبان ديره للضرب والسجن والنفي فلم يُذعنوا. صمدوا، بنعمة الله، إلى أن أُطيح بالأمبراطور فعاد ثيودوروس ورهبانه إلى ديرهم مظفَّرين وعاد السلام إلى الكنيسة.

    * اغتصب الأمبراطور البيزنطي نيقيفوروس الأول (802 – 811 م) العرش لمّا أطاح بالأمبراطورة إيريني. أعاد الأمبراطور، من نفسه، إلى الشركة، الكاهن المقطوع يوسف. أمر بالسماح له بالقيام بالخدمة الليتورجية. تصدّى البطريرك للأمبراطور لكنّه خشي أن تتعرّض الكنيسة، برمّتها، للإساءة على يديه. لذلك قَبِل الكاهن يوسف، في الشركة، مرغماً. ورغم كون البطريرك، المدعو نيقيفوروس أيضاً، قدّيساً في الكنيسة فإنّ ثيودوروس قطع الشركة معه، في تلك السانحة، لأنّه قَبِل رجلاً مقطوعاً من الشركة. جرى نفي القدّيس ثيودوروس إلى إحدى الجزر القريبة من المدينة المتملّكة. وبالنتيجة قضى الأمبراطور في حربه ضدّ البرابرة وعاد ثيودوروس إلى ديره مظفَّراً وعادت الشركة مع البطريرك إلى حدّ الصداقة العميقة وعاد السلام إلى الكنيسة.

    * تبوّأ العرش الأمبراطور البيزنطي لاون الخامس الأرمني (813 – 820 م). هذا أراد أن يحيي الحرب ضدّ الإيقونات ومكرّميها. تصدّى له البطريرك والعديد من الآباء بمَن فيهم القدّيس ثيودوروس. واجهوه وناقشوه. قال له ثيودوروس بكل جسارة: "ألا اعلم، أيّها الأمبراطور، أنّه ليس من اختصاصك أن تعيد النظر أو تغيّر في أحكام الكنيسة. ما لك سلطان عليه هو أن تحكم وتحلّ مسائل عالمية، أما الشؤون الكنسيّة فهي لأساقفة الكنيسة ومعلّميها. أما أنت فعليك أن تطيع هذه السلطات وتخضع لها. ولمّا قال له الأمبراطور: "أتودّ، إذاً، أن تلقيني خارج الكنيسة؟" أجاب: "لا أنا بل تقليدات الرسل الإلهيّين والآباء القدّيسين هي التي تلقيك خارجاً. لأنّه لو شاء ملاك من السماء أن يبشّر بخلاف ما هو من الإيمان المقدّس فليكن مقطوعاً". وبالنتيجة عُذّب ثيودوروس ونُفي وسُجن وعانى إلى حدود الموت، لكنّه صمد بنعمة الله. وقد شدّد البطريركَ والرهبانَ والمؤمنينَ في كل مكان. أخيراً، بعد سبع سنوات، قضى لاون بيد جنوده وعاد ثيودوروس إلى رهبانه مظفَّراً، بنعمة الله، وعاد السلام إلى الكنيسة.
    في ضوء ما تقدّم نقول إنّه لم تكن وحدة الكنيسة، في التاريخ، البتّة، تراكمية. ليست الكنيسة تراكم أجساد. طبعاً نراعي الضعفاء، قدر استطاعتنا، ولكن على صعيد سعيهم الشخصي إلى التنقّي. لم تكن المراعاة يوماً على حساب تعليم الكنيسة ولا على حساب قوانينها المقدّسة. هذا لا يمكن أن يحفظ وحدة المؤمنين في الكنيسة بحال بل يفتّتها. إسُّ التلاقي في الكنيسة هو في عقيدتها وشَرْعِها، وإلاّ تنفرط الوحدة الداخلية، في الروح، بين المؤمنين ولا يبقى منها غير الشكل إلى أن تنحلّ الوحدة في الشكل أيضاً إذ تتفشّى الفوضى العقدية والممارسات الخاطئة. من هنا أنّ مَن يتعبون في حفظ سلامة العقيدة وحسن الممارسة القانونية هم الذين يحافظون على الوحدة الحقّ للكنيسة ولو بدا كأنّهم، بما يحدثونه من اضطراب في بعض النفوس، لا سيما في زمن التراخي، يفرّقون. الوحدة في الظاهر، في كل حال، لا قيمة لها إلاّ إذا تفجّرت غيرة على تعليم الكنيسة وممارساتها القانونية ونبذت المخالفة والفساد. من هنا أنّه لا خوف على الكنيسة من الذين يغارون على الحقّ فيها. بالعكس هؤلاء يساهمون في جمع المؤمنين إلى واحد، كما حصل للكنيسة بالقدّيس ثيودوروس. الخوف هو من الذين يفرِّطون بالحقّ صوناً لوحدة نفسانية شكلية مؤسّساتية مزعومة، هي، في كل حال، وحدة انقسامية من ابتداع الناس لا من روح الله!


    الأرشمندريت توما (بيطار)
    رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
    [/FRAME]

    †††التوقيع†††

    †††
    It is truly right to bless you
    O Theotokos

    دير القديس سمعان بطرس
    مركز "العذراء أم الرحمة"

  2. #2
    أخ/ت فعّال/ة
    التسجيل: Oct 2007
    العضوية: 1302
    الإقامة: اللاذقية
    هواياتي: الرسم ومتابعة الرياضة
    الحالة: وسيم غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,015

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: دروس رجال الله

    شكرا لك أخ سليمان

    بالفعل كل واحد منا لازم يقتدي بالقديس ثيودوروس و خاصة بما تعانيه المسيحية من اضطهادات

    اذكرني في صلواتك

    †††التوقيع†††

    لا تقل
    إنك لا تؤثر في الآخرين

    فطالما أنك المسيحي

    لا بد أن يكون لك تأثير فهذا هو

    جوهرالمسيح


  3. #3
    أخ/ت مجتهد/ة الصورة الرمزية سليمان
    التسجيل: Mar 2007
    العضوية: 843
    الجنس: male
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    الحالة: سليمان غير متواجد حالياً
    المشاركات: 985

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: دروس رجال الله 2

    [FRAME="13 70"]
    دروس رجال الله(2)

    منذ أيام قليلة، في السابع من كانون الأول، احتفلنا بعيد أبينا الجليل في القدّيسين أمبروسيوس أسقف ميلان (+ 397 م). هذا، في وجدان الكنيسة في الغرب، هو أحد المعلّمين الأربعة الكبار هناك. الثلاثة الباقون هم إيرونيموس (+ 420 م) وأوغسطينوس (+ 435 م) وغريغوريوس الكبير (+ 604 م).
    مما انحدر إلينا من أخبار القدّيس أمبروسيوس خبرُ وِقفته في وجه الأمبراطور ثيودوسيوس الكبير (379 – 395 م) يوم تلطّخت يداه بدم الأبرياء. وِقفته، هذه، يومذاك، أهّلته للقب "مؤدّب الملوك" وجعلته، في الكنيسة المقدّسة قاطبة، مثالاً يُحتذى في مواجهة رجال الله لمَن يستخفّون بشرعة الله ويدوسونها، من أبناء الإيمان، ولو كانوا في موقع الأباطرة.
    في ذاك الخبر أنّه خلال العام 390 للميلاد، احتجز أحد الضبّاط الكبار في سالونيك، واسمه بوتيريق، سائساً للعربات في ميدان سباق الخيل. هذا تحرّش بإحدى إماء الضابط، كما قيل. كان السائس معروفاً بين الناس كأحد أبطال السباقات. فلمّا حلّ موسم الألعاب طالب الشعب بإطلاق سراحه، فلم يشأ بوتيريق أن يفعل ذلك. إذ ذاك تحوّلت المطالبةُ إلى سخط فهياج ففتنة، ورجَمَ رعاعٌ بعضَ العسكر بالحجارة حتى الموت وجرّروهم في الطرقات. وكان بوتيريق أحدَ الذين قضوا في الفتنة. الأمبراطور ثيودوسيوس، يومها، كان في ضواحي ميلان. ميلان، آنذاك، كانت موقع الإدارة الملكية للشقّ الغربي من الأمبراطورية. فلمّا بلغه الخبر اهتاج، غير أنّ القدّيس أمبروسيوس وأساقفة آخرين هدّأوا من روعه، بعدما شاع النبأ، فوعد بالصفح عن مثيري الشغب. لكنْ أَقنعَ مديرُ الإدارة، المدعو روفينوس، الأمبراطورَ بأنّ هيبة الدولة على المحك ولا بدّ من اتخاذ خطوة تأديبية وقائية تعيد الأمور، في الأذهان، إلى نصابها. فارتأى ثيودوسيوس أن يُرسل إشعاراً إلى قائد منطقة إيلِّيريا يوعز فيه لجنده بأن ينقضّوا على المدينة ليحصدوا منها سبعة آلاف نفس في ثلاث ساعات. هذا تمّ بفظاعة منقطعة النظير لم يميِّز خلالها العسكرُ مذنباً من بريء ولا كبيراً من صغير.
    بلغ الخبرُ مسامع القدّيس أمبروسيوس وأقرانِه من الأساقفة. ثيودوسيوس كان على بُعد يومين أو ثلاثة من ميلان. لم يشأ الأسقف الجليل أن يلتقي الأمبراطور سريعاً فخرج من المدينة. أراد أن يعطيه فرصة ليعود إلى نفسه. اكتفى بأن بعث إليه برسالة رقيقة، ولكنْ حازمة، دعاه فيها إلى التوبة، وأعلمه بأنّه لن يقبل تقدمته بعد اليوم ولن يُقيم الأسرار الإلهية في حضرته، قبل أن يُنجز التكفير عن خطيئته. عبّر له عن محبّته الكبيرة وتقديره لشخصه لكنّه أبدى أنّ كرامة الله أَولى، وأنّ وُدّه لجلالته لا يجعلُه متحيِّزاً له بل حريصاً على خلاصه.
    وانقضت أيّام عاد، بعدها، أمبروسيوس إلى المدينة وكذا بلغها الأمبراطور. رسالة الأسقف الجليل كانت قد وصلته، لكنّه لم يحمل ما جاء فيها على محمل الجِدّ. وإذ قدم إلى الكنيسة، كما ترسم العادة المألوفة، خرج إليه أمبروسيوس واستوقفه عند المدخل حائلاً دون تقدّمه أبعدَ إلى الداخل. قال له: "يبدو، يا سيِّد، أنّك لا تُدرك، حقّ الإدراك، جسامة المجزرة التي ارتكبت. لا تُنسينّك أُبّهة الملابس القرمزية أوهان الجسد الذي تغطّيه. أنتَ من ذات طينة الذين أُقمتَ عليهم حاكماً، ولكَ وإيّاهم سيِّدٌ أحدٌ هو مَلك العالم. بأيّ عينين تُطالع معبده؟ بأيّ قدمَين تطأ هيكله؟ أنّى لكَ أن تعلّي، في الصلاة، تلك اليدين المبقّعتين بالدم المهراق ظلماً؟ عدْ، إذاً، من حيث أتيت واحذر الوقوع في تعدّ جديد يؤزّم، بالأكثر، جُرمَك الأول. خذ عليك، بسكون، النيرَ الذي جعله الربّ الإله لكَ نصيباً. حادٌ هو هذا النير لكنّه علاجي وشفائي". حاول ثيودوسيوس أن يبرِّر نفسه. قال: "وداود النبيّ أيضاً أخطأ!" فأجابه رجل الله: "إذاً، مَن أخطأت نظيره تُب أيضاً نظيره!".
    وخضع ثيودوسيوس!
    أقام، في التوبة، في قصره ثمانية أشهر، بكى، خلالها، خطيئته بكاء مرّاً.
    وجاء عيد الميلاد وسيّدُ القصر أسيرُه توبةً. وأتاه روفينوس، الذي حرّضه على الجرم أولاً، مخفِّفاً عنه، زاعماً أنّه إنما عاقب قوماً مجرمين، لذا ليس ما يبرِّر استسلامه للكآبة. كلامه أوهن حدّة توبة ثيودوسيوس بعضاً. وقد عرض روفينوس أن يتوسّط لدى الأسقف بحجج كثيرة ليَحلّ الأمبراطور من خطاياه. جواب ثيودوسيوس كان: "لن يكون في طاقتك أن تفعل ذلك. أنا عارف بحقّانية الحكم الذي أنزله بي. ثمّ إنّه رجل صَلْب لا تنثني له عزيمة ما دام الأمر رهناً بشرعة الإيمان، ولن يأتيَ ما يخالِف شرعة الله توقيراً للجلالة الملكية. رغم ذلك تحلّب ريقُ ثيودوسيوس ومَنّ النفسَ بحلٍ مبكّر من خطيئته. فلمّا حضر روفينوس أمام الأسقف الجليل وتوسّط لديه قرّعه أمبروسيوس على وقاحته. ولمّا زاد إصراراً وأبدى أنّ الأمبراطور قادم وراءه قال له أمبروسيوس: "إذاً سوف أمنعه من دخول الكنيسة! وإذا ما سوّلت له نفسه اللجوء إلى العنف والاستبداد، فها أنا ذا مستعدّ للموت وأن أمدّ عنقي للسيف". للحال، بإزاء صلابة الأسقف، أوفد روفينوس رسولاً، على جناح السرعة، ليستبقي الأمبراطور حيث هو، لكنْ كان ثيودوسيوس قد استعجل الأمر وبلغ منتصف الطريق. وكان أن حضر ثيودوسيوس لدى الأسقف وسأله الحلّ فانتصب أمبروسيوس وقال له: "ماذا؟! أأتيت إلى هنا لتدوس أحكام الله؟!" ولأن الأمبراطور لم يكن قد استكمل زمان توبته ضمّه إلى محفل التائبين في الكنيسة فكان يوجد، كل يوم، راكعاً عند باب الكنيسة يردّد الآية المزمورية: "نفسي لصقت بالتراب فأحيني حسب كلمتك" (مز 118: 25). كان يقرع صدره وينتف شعره والدموع تسحّ على وجنتيه سائلاً ربّه العفو، منتحباً على خطيئته أمام عيون الناس حتى كانوا يشاركونه البكاء لدى حضرة الله ويسألونه العفو من أجله.
    أخيراً حان ميعاد إنصافه فحلّه الأسقف الجليل من خطاياه بعدما استصدره مرسوماً وقّعه بيده وفيه أنّ مَن يَصدر في حقّه حكمٌ بمصادرة الممتلكات أو الموت لا تُنزَل به العقوبة إلاّ بعد ثلاثين يوماً إفساحاً في المجال للحُكم أن يُسترَدَّ إذا ما استبان أنّه مبني على هوى أو متسرّع أو ظالم.
    إقامة ثيودوسيوس في الغرب، يومها، امتدّت ثلاث سنوات. فلمّا عاد إلى القسطنطينية عقَّب بالقول: "ها أنا محاط بالمتملّقين من كل صوب ولم أجد غير إنسان واحد قوّمني وقال لي الحقّ كلّه. أنا لا أعرف سوى أسقف أصيل واحد في المسكونة. وهذا الأسقف هو أمبروسيوس!".
    كان ممكناً للقدّيس أمبروسيوس أن يغضّ الطرف عمّا فعله ثيودوسيوس لأنّه صديقه الحميم فلم يفعل. لماذا؟ لأنّ صديقك مَن صدقَك ولأنّ المحبّة في غير الحقّ محاباة. فمَن تودُّه تودّه للخلاص. في غير ذلك ودُّك تودّد!
    كان ممكناً للقدّيس أمبروسيوس أن يحسب حساباً للخطر الذي يحيق به ويتهدّد امتيازاته لدى الدولة من جرّاء تحدّيه الأمبراطور، باسم الله، على النحو الذي أتاه، فلم يفعل. لماذا؟ لأنّه رجلُ الله، وعلامة رجل الله الفارقة أنّه لا يحسب، بإزاء رضى ربّه، حساباً لشيء ولا نفسُه ثمينة عنده.
    كان ممكناً للقدّيس أمبروسيوس أن يأخذ في الاعتبار أنّ الكنيسة معرّضة للخطر في حال رغب الأمبراطور في الانتقام لكرامته الجريح: الشعب، الكنائس، وحتى الإيمان القويم عينه لأنّ الآريوسية كانت، بالكاد، قد انطفأت في ذلك الحين وكان لا يزال بعض الجمر تحت الرماد. لكنَّ أمبروسيوس الموقّر لم يُعِرْ شيئاً من هذه المخاوف اهتماماً. لماذا؟ لأنّ الكنيسة لا تنحفظ بامتيازاتها، في هذا الدهر، ولا باجتنابها الاضطهاد في كل حال بل بصون أئمّتها الحقّ فيها. ليست الشهادةُ للحقّ رهناً بالظروف. الظروف دائماً ما تكون معاكسة والحقّ مصلوب أبداً. لذا كل ساعة للحقّ! ولا ساعة متروكة، في الكنيسة، للباطل!

    ماذا كان حصل لو لم يُشهِر القدّيسُ أمبروسيوس سيفَ حقّ الله في وجه الأمبراطور ثيودوسيوس؟
    · لكان نصيب ثيودوسيوس، في أغلب الظنّ، الهلاك! ولطولِبَ خدّام الله لأنّه قيل: "إذا قلتُ للشرّير موتاً تموت وما أنذرتَه أنتَ ولا تكلّمتَ إنذاراً للشرّير من طريقه الرديئة لإحيائه فذلك الشرّير يموت بإثمه أمّا دمُه فمن يدك أَطلبُه" (حز 3: 18).
    · لبات تعدّي الوصيّة الإلهية، في الأذهان، بالأكثر، أمراً مطبّعاً، لا سيما بين عليّة القوم والقيّمين على شؤون الكنيسة.
    · لأَخَذَ العامة يحتقرون أو يقتدون بمَن يُشرفون عليهم في مفاسدهم.
    · لأَخَذَ الإحساس بخوف الله، في النفوس، يموت.
    · لترسّخ تعاطي الكنيسة كمؤسّسة من مؤسّسات هذا الدهر.
    · لتكرّس استعبادُ رجال الكنيسة لمخاوفهم وأهوائهم في تعاطي كل شأن.
    ماذا جَنَت الكنيسةُ من تصدّي رجل الله أمبروسيوس للأمبراطور ثيودوسيوس؟
    · صار هناك للأساقفة والخدّام في الكنيسة والشعب المؤمن بعامة مقياسٌ وقدوةٌ يقيسون عليها في مواجهة القوى المضادة للمسيح في هذا الدهر.
    · أضحت مخافة الله حيّة في النفوس المؤمنة.
    · صار هناك مثالٌ لإرهاب المخالفين وردعهم.
    · أضحت طاعة الله، بين الناس، في الممارسة، فوق كل اعتبار.
    يبقى أنّ الناس للناس إيقونات إلهية والشيوخ في الروح للأطفال. ويل لنا إذا لم يَعُدِ الله يتراءى للأبناء في إيقونات آبائهم، إذاً لانتفى تجسّد ابنِ الله بينهم واستحال كلامُ الله، في الأذهان، لغواً والأبناءُ يتامى. هذه، لعمري، أقسى التجارب!
    "لما رأى [يسوع] الجموع تحنّن عليهم إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها. حينئذ قال لتلاميذه الحصاد كثير ولكنّ الفعلة قليلون. فاطلبوا من ربّ الحصاد أن يُرسل فعلة إلى حصاده" (مت 9: 36 – 38).


    الأرشمندريت توما (بيطار)
    رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
    [/FRAME]

    †††التوقيع†††

    †††
    It is truly right to bless you
    O Theotokos

    دير القديس سمعان بطرس
    مركز "العذراء أم الرحمة"

المواضيع المتشابهه

  1. دروس جميلة من المشاهير
    بواسطة Georgette Serhan في المنتدى الثقافة والمعلومات العامة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2010-07-03, 11:04 PM
  2. دروس للحياة للقديس إفرام السرياني
    بواسطة شيم في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2010-02-01, 07:55 AM
  3. هل يجوز تنبيه رجال الكهنوت الى وقوعهم في خطأ؟
    بواسطة سلامه العابودي في المنتدى أسئلة حول الإيمان المسيحي
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 2008-04-14, 09:12 PM
  4. يا رجال العالم إتحدوا
    بواسطة Allos في المنتدى الترفيه
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 2007-10-20, 09:28 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •