أيقونة



سامر عوض


صعب على الإنسان أن يكون أيقونة عصره, ولكن ليس بمستحيل. لأنه ليس بمستحيل على صاحب الإرادة فمن صمم على أن يكون قديساً فهذا باعث على أن يكون أيقونة الغد لتعلق على الجدران وتنضح بالأعاجيب والبخور وتؤدى أمامها الصلوات.


فكما أنه بالتجسد دخل الله الجنس البشري من بطن العذراء التي حبلت بالروح القدس كذلك قداسة المؤمن تأتي كتجديد للتجسد الإلهي بأن يولد الله في أحشاء كل منا أي في جوفنا وذلك بمباركة من الروح القدس علنا نصل إلى الله.

ولذلك فالمفهوم الأرثوذكسي للكنيسة لا يعرفها بأنها جماعة المؤمنين بل التائبين أي العائدين إلى الله لأن هذا هو سبيل وجودها على الأرض أن تستمر في السماء وكما أن الله في كل مكان كذلك القداسة هي في كل مكان فهي في أمريكا بروفائيل هواويني كما هي موجودة في الأردن بجراسيموس الأردني مثلاً.


فقد دعانا المسيح لكي نكون كاملين "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل" وهذا غير محصور لا في زمان ولا في مكان فالقديس يوحنا الدمشقي عاش في أرضنا منذ حوالي ثلاثة عشر قرناً. وكذلك القديس يوسف الدمشقي الذي عاش منذ ثلاثة عشر عقداً تقريباً ولكن إن حصرت القداسة فتنحصر بمن ارتضى أن يتضع ,نخصها بالله وهنا يسترعي انتباهي الفيلسوف توما الإكويني حينما يقول أن الله الذي خلقنا بدوننا لا يستطيع أن يساعدنا بدوننا فغاية وجودنا الحسي على هذه الأرض يحققها, أما غاية حياتنا في السماء كقديسين نوجدها نحن بإرادتنا وطبعاً بمؤازرة الله لنا فبغية الصديقين تعطى لهم فماذا إن كانت الحياة مع الله..., فغاية الحياة هي التأله فكما صار الله بيسوع إنساناً عليَّ أن أصبح بإرادتي إلهاً وأمام هذا فغاية الحياة هي التقديس أي التأله هذه الموهبة التي خصنا الله بها كبشر وسائلها العقل والإرادة وقبل كل شيء مساعدة الله لنا, التي تشمل كل البشر وتملئ كل مكان وصقع وواد.


فلذلك غاية الأيقونة ليس تصوير القديسين بل إظهارهم بالمشهد الذي تقدسوا به, أي تحولوا من الأرض إلى السماء ولذلك نراها تبين مشهداً الغاية منه الدعوة للتمثل وليس فقط للإمتثال أمامها. فسبب وجود الأيقونات هو القداسة إن كان بالقديسين, الصليب, الأنبياء, أو حتى بالحوادث الإنجيلية...


فبتجسد المسيح أخذ الله طبيعتنا البشرية وبالأيقونة يمتد هذا التجسد إلى الحاضر فالمستقبل, لأنه بلورة أو توضيح لما هو حاصل فالقداسة هي مفهوم الله عن البشر والأيقونة توضح لنا هذا المفهوم. أول أيقونة رسمت هي للعذراء مريم على يد الفنان والطبيب لوقا الإنجيلي وأما أول أيقونة مطبوعة فلم تكن في موسكو ولا في أثينا ولا حتى في باريس بل عندما قامت سيدة بمسح وجه المسيح بمنديل فانطبعت صورته عليه ويسمي التقليد الأيقونة, بالمنديل الشريف.


فكما أن الإنجيل كتاب بشارة بالكلمات كذلك الأيقونة وسيلة تعبير بالألوان, ولذلك فإنجيل القديسين أيقونتهم, لأنها بشارة من عاش في سبيل تحقيق صورة الله فيه التي تظهر في الأيقونة.


فالأيقونة لغةً هي الصورة أما اصطلاحاً فهي تصوير القداسة كحوادث أو أشخاص فتعود إلى تأسيس البشرية لأن الله هو أول من جبل أيقونة في التاريخ أي الإنسان, فيا أخي حري بنا أن نعرف أن الله لم يأتي إلينا كرد على السقوط فلو كان كذلك لكان أعادنا إلى ما كنا عليه بل أتى لنصبح مثله فقد أتى الله لأنه يحبنا فالله لم يعرَّف مسيحياً إلا بيوحنا الذي قال أن الله محبة أي أن الله كل شيء في المحبة فمكمن إنسانيتنا هو ألوهيتها كما أن مكمن الله محبته لنا.