شركاء الطبيعة الإلهية
الأسقف كاليستوس (تيموثي) وير
هدف الحياة المسيحية الذي وصفه سيرافيم على أنه اكتساب الروح القدس، يمكن تعريفه أيضاً بعبارة (التأليه) (Théosis). وقد صوَّر باسيليوس الكبير الإنسان على أنه مخلوق أُمر بأن يصبح إلهاً، أما أثناسيوس فقال بأن الله صار إنساناً لكي يصبح الإنسان إلهاً. (في ملكوتي، يقول المسيح، سأكون الله وأنتم آلهة معي) {الطروبارية الثالثة، الأودية الرابعة لقانون صلاة السحر يوم الخميس العظيم}. ذلك هو، وفقاً لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، الهدف النهائي الذي يجب أن يتطلع إليه كل مسيحي: أن يصبح إلهاً، أن يبلغ (التأليه). ففي مفهوم الأرثوذكسية، فداء الإنسان وخلاصه يعنيان (تأليه).
وراء عقيدة (التأليه) هذه تكمن فكرة الإنسان المخلوق على صورة الله الثالوث ومثاله. صلّى المسيح أثناء العشاء الأخير قائلاً: (ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا) (يو21:17). وكما أن أقانيم الثالوث الثلاثة (يقيمون) الواحد في الآخر، عبر حركة متواصلة من المحبة، هكذا الإنسان الذي جُعل على صورة الثالوث، مدعو (للإقامة) في الله الثالوث. المسيح صلّى من أجل أن نتمكن من مشاطرة حياة الثالوث، في حركة المحبة التي تسري بين الأقانيم الإلهية، صلّى من أجل أن (نُختطف) في الألوهة. والقديسون، كما يقول مكسيموس المعترف، هم أولئك الذي يعبِّرون في أنفسهم عن الثالوث القدوس. هذه الفكرة حول الاتحاد الشخصي والعضوي بين الله والإنسان، حول كون الله ساكناً فينا ونحن فيه، موضوع سائد في إنجيل يوحنا، وهو يظهر أيضاً مراراً في رسائل بولس الرسول الذي يتطلع إلى الحياة المسيحية على أنها، قبل كل شي، (حياة في المسيح). ونعثر على الفكرة عينها في النص الشهير لرسالة بطرس الثانية: (... قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية) (بطر 4:1). فالعقيدة الأرثوذكسية المتعلقة في (التأليه) ليست كما يظن البعض، غير مستندة على النصوص الكتابية، ولكنها ذات جذور كتابية راسخة ليس فقط في رسالة بطرس الرسول الثانية، بل كذلك عند القديس بولس وفي الإنجيل الرابع.
وحينما نذكر (التأليه) علينا أن نتذكر دائماً الفارق بين جوهر الله وقواته. فالاتحاد مع الله اتحاد مع القوات الإلهية وليس مع الجوهر الإلهي. والكنيسة الأرثوذكسية في مفهومها للاتحاد و (التأليه) ترفض كل شكل من أشكال الحلولية.
وثمة نقطة أخرى ترتبط بهذه ولها نفس أهميتها. الاتحاد الصوفي بين الله والإنسان هو اتحاد حقيقي، لكنه اتحاد لا يندمج فيه الخالق والمخلوق في كائن واحد. وعلى عكس الديانات الشرقية القديمة التي تعلِّم بأن الإنسان تمتصه الألوهة، فإن اللاهوت الصوفي الأرثوذكسي شدد دائماً على أن الإنسان، لا يفقد كيانه الشخصي مطلقاً مهما كان وثيق الصلة بالله. والإنسان، حين يتأله، يظلّ متميّزاً (وليس منفصلاً) عن الله. وسر الثالوث هو سر الوحدة في التعدّد، وأولئك الذين يعبِّرون في أنفسهم عن الثالوث، لا يضحّون بخصائصهم الشخصية. وحين كتب القديس مكسيموس المعترف: (إن الله وأولئك الذين هم جديرون به، لهم نفس القوة الواحدة) {P.G.Xci،1076c}، فإنه لم يعن بذلك أن القديسين يفقدون حرية الإرادة، ولكنه عنى أنهم، عندما يتألهون، فإنهم، بملء الحرية والمحبة يخضعون مشيئتهم لمشيئة الله. وكذلك لا يبتعد الإنسان (المتأله) عن كيانه البشري: (نظل من الخليقة مع كوننا أصبحنا آلهة بالنعمة، كما ظلّ المسيح إلهاً عندما أصبح إنساناً بالتجسد) {لوسكي، (مدخل إلى اللاهوت الصوفي للكنيسة الشرقية)، ص87}. فالإنسان لا يصبح إلهاً بالطبيعة بل (إله مخلوق)، إله بالنعمة.
و (التأليه) يخص الجسد أيضاً. وحيث أن الإنسان وحدة من جسد وروح، وحيث أن المسيح المتجسد أنقذ الإنسان بأكمله وخلّصه، فإن (جسد الإنسان يتأله في الوقت نفسه الذي تتأله فيه روحه) {مكسيموس المعترف، (الفصول المئة الغنوصية)، 2، 88}. ففي هذا (المثال) الإلهي الذي دُعي الإنسان إلى تحقيقه في ذاته، للجسد مكانه الخاص. كتب بولس الرسول: (إن جسدكم هو هيكل للروح القدس) (1كور 19:6)، (فأطلب إليكم، أيها الأخوة، برأفة الله أن تقدّموا أجسادكم ذبيحة حيّة مقدسة مرضية عند الله) (رو1:12). لكن التأليه الكامل للجسد لا يمكن بلوغه قبل اليوم الأخير، وحتى مجد القديسين في حياتنا الحاضرة ليس سوى بهاء داخلي، بهاء الروح وحدها. ولكن حين يقوم الصالحون من بين الأموات ويرتدون جسداً روحياً، فإن قداستهم ستظهر إذّاك للعيان. (في يوم القيامة، يأتي مجد الروح القدس من الداخل، مزيّناً ومغطّياً أجساد القديسين، ذلك المجد الذي كانوا يتمتعون به قبلاً كظل مختبئ في نفوسهم. وما يتمتع به الإنسان اليوم، سيظهر إذاك خارج جسده) {مواعظ مكاريوس، 5، 9. أن تجليّ هذا الجسد القائم هو الذي يحاول رسّام الأيقونات التعبير عنه رمزياً، فهو يحافظ إذاً على الملامح الأساسية والمميزة للقديس، لكنه يتجنب عن عمد تمثيل رسمه الحقيقي (الفوتوغرافي). فرسم البشر كما هم الآن، يوازي رسمهم في حالة السقوط، بأجسادهم (التي من لحم ودم) وليس بأجسادهم (السماوية)}. وسوف تتجلّى أجساد القديسين في ظاهرها بفعل النور الإلهي، كما تجلّى جسد المسيح على قمة ثابور. (ينبغي لنا أن نتطلع أيضاً إلى ربيع الجسد) {مينوسيوس فليكس (أواخر القرن الثاني)، اوكتافيوس، 34}.
لكنّ بعض القديسين اختبروا، في هذه الحياة، طلائع هذا المجد الجسدي المنظور. والقديس سيرافيم ساروفسكي، أشهر هؤلاء، ليس الوحيد الذي عاش هذه الخبرة. فتلامذة ارسانيوس الكبير، شاهدوه حين كان يصلّي (تماماً كأنه النار) {(أقوال آباء الصحراء)، ارسانيوس، 27}. ويُروى عن أحد آباء الصحراء: (كما أُعطي لموسى مسحة من صورة مجد آدم، حين هيأ محيّاه، كذلك وجه الأنبا بامبو كان يلمع كوميض البرق وكان كملك جالس على عرشه) {(أقوال آباء الصحراء)، بامبو، 12. قارن أيضاً مع سيسوه، 14 وسلفانوس، 12. ويروي ابيفانيوس في سيرته لحياة القديس سرجيوس، رئيس دير رادونيج، أن جسد القديس كان يلمع مجداً بعد وفاته. يُقال أحياناً أن التجليّ بالنور الإلهي يوازي، لدى القديسين الأرثوذكسيين، ظهور آثار آلام المسيح (stigmates) لدى بعض القديسين الغربيين. ولكن لا ينبغي اتخاذ مواقف نهائية بصدد هذه المقارنات، إذ نعثر في الغرب على بعض حالات التمجيد الجسدي، كما أن ظهور آثار آلام السيد معروف أيضاً في الشرق. وفي النص القبطي المتعلق بحياة القديس مكاريوس المصري، ورد أن شيروبيما ظهر عليه، وأخذ مقاس صدره، و (صلبه على الأرض)}. وقد قال غريغوريوس بالاماس: (إذا دُعي الجسد في الدهر الآتي لمشاطرة الروح غبطتها التي لا توصف، فمن المؤكد أن عليه قدر الإمكان أن ينال نصيبه منها منذ الآن) {توموس الجبل المقدس، P.G.CI، 1233 c}.
ومن هذا الاعتقاد بأن الجسد يتقدس ويتجلّى مع الروح، يشتق ذاك الاحترام الكبير الذي يكنّه الأرثوذكسيون لبقايا القديسين أو الذخائر. إنهم يؤمنون بأن نعمة الله، الحاضرة في أجساد القديسين خلال حياتهم، إنما تستمر في بقاياهم بعد وفاتهم، وأن الله يستعمل تلك الذخائر للتعبير عن قدرته الإلهية التي تجعل منها أدوات للشفاء. وثمة حالات نجد فيها أجساد القديسين وقد سلمت من الانحلال بشكل عجائبي. ولكن حتى لو لم يحدث هذا الأمر، فإن الأرثوذكسيين يبدون الإجلال عينه تجاه الرفات. ومرد هذا الاحترام لا يرجع للجهل أو التطيّر، لكنه ثمرة اللاهوت الرفيع المتعلق بالجسد.
وليس جسد الإنسان وحده هو الذي سوف يتجلّى بل الخليقة جمعاء: (ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا) (رؤيا1:21). والإنسان المخلَّص لا يُنتزع من بين سائر الخليقة، لكن الخليقة ينبغي لها أن تخلّص وتتجلى معه. (والأيقونات، كما رأينا، هي البوادر الأولى لفداء المادة هذا). (ذلك أن الخليقة المنتظرة تصبو إلى وحي أبناء الله... على أمل أن يتمّ إنقاذها هي الأخرى من عبودية الفساد، من أجل أن تلج إلى حرية مجد أبناء الله، لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله. فإننا نعلم أن كل الخليقة تئنّ وتتمخض معاً إلى الآن) (رو 19:8- 22). وفكرة هذا الفداء الكوني، مثل النظرة الأرثوذكسية حول جسد الإنسان والأيقونات، تستند إلى فهم صحيح لدور التجسد: المسيح اتخذ جسداً، وهو شيء يدخل في الميدان المادي، وبذلك جعل الفداء والتحول ممكنين لجميع الخليقة، ليس خليقة العالم الروحاني فقط بل العالم المادي أيضاً.
هذا الكلام المتعلق بالتأليه والاتحاد مع الله وتجلّي الجسد والكون وفدائهما، قد يبدو بعيداً جداً عن خبرة المسيحيين العاديين، لكنّ الأمر ليس على هذا النحو إلاّ إذا أسيء فهم المعنى الأرثوذكسي للتأليه. ومن أجل إبعاد أي تفسير خاطئ من هذا النوع، تقتضي الإشارة بنوع خاص لهذه النقاط الست:
أولاً، التأليه ليس مخصصاً لفئة معيّنة من الناس، بل هو متاح للجميع، وتعتبره الكنيسة الأرثوذكسية الهدف الطبيعي لكل مسيحي، بلا استثناء. وإذا كان من المؤكد أننا لن نتأله كلياً إلا في اليوم الأخير، فإن عملية التأليه، لكل منا، يجب أن تبدأ، هنا ومنذ الآن. وفي الحقيقة إن الذين يستطيعون بلوغ كمال الوحدة الصوفية مع الله هم في هذه الحياة قلائل. لكنّ كل مسيحي حقيقي يسعى لمحبة الله وحفظ وصاياه، والإنسان الذي يثابر على السير في هذا الطريق، مهما كان ضعيفاً في محاولاته، ومهما تعددت عثراته، لا بد وأن يكون قد أصابه بعض التأله.
ثانياً، كون الإنسان يتأله لا يعني أنه لم يعد يعاني الخطيئة. بل على العكس، التأليه يفترض دائماً التوبة المستمرة. فالقديس، مهما كان متقدماً في سلم القداسة، لا يتخلّى عن استعمال كلمات صلاة يسوع: (يا يسوع ابن الله ارحمني أنا الخاطئ). وكان الأب سلوان من رهبان جبل آثوس يقول: (احفظ فكرك في الجحيم ولا تيأس أبداً) {راجع: (الراهب سلوان والحرب اللامنظورة)، منشورات النور (الناشر)}. كذلك ردّد قديسون أرثوذكسيون آخرون: (كلهم سيخلصون، أنا وحدي سأهلك). ويولي المؤلفون الروحيون الشرقيون اهتماماً كبيراً لـ (عطية الدموع) {راجع: (سر عطية الدموع في الشرق المسيحي)، منشورات النور (الناشر)}. فاللاهوت الصوفي الأرثوذكسي لاهوت مجد وتجلٍ، كما هو لاهوت توبة.
ثالثاً، ليس من شيء سحري أو خارق للعادة في السبل التي ينبغي أن نسلكها من أجل أن نتأله. وإذا سأل سائل: (كيف لي أن أصبح إلهاً ؟)، سيكون الجواب بسيطاً جداً: (يجب أن تذهب إلى الكنيسة، أن تواظب على الأسرار بصورة منتظمة، أن تصلّي (بالروح والحق)، أن تطالع الأناجيل وأن تعمل بالوصايا). ويجب أن نتذكر دائماً أن (نعمل بالوصايا). فالأرثوذكسية، تماماً كما المسيحية الغربية، ترفض بحزم كل نوع من أنواع التصوّف الذي يسعى إلى التملص من القوانين الأخلاقية.
رابعاً، التأليه ليس عملية انزوائية، بل عملية (اجتماعية). رأينا أننا نصل إلى التأليه (بإتباع الوصايا) والمسيح لخّص لنا هذه الوصايا باثنتين هما محبة الله ومحبة القريب. هاتان الوصيّتان لا تنفصلان: فالإنسان لا يستطيع أن يحب قريبه محبته لنفسه ما لم يحب الله فوق الجميع، كما لا يستطيع الإنسان أن يحب الله ما لم يحب إخوته البشر (1يو 20:4). وهكذا فلا توجد أية أنانية في عملية التأليه، إذ يتأله الإنسان فقط إذا أحب قريبه. يقول أنطونيوس الكبير: (من قريبنا تأتي الحياة ومنه يأتي الموت. إذا حزنا على قلب قريبنا، حزنا على الله، وإذا كنّا سبباً في سقوط قريبنا، نكون قد أخطأنا بحق المسيح {(أقوال آباء الصحراء)، أنطونيوس، 9}. والإنسان الذي جُعل على (صورة) الثالوث، لا يستطيع تحقيق (المثال) الإلهي ما لم يعش حياة مشتركة شبيهة بحياة الثالوث القدوس: وكما أن الأقانيم الثلاثة (يقيم) واحدهم في الآخر، هكذا الإنسان ينبغي أن (يقيم) في البشر الآخرين، فلا يعيش لشخصه وحده، بل يعيش في الآخرين ومن أجلهم. يقول أحد آباء الصحراء: (لو قُيِّض لي أن أعثر على مجزوم أعطيه جسدي وآخذ جسده، لفعلت ذلك بفرح، لأن هذا هو الحب الكامل) {(أقوال آباء الصحراء)، اغاثو، 26}. يحدد هذا القول الطبيعة العميقة للتأليه.
خامساً، محبة الله ومحبة البشر ينبغي لها أن تكون (عملية)، فالأرثوذكسية ترفض جميع أشكال المحبة المجردة التي لا تترجم إلى عمل إيجابي. والتأليه، وإن كان يبلغ أعلى درجات التجربة الصوفية، فإن له جانباً واقعياً وملموساً. وحينما نفكر بالتأليه، لا بدّ أن نفكر (بالهادئين) المصلّين بصمت وسكون، وبوجه القديس سيرافيم المتجلي. ولكن ينبغي أيضاً ألا ننسى القديس باسيليوس الكبير وهو يُعنى بالمرضى في مستشفى القيصرية، أو القديس يوحنا الرحيم وهو يساعد الفقراء في الإسكندرية أو القديس سرجيوس في خرقه البالية وهو يعمل فلاحاً في الحديقة كي يستطيع سدّ حاجات ضيوف الدير. هذان النمطان من الحياة لا يتناقضان بل يتكاملان.
أخيراً، فإن التأليه يفترض حياة في الكنيسة، حياة في الأسرار المقدسة. والتأليه يفترض حياة الشركة على مثال الثالوث القدوس، ولا يمكن لهذه الحياة أن تتحقق فعلاً إلاّ في الكنيسة. فالكنيسة والأسرار هي الوسائل التي وضعها الله في متناول الإنسان كي يكتسب الروح المقدِّس ويتحوّل وفقاً للمثال الإلهي.
الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة
الفصل الثاني الله والإنسان

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
المفضلات