في تذوق الله * للقديس ذياذوخوس فوتيكي *
من كتاب القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي
مائة مقالة في المعرفة الروحية
تعريب دير مارجرجس - الحرف
2007
منشورات التراث الآبائي
ص 56
هكذا إن شـُغفنا بحرارة وفي أوائل تقدمنا بفضيلة اللـه فالروح القدس يـُذيق النفس حلاوة اللـه في شعور كلـّيّ بالملء ، هذا ليعرف الذهن معرفة صحيحة ما الثواب الذي سيكلل أتعاب القداسة ، ولكنه بعدئذٍ كثيرا ً ما يـُخفي عنـّا غنى هذه العطيّة المحيية لنحسَب أنفسَنا عدما ً خالصا ً حتى لو مارسنا بقية الفضائل كلها ، ذلك لأننا لم نحول المحبة المقدسة بعد إلى عادة .
إذ ذاك يمعن شيطان البغض في إزعاج نفوس المجاهدين ، إلى درجة ينسبون معها البغض - افتراءً - حتى إلى من يودونهم ، وكأنه بذلك يحمل قوة البغض القاتلة حتى إلى القبلة .
من ثم تزداد النفس ألما ً لأنها من جهة تحمل ذكر المحبة الروحية ، ولكنها من جهة أخرى لا تقدر أن تحوز الإحساس بها لعدم إتمامها أتعاب النسك الأكثر كمالا ً .
فيجب إذا ً- بانتظار حصول ذلك - غصب الذات على ممارسة تلك المحبة وصولا ً إلى تذوقها في شعور تام بالملء .
فما من أحد يمكنه أن يحوزها بالكمال مادام في هذا الجسد ، ماخلا القديسين الذين بلغوا إلى الاستشهاد و الاعتراف الكامل .
فمن حظي بهذا الامتياز يتغير كليا ً ولا يعود يشتهي بسهولة حتى الطعام . فالذي الحب الإلهي طعامه فماذا سيشتهي بعد من خيرات هذا العالم ؟
لذا فبولس الكثير الحكمة و خزانة المعرفة يبشرنا من ملئه بالنعيم المقبل - نعيم الأولين بين الأبرار – يقول :
(( ملكوت الله ليس طعاما وشرابا بل بر و سلام و فرح في الروح القدس )) ( رو 14 : 17 )
و هذه كلها ثمار المحبة الكاملة . هكذا يمكن للذين يرتقون إلى الكمال أن يذوقوها منذ الآن باستمرار و لكن ما من أحد يقدر أن يحرزها كاملة مالم يـُبتلع المائت كليا ً من الحياة (2كو 5 : 4 ) و انظر (1كو15 : 54 ) مستشهدا بأشعياء ( 25 :8 ) .
لقد روى لي أحد الذين يحبون الرب بعزم لا يشبع فقال :
بما أني كنت في توق ٍ إلى معرفة حب اللـه معرفة ً حقـّة ، وهبني إياها الصلاح الأسنى في شعور كبير بالملء . وقد أحسست بفعلها بقوة حتى أن نفسي كانت آنذاك في فرح و حب لايوصفان ، تلتهب اشتياقا إلى الخروج من الجسد و الذهاب إلى الرب وكأنها انقطعت عن معرفة هذه الحياة الزائلة .
و الذي خبر هذا الحب حتى لو شـُتم أو أسيء إليه بألف نوع من الإساءات لا يغضب على المسيء إليه ، فمثل هذه المحن قد تظل تصادف من يجب أن يدرب . أنه يبقى و كأنه ملتصق بنفس الذي شتمه أو حتى الذي أضر به ، لذا فهو لا يستشيط غضبا إلا على الذين يهاجمون المساكين أو - كما يقول الكتاب - يتكلمون على اللـه باستعلاء (مز 74 : 5 ) أو يعيشون أي نوع آخر من الإثم . لأن الذي بات يحب اللـه أكثر من ذاته - بل لا يعود بالحري يود ذاته بل الله وحده - هذا لا يعود يطالب بكرامته ، إنما يبتغي فقط تكريم بر اللـه الذي كرّمه كرامة أبدية . وهذا لا يبتغيه ابتغاء فاترا بل يحول استعداده هذا إلى عادة في خبرته العظيمة لمحبة اللـه ، بالإضافة إلى ذلك يجب أن نعرف أننا حين يدفعنا اللـه إلى تلك الدرجة من المحبة نرتقي إبان ذلك حتى فوق الإيمان ، لأننا أصبحنا نعانق بحس القلب و بحب جزيل من كنا نكرمه بالإيمان فقط .
هذا ما يشير إليه الرسول القديس بوضوح حين يقول :
(( أما الآن فيثبت الإيمان و الرجاء و المحبة هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبة )) (1كو 13 : 13 )
لأن من يعانق الله في غنى الحب - كما قلت - هذا يكون أعظم بكثير من إيمانه نفسه لأنه إنما هو بكليته في الشوق .