الكلمة التي ألقاها صاحب الغبطة البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم في دفن المثلث الرحمات سيادة المتروبوليت بولس (بندلي) راعي الأبرشية وذلك يوم الخميس الواقع فيه 5/6/2008


باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين.

أيها الأحباء، يختلط اليوم المعزّي والمعزّى، يختلطان بأن الذي نفقده اليوم كان مع المعزّي ومع المعزّى.
المطران بولس الذي عرفناه سنين طوالاً، عرفناه صغيراً، عرفناه أستاذاً، عرفناه إكليريكياً، عرفناه عضو مجمع مقدس، عرفناه مطراناً لأبرشية مهمة، عرفناه في هذه الأمور كلها وكنّا دائماً نلتفت الى بعض الأمور التي كان يتميز بها. أقول بعض، لأنه لا يمكن أن نحتضن كل الأمور التي كانت له، الصفات التي كانت عنده، أنا أذكره إنه عمل معي، عمل معي في بيروت، عمل معي في البلمند، عملنا معاً في مدارس الميناء نعاونها، وكان دائماً في غاية الصبر، المطران بولس كان شديد الصبر، كان كثير التحمل ما كان وقتاً من الأوقات يتذمر، والذي لا يتذمر هو إنسان في كل الأوقات يعبّر عن الشكر لك، أما المتذمر الدائم فكأنه لا يرى بماذا يشكر الله عزّ وجل. كان هذا الإنسان يشكر الله، كان هذا الإنسان متواضعاً أيضاً، أقول متواضعاً ليس تمثيلياً ولكنه كان متواضعاً بالفعل تكاد لا تسمع صوته عندما يتكلم وخصوصاً لا يمكنك لأن تشعر ذرة واحدة أنه كان يحمل لك شيئاً من العنف في كلماته أو في أقواله أو في وجهه أو في طريقة تحدثه إليك. المطران الذي نحن الآن أمامه وهو أمامنا والذي رحمه الله صار عند ربّه. كان متواضعاً لا قوة عنده عنيفة، لا كلمة عنيفة، لا تصرف عنيف، كان يعرف أن يكون إنساناً مع كل إنسان.
أيها الأحباء،
أذكر مرة كان عليّ أن أصف من مواهبه فقلت يمكنني أن أختصر هذا الشيء بكلمة قصيرة جداً، بينما كان المطران بولس، ذات إتصال كثير وكبير مع كثير من الناس، مع الأبرشية، مع الناس الذين يجتمع معهم، مع الطلاب، مع الأقرباء الى آخره. كان يتصل مع الجميع لم يكن يحاول أن يختلق عدواً إنسانياً على الإطلاق، كثير من الناس حتى عندما يشكرون يقولون ذلك بلغة عنيفة هجومية قوية تريد الآخر أن يسكت، تريده أن يزول، تريده أن يبتعد... لم يكن المطران بولس كذلك، كان كل الناس الذي يتفق معه أو لا يتفق معه، كان يحدثه ويسمع حديثه. مرّات عديدة كان البعض يظن أنه ضعيف، وما كان أقواه، ما كان أقواه، مشهور رحمه الله، مشهور بأنه بالحق قويٌ قويٌ قوي، لم يكن يساوم على حق، ولا يتهرب من المسؤولية على الإطلاق، مسؤول هو في أبرشيته يلتزمها في كل الأحوال مع كل الظروف. كان هنا مزوِّجاً نفسه جسدياً وروحياً بأبرشيته. ما أصدقه، ما أصدق المطران بولس، ما أصدقه، ما كان ممثلاً في أي شيء.
أيها الأحباء،
المطران بولس هو قدوة لنا، قدوة لنا في كثير من الأشياء، أحفظه كيف يكون في المجمع، عنده رأي، نعم عنده رأي، يتمسك به، لا تتصوروا إنه إذا تمسك فإنه يتمسك برخاء ليس هذا صحيحاً. إنما إذا تمسك بحق بقي عليه في كل حال دون أن يتوصل الى شتم أحد أو أن يبالغ في الصراخ بأحد وما الى ذلك. كان يحافظ على الأخوّة وعلى الإحترام للأخوّة وهي أخوّة تحتضنه هو لأنه هو أيضاً مسؤول بالطريقة ذاتها، وكان يقدّس الأخوّة ولو خالف الرأي. ما كان أحبّه، ما كان أحبّه. أنا أعرفه طفلاً في الميناء، أنا أعرفه وأعرف العائلة، أنا أعرف كيف كان أيها الأحباء. طلبت منه أن يدير إحدى المدارس عندي. منطق الناس منطقنا أنه عندما تتعامل مع ناس في المدرسة، المدرسة أولاً والشخص الآتي، التلميذ ثانياً. كان عنده منطق مقلوب، كان أولاً الولد، أهل الولد، أولاً عائلة الولد، هل هو قادر، هو غير قادر، يمكنه أن يستمر بالتعلم أو لا... هذا أولاً وبعدئذ على الإدارة أن تفكر كيف يمكنها أن تتعامل مع منطق كهذا. ولم أتوصل يوماً ما الى جعله يتغير هذا المنطق، الإنسان أولاً. نحن نقول أن الله أرسل ابنه الوحيد ليكون كفارة عن كل إنسان، بينما نعامل الإنسان كأن الله لا يحبه وكأن الله يمكنك أن تجعله يبتعد عن خليقته وينسى خليقته ولا يحترم خليقته. خطأ، هذا خطأ، كيف تحب الله وتكره الذين خلقهم، كيف؟ ظروف كثيرة مرّت منّا وكنت دائماً اتذكر هذا، كم مرّة نذكر اسم الله، وعندما نلتفت يميناً أو شمالاٍ الى إنسان خلقه الله تنقلب سنحتنا وينقلب وجهنا وتتغيّر لهجتنا ونحاول أن ننتقم تقريباً من الله في أبنائه، هل نحن اليوم هنا هكذا. أذكر أيضاً أيها الأحبة بهذه المناسبة، كيف أن المسيحيين الأول في الهنيهات الأولى من وجودهم، لا كانت هنالك هوية، ولا كانت هنالك كتب، ولا كان هنالك عدد، ولكن قال بعض غير المسيحيين فيهم هؤلاء فئة من نوع غريب، النوع الغريب هذا إنهم يحبون بعضهم، أتمنى لو كان بعض هؤلاء هنا هذه الأيام لكان اعتقد بالتغيّر وبالانطواء خلال التاريخ كان يقول الواحد يحب الآخر وبعدئذ كان يقول جماعة تعتقد بأن هنالك من انتصر على الموت. كيف ينتصر الإنسان على الموت؟ ينتصر بالحياة. وأين مصدر الحياة؟ مصدر واحد الذي قال: "أنا هو الطرق والحياة"، هذا هو الطريق الذي فتحه لكل إنسان على وجه الأرض.
أيها الأحباء، نشكركم جميعاً، أشكركم باسم إخوتي هؤلاء الذين كلهم إخوة لهذا الراقد، أشكركم جداً لمشاركتكم إيانا بهذه الصلاة.
أشكر فخامة الرئيس، ودولة رئيس الحكومة، وكذلك رئيس مجلس النواب الذين تفضّلوا بأن أرسلوا ممثلين لهم الى هذا المكان في هذا الوقت. أشكر إخوتنا وأشدد على كلمة إخوتنا في الكنائس الأخرى. نحن لا نرضى أن يكون باسم الكنائس أن يقاتل واحدٌ واحداً، هذا غير مقبول ولم نرضه على الإطلاق ولن نرضاه.
ايها الأحباء، نشكر أبناءنا وأحباءنا الذين
هم اسرتنا من أين كانوا، من أي دين كانوا، من أي عقيدة كانوا، أشكركم جداً جداً، لولاهم من كان يصلي معنا عندما نقول فليكن ذكره مؤبداً، من كان يرددها معنا.
أيها الأحباء،
الذي نفقده المطران بولس، مطران نتمثّل به، وسنبقى سنين طويلة ونحن نذكره. وأسأل لأبرشية عكار، أسأل لها التوفيق الذي أراده الله لها عندما انتخب لها المطران بولس بندلي. عسى أن نرى هذه الأبرشية يمكنها أن تقوم بافضل ما يمكن لخدمة هذا البلد، لخدمة كل واحد في هذا البلد. البلد ليس التراب وليس الحيطان، البلد هو كل واحد خلق وبقي على هذه الأرض، هذا هو البلد ويجب أن يحترم ككائن مقدّس. خلق الله الإنسان على صورته ومثاله لا ننسينّا هذا.
أيها الحزانى لا تحزنوا، أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضاً. لنصلّ من أجل راحة نفس أخينا المطران بولس. الله يعرف أن يريح خلائقه أكثر منّا بكثير، وهو ينتقل عنّا على رجاء القيامة والحياة الأبدية وهذا ما دفعنا أن تسمعوا اليوم تهاليل القيامة في هذه المناسبة. بارككم الله وحفظكم يا أحباء، إنشاء الله دائماً بالخير.