شفاء المشاعر الجريحة
تأليف: دافيد سيماندز
تلخيص: الأرشمندريت اليان صنيج



هذا الكتاب ينطلق من علم النفس الرّعوي، كاتبه طبيب نفساني وراعي كنيسة يخدم النفوس ويرعاها، يعالج هذا الكتاب بعض أزمات الحزن والانقباض والضعف التي قد تتواجد في حياة بعض المؤمنين المسيحيين، والتي تعود إلى ماض أليم تتردد ذكرياته في حياتهم فتؤثر سلباً في تصرفاتهم. وقد قدم الكتاب أمثلة حية عن أناس عانوا من مشاعرهم الجريحة المتعلقة بذكريات الطفولة ونالوا الشفاء بالكلمة الإلهية من الإعاقات النفسية وذكريات الماضي المؤلمة، وهو نتيجة خبرة طويلة في الوعظ والإرشاد. قُسم الكتاب إلى فصول ذات فائدة في رسم طرق الله في إصلاح العواطف المهمشة ومعالجة العوائق النفسية بحيث يتحول المؤمنون من مرضى إلى مُسعفين مُعافين.
وقد تحدث الكاتب عن المشاعر المجروحة، وأكثرها انتشاراً هو الشعور العميق بانعدام القيمة ويتضمن إحساساً دائماً بالقلق وعدم الكفاءة الذاتيّة. ووجود عقدة نقص أي هاجساً داخلياً مزعجاً يقول: "لست صالحاً، ولن أبلغ أي غاية، لا أحد يُعقل أن يحبّني، فكل ما أفعله خطأ".
وثمة عاهة نفسيّة أخرى سماها هوس الكمال وهي الشعور الداخلي القائل: " لن أنجز شيئاً البتة، فأنا لست أعمل شيئاً بكفاءة مرضية، ولن أرضي نفسي ولا الآخرين ولا الله".
وهناك نوع آخر من المشاعر الجريحة ندعوها الحساسيّة المفرطة، والأشخاص المفرطو الحساسية يحتاجون إلى الكثير من رضى الآخرين وموافقتهم.
وهناك فئة من الناس تساورها المخاوف، وربما كان أعظمها الخوف من الفشل.
والمبادىء العامّة التي يجب إتباعها لبلوغ الشفاء من المشاعر المجروحة هي:
1. واجه مشكلتك بكل ثبات.
2. تحمل مسؤوليتك من المشكلة.
3. اسأل نفسك،هل تريد أن تبرأ.
4. سامح كل من كان له دور في مشكلتك.
5. سامح نفسك
اطلب أن يريك الروح القدس مشكلتك الحقيقية، وكيف يجب أن تصلي لأجلها.
ثم تحدث عن عقدة الذنب والنعمة واستيفاء الديون وقال إن سببَي المشكلة النفسية هما: الإخفاق في قبول الغفران، والإخفاق في إبداء المغفرة.
ومواجهة الديون تكون بتحرير الآخرين وإطلاق حركة النعمة والمحبّة، لأن سيّدنا حرّرنا بتمزيق قائمة الحساب التي جاوز ما فيها من دين قدرتنا على الإيفاء.
وتحدث عن الشافي المجروح الذي يفهم ضعفاتنا ويشعر بها ويعلم العاهات والضعفات والعوائق النفسية والصراعات الداخليّة، والألم الناتج عنها، وهو يشارك في جميع مشاعرنا لأنه اجتازها من قبل.
وحقيقة كون الله أنه لا يعرف ويهتم فقط، بل يعلم ويفهم تماماً هي أكبر علاج لشفاء نفسيتنا المجروحة.
ثم تحدث عن سلاح إبليس النفسي السيكولوجي الذي يستخدمه بأربعة طرق يهدف منها إلى إنزال الهزيمة بك، وإسقاطك وتكدير حياتك:
1. تقليل قيمة الذات يشُل قوتك الكامنة.
2. تقليل قيمة الذات يبدد أحلامك.
3. تقليل قيمة الذات يحطم علاقاتك.
4. تقليل قيمة الذات يُخرب خدمتك المسيحية.
إن تقليل قيمة الذات يستخدمه إبليس ضدك ويجبرك على البقاء حائماً في دوامات الخوف وعدم النفع.
وثمة خطوات عمليّة نستطيع القيام بها للشفاء من إقلال قيمة الذات هي:
أولاً: صحح نظرتك اللاهوتية الخاطئة لأن تحقير الذات ليس من التواضع المسيحي، بل هو مناقض لبعض التعاليم الأساسية في الإيمان المسيحيّ.
ثانياً: حدد قيمتك الذاتية من وجهة نظر الله.
ثالثاً: كن متعاوناً مع الروح القدس.
ثم تحدث عن هوس الكمال وقال إنه وجهٌ مزيف للكمال المسيحي أو القداسة والتقديس.
ومن أعراضه:
1. كابوس الواجبات، فالمبتلي بهوس الكمال يلوم نفسه دائماً.
2. انتقاص الذات.
3. القلق.
4. التزمّت.
5. الغضب.
6. الإنكار.
والشفاء من هوس الكمال يجري يوماً بعد يوم في حياة الإيمان المؤسسة على إدراك علاقة النعمة بالآب السماوي المحب الحنون.
والشفاء هو عملية مستمرة ونمو في النعمة و إعادة للبرمجة وعلاج للحياة في جميع مستوياتها. فأنت بحاجة إلى شفاء عقلك بمفاهيمه المشوهة، وعواطفك بمشاعرها الجريحة، وتحتاج إلى شفاء داخلي عميق من وطأة ذكرياتك بحيث تمحو شريط الصور الهدام الذي يدور ويدور معترضاً سبيل نمط حياتك ويحتاج المهووس بالكمال لأن يتعلم كيف يعيش حقيقة في المسيح، ولا حاجة له أن يقارن نفسه بأحد، فهو يشاء أن يشفيك أنت ويغيرك أنت، بحيث يتاح لحياتك الواقعية أن تنمو لتصير ذلك الشخص الذي قصد لك أن تكونه.
ثم تطرق إلى موضوع الاكتئاب الذي هو اختبار شائع بين المؤمنين المسيحيين، وعلى المرء أن يعترف بوجود الاكتئاب قبل البدء بمعالجته. والأشخاص المفرطو الحساسية والإنطوائيون يعانون أشد حالات الاكتئاب لذلك يدعوهم الكاتب إلى قبول هويتهم الشخصية، والاعتراف بمزاجهم الشخصي، فيتوقفون عن محاربة مزاجهم كأنه عدّو لهم ويتقبلونه كعطية من الله.
وللتغلب على الاكتئاب يجب عليك قبول نفسك كما أنت، وفيما لا تستطيع تغيير مزاجك باستطاعتك أن تضعه تحت سيطرة الروح القدس، وكثيرون من المسيحيين يهملون الناحية الصحية من حياتهم باستمرار، ثم يتساءلون عن سبب إكتئابهم.
ويرى الكاتب أن هنالك ثلاثة انفعالات تؤدي إلى الاكتئاب وهي:
التردد -الغضب- الشعور بالإجحاف أو بالظلم، وإذا لم تتعلم كيف تعالج بصدق جذور الغضب وتواجه استياءك وتغفر، ستعيش وكأنك في إحدى المزارع المحمية التي فيها يجد الاكتئاب مكاناً صالحاً للازدهار.
ومن الاقتراحات المفيدة جداً:
1. تجنب الوحدة.
2. اطلب مساعدة الآخرين.
3. رنم واستخدم الموسيقى.
4. سبح واشكر.
5. ليكن اتكالك وطيداً على قوة كلمة الله.
6. استرح بثقة في حضرة الله وانقش كلمات الرب يسوع في ذهنك بحيث تصبح جزءاً منك فتعرف أنه معك في أثناء اكتئابك الشديد مهما كان شعورك.
ويتحدث أخيراً عن مرحلة هامة من عملية الشفاء لأنها تظهر قوة الله الشافية في انتصارها الأعظم، وذلك في قدرته على تحويل الآلام البشرية لخيرنا نحن ولمجده تعالى.
لأن الروح القدس يعرف كيف يؤلف بين قلوبنا وقلب الله ، وهو يشفع فينا حسب مشيئة الله. ففي أغوار النفس العميق مخزن الذكريات العظيم حيث دُفنت في الأعماق جراحنا وأوجاعنا. في هذا الموضع يحدث الشفاء بعمل الروح القدس فالمعزي لا يأتي من خارج ليساندك، بل إنه يسكن في داخلك ليساعدك ويحولك إلى وسيلة نافعة للآخرين كمسعف معافى.
وهكذا استطاع هذا المرشد والراعي إدخال مرضاهُ إلى عالم ضعفاته ومشاعره الجريحة وجهاده النفسيّ وكيف أعانه الروح القدس فيها، ومرة تلو الأخرى كان له دور في هذا الشفاء الجذريّ عندما يحول الله المضار والآلام والضعفات الشخصية فيستخدمها لخير شخص آخر ولمجده تعالى، وما اختبره في حياته الشخصية شاهده يحدث في حياة الكثيرين وهو مؤمن أنه ممكن الحدوث في حياتنا أيضاّ.
وهكذا مزج تعليم الكتاب المقدس الصافي بعلم النفس السليم والنظرة العلمية الصائبة حيث يتحدث عن الغضب والشعور بالذنب والاكتئاب وعقدة النقص الذاتي وهوس الكمال، ثم ينتقل بنا إلى صميم الألم العاطفيّ الذي ينتابنا فيرشدنا كي نفوز بالتحرّر الدّائم من الاضطراب الداخلي والمشاعر الجريحة، ولم يستخدم الكاتب اللغة الاصطلاحية المربكة والأسلوب المعقّد بل كتب بعطف ولطف وتفهم، وقد زين صفحات الكتاب بالنوادر الواقعيّة الشيقة وجاء شيقاً غنيّ المضمون وقد أعان الكثير من المؤمنين وساعدهم على الشفاء.
النشرة العدد الثالث 2008