"يا جاهل"! بهذه الكلمة عبرَّ يسوع عمن أراد أن "يغتني لنفسه وليس بالله"[28]. لقد أخطأ آدم الخيار بين طريقتين في الحياة، فصار جاهلاً! ولما تمادى في الخضوع للحسيّات جعلت هذه الأخيرة ذهنه أكثر ظلاماً و"غباوة". لذلك يقول الراهب بيمين: "لولا أن نبوزردان رئيس طباخي البابليين لم يذهب إلى أورشليم لما احترق المعبد"، مشيراً بذلك إلى مدى تأثير التهافت لإشباع لذة الجوف على الصفاء الروحي والحرية الداخلية: "هكذا الإنسان لا يحترق إذا لم تسيطر عليه شهوة الطعام". ويتكلم الأدب الرهباني عن حالات دقيقة جداً ومرهفة. لقد زار أحد الرهبان مرة الأب أشعياء في زمن صيام فقدّم له هذا الأب قليلاً من العدس. ولما ذاق الراهب الطعام قال للأب أشعياء: كان يحتاج لبعض السلق أيضاً". فأجابه الأب: اشكر الله يا بني أننا قدمنا لك اليوم مائدة فصحية، هذا يكفينا. نعم يدقق النسك الرهباني على وجود هذا الهوى حتى في حالات كهذه. الصوم يعني التخلي عن "الشهوة" وليس عن الطعام بحدّ ذاته، وإن كانت تلك الشهوة لا تغادرنا قبل أن نتجرّد عن الأطعمة نوعاً وكمّاً. ولكن ترك الأطعمة والمحافظة على شهوتها هو صيام ناقص، أو غير ناضج تماماً.
ويروى أن أباً راهباً اصطحب في الصيام معه تلميذه إلى عيد دير مجاور؛ وكانت العادة في الأعياد أن يمدّ الرهبان مائدة الطعام مباشرة بعد القداس الاحتفالي أي عند الظهيرة. وهذا ما حصل تماماً. لكن التلميذ تردّد في تناول الطعام لأن صومهم كان يستّمر بالعادة حتى الغروب كما في الأديار. ولهذا قرر أن يتناول من المائدة فقط في حال أن معلمه الأب يتناول منها. وبالطبع جلس الجميع والأب معهم إلى المائدة وتناولوا طعام العيد، ومثلهم صنع هذا الراهب التلميذ. ثم في طريق العودة مع معلمه بلغا إلى عين ماء، وكان العطش قد أضناه، فاستأذن التلميذُ من معلمه أن ينتظره حتى يشرب، فقال له المعلم: ألسنا في صيام؟ قال التلميذ، لقد تناولنا ظهراً الطعام! أجاب الأب: نعم يا بني هناك كسرنا صومنا من أجل المحبة، ولكن هنا أنت تحلُّه من أجل الشهوة!
أول دور للصيام هو تحويل الذهن من العالم إلى الله[29]، وهذا ليس بالضرورة عن طريق ترك العالم، إلاّ تدبيرياً حين يتحتّم ذلك. لذلك يعترف الأدب الرهباني أن الراهب لا يحرق عشقه ولكنه يحوَّله "فيستبدل عشقاً بعشق". بالصوم يعرف الإنسان الشهوة الحقيقية- العشق الإلهي. الصوم يُصلح "التهذيب" و"الذوق". لقد كان السقوط انحرافاً في الذوق ويأتي الصوم ليُصلح هذا الذوق البشري المخدوع. بالصوم يؤكد الإنسان لذاته أنه "لا يحيا بالخبز وحده بل بالأحرى على كل كلمة تخرج من فم الله". يكّون الصوم هذه الحكمة. ولا تأتي حكمة كهذه دون تعاطٍ مع العالم كهذا. إن صوم الجسد يشدّد الذهن[30]، إن الصوم يحرّر الإنسان من الجهل ويخلق فيه "النبوّة"[31].
يحدّد لنا الصوم "خبزنا الجوهري" ويرتب أولويات اهتماماتنا وحدود كل اهتمام منها ومساحته في زمن حياتنا. لهذا بالصوم رتبَّت الكنيسة أن يزداد تواتر المؤمنين على الكأس المقدسة وأدخلت "قداس السابق تقديسه".

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات