الحياة الزوجية
الأب د. بطرس بطرس
تم تسجيل لدى محكمة البداية الروحية الأرثوذكسية بدمشق خلال عام 2007، /99/ دعوى منها /63/ دعوى تقوم على طلب فسخ زواج أو طلاق، والدعاوي المنظورة حالياً أمام المحكمة هي /120/ دعوى.
وقد تمَّ البت بـ /50/ دعوى خلال عام 2007 منها: /5/ دعاوي تثبيت زواج ونسب، /3/ دعاوي إكساء أحكام مدنية، دعوى واحدة تسليم محضون، /9/ دعاوي ردّ الدعوى، /4/ دعاوي هجر، /10/ دعاوي نفقة وتعويض، /8/ دعاوي فسخ زواج، /5/ دعاوي إبطال زواج، دعوى واحدة طلاق لعلة الزنى. وتم شطب /4/ دعاوي، كذلك تمت مصالحة /28/ دعوى وذلك بالقيام ببذل مساعي المصالحة بين الطرفين المتدايمين والعودة إلى الحياة المشتركة. إن الدعاوي التي تتوفق فيها المحكمة بمصالحة الطرفين تبتهج القلوب لأن الزوجين الصالحين يتساعدان في شؤون الحياة وإنجاب نسلاً صالحاً يكون دعامة كبرى في بناء الكنيسة والوطن.
المرأة الصالحة هي التي تتعاون مع زوجها وتساعده في شؤون الحياة، أما السير وراء العادات الفاسدة والابتعاد عن تعاليم الكنيسة في سرّ الزواج فقد أضلّ الكثيرين وحادوا عن السبيل القويم وصاروا يسيرون على أهوائهم وغرائزهم إذ أضاعوا المصباح الذي ينير لهم الدرب وأصبحوا لا يدرون إلى أين يسيرون.
المطلوب من الذين يريدون الزواج من شبان وفتيات أن يفتشوا عن فارس أحلامهم ويروا فيه الدين والخلق الحسن قبل المال والجاه، وكم من غنيٍّ موسرٍ يتمتع بأخلاق شرسة ويشقي زوجته ويسومها أقصى أنواع العذاب وكأنها تعيش في جحيم، لا يمضي على زواجها فترة إلا وتأتي إلى المحاكم اتطلب فسخ زواجها أو إبطاله. وكم من أشخاص متدينين فقراء يُسعِدون زوجاتهم أو زوجات يسعدن أزواجهن ويعيشون وكأنهم في جنة ونعيم. كم من غنيٍّ تزوج بأبهى الحلل وزيَّن الكنيسة بأجمل زينةٍ ولكنه بعد فترة إذ هو أفقر البشر وكم من فقير تزوج بالتواضع والبساطة ولكنه تزوج بخوف الله وبالإيمان والمحبة أصبح بعد فترة من كبار الأغنياء. أجل إن المال والجاه والغنى، الذي يتراكض نحوها الكثيرون هي مظاهر لا تعطي بالنهاية إلا فشلاً في الحياة الزوجية.
أما الإيمان والخلق الحسن والسيرة الحميدة فهي تبقى وتعطي السعادة والطمأنينة والعيش الرغيد.
الزواج السعيد هو أن يحمل العروسان اسم المسيح في حياتهما ويكون مطبوعاً على قلبيهما ويحافظان على الأمانة له ويكرمان اسمه في سلوكهما.
إن الخاتم الذي يلبسه العروسان هو علامة الحصول على الكرامة أثناء الاحتفال بسرّ الزواج ولنا شاهد في الكتاب المقدس بالابن الضال الذي لما رجع إلى أبيه وضع الأب خاتماً في يديه دلالة على الكرامة والمنزلة. الخاتم هو عبارة عن ختم الروح القدس الذي يضعه علينا الرب كي نحمل اسمه بالحق.
عندما أعلنت رفقة رضاها بأن تكون عروساً لاسحق ألبسها مُرْسَل أبيه إبراهيم اليعازر الدمشقي الخاتم لتتم مراسيم خطبتها من أجل إحضارها إلى عريسها وإن قبل الخطبة فبقلب صاف ونية حسنة تؤهلان للحصول على مواهب ونعم المسيح ويقول الكتاب المقدس: "اسمعي يا بنت وانظري وأميلي أدنك وأنسي شعبك وبيت أبيك فيشتهي الملك حسنك لأنه سيدك".
إن واجبات الرجل تجاه عروسه وزوجته أن يحبها كما يحب جسده وواجبات المرأة أن تكرّم زوجها وتهابه (أفسس 33:5). لا شك أن الزواج سرٌّ مقدس ولكن عواطف هذا العمر ومغريات العالم والبعد عن الإيمان وتعاليم الكنيسة كل هذه الأشياء تحاول أن تهدم هذا السرّ المقدس والمكرّم.ويلاحظ من خلال العمل في المحاكم الروحية أن الكثيرين لا يفقهون من عظمة هذا السر سوى الصور والفيديو والزينة والملابس بينما الزواج هو جهادٌ روحي وسرٌّ مقدس تسلمته الكنيسة من الله تعالى. إنه وكما يقول بولس الرسول "إن هذا السرّ لعظيمٌ هو".
في أيامنا هذه يتحدث اثنان في سرّ الزواج دون هدفٍ منشود، يسمع الكثيرين يقولون: "تزوجت كي أعيش حياتي" أو يقولون "تزوجنا ليس لكي نحبس أنفسنا داخل أربعة جدران"، يتزوج الكثيرون زواج "الخطيفة"دون سابق تفاهم ودراسة لبعضهم البعض وتكون النتيجة كما نراها مأساوية إذ يطلبون بعد فترة الانفصال لأنهم لا يستطيعون العيش معاً وإن عاشوا فيعيشون بالشجار والخصومات والنزاعات لا تجمعهم محبة ولا يوحدهم هدف.
إن أهم أسباب الفشل في الزواج هو البعد عن الكنيسة وعن الحياة الروحية. أما الحياة المثالية، حياة الصلاة وحياة الألفة والمحبة واليقظة، فهي تهيّئ جيلاً مؤمناً وقوياً وشجاعاً يستطيع أن يختار شريكة حياته ويبني معها عشاً زوجياً سعيداً وقفصاً زوجياً من الذهب النقي لأنه يختار شريكة حياته بإرادة حرة، أما الزواج بالإكراه ولغايات معينة فهذا سيكون بداية الفشل وخيبة الأمل.
لن يكون الزواج ناجحاً وسعيداً ومباركاً كما يريده الخالق دون أن يتعاون الرجل والمرأة ويسيران معاً في معترك هذه الحياة. وعندما يعيش الزوجان بالتقوى والمحبة والصبر وتحمل المشقات يرسل الله لهم نعمته وبركاته.
قديماً كانوا ينقشون اسم العروسين على المحابس، يلبس العريس خاتماً منقوشاً عليه اسم العروس والعروس تلبس خاتماً منقوشاً عليه اسم العريس، وهذا دليل على الحب المتبادل والتضحية المتبادلة، كيف لا وهما يصيران جسداً واحداً لا يستطيع أن يفرقهما عن بعضهما شيء، إن اثنين أزوجهما الله يجب الا يفترقا. كانوا قديماً في بعض الكنائس يضعون على رأس العريس تاجاً علامة الملك إذ هو كما المسيح رأس الكنيسة ويضعون على رأس المرأة أغصان زيتون لأنها هي تمثل الكنيسة. كم هي جميلة الحياة الزوجية التي كلها تضحية ومحبة وعطاء، يصبح فيها الزوجان قلبين مجتمعين يعملان معاً وينبضان بالألفة والوفاء، يخفف أحدهما عن الآخر مصاعب ومتاعب الحياة، يعيشان عيشة ترضي الله والقريب والمجتمع في الفضيلة والتقوى وعمل الخير ويربيان أبناءهما في هذه المحبة والأمانة.
كثَّر الله الأسر السعيدة لتكون زينة وفخراً للكنيسة وتعزية للأهل وللآباء والأمهات وللمحاكم الروحية التي تفرح كثيراً عندما تتكل مساعي المصالحة بين زوجين ويعودان إلى العش الزوجي وهذا يجلب أيضاً رضى الله ومسرته على الأرض.
الزوجان السعيدان في حياتهما يضمنان السعادة الحقيقية والفرح السماوي وتكون حياتهما كلها فرح ونعم وسعادة، هذه السعادة التي وعد الله بها للوكيل الأمين الذي يقول له الرب: "نعما أيها العبد الأمين لقد وجدت أميناً على القليل وسأقيمك أميناً على الكثير أدخل إلى فرح ربك".

النشرة العدد الأول 2008