غيرة الأزواج

آفة تعكر الوئام الزوجي إذا كانت مرَضيّة، لا حد لها. بصورتها المعتدلة تدل على تعلّق الشخص بالآخر. هي رغبة في عفته. ولكن إذا بولغ فيها وكانت مستمرة فمن شأنها أن تعذب الآخر لأنها تدل على عدم ثقتنا به وعلى أننا نعتبره ضعيفاً. لا شك أن بعضاً منها يلازم الحب، كل حب ولكنا مع سهرنا على الفريق الآخر لا بد من أن نوليه ثقة تجعله يقاوم الإغراء لا أن نجعله يتحسس أنه سجين وأنه قاصر يحتاج إلى مراقبة.
عكس الغيرة الحسنة اللامبالاة بتصرفات الآخر. هذا صار ظاهراً في بعض العائلات المتفرنجة التي تؤمن بحرية لا محدودة لرفيق الحياة الزوجية. عكس هذه الحرية المتفلتة أن نُهين الزوجة كلما نظر إليها غريب وهي بريئة. القاعدة أن كلاً من الزوجين يتصرف على أنه لله ومرتبط بالإخلاص. والزوج الآخر يساعده بالمحبة والرفق والحنان حتى يبقى على الإخلاص. لي أن أقول "زوجي لي" لا بمعنى أنه ملكي ولكنه إذا كان لي يكون أيضا لنفسه ولله ومنتعشاً بفضيلته. أنا لا أستولي عليه استيلاءً ولا أستعبده استعباداً، ولكني إذا حافظت على فضيلتي وفضيلته أحرره من الخطيئة وأحرر نفسي منها. أما المتسلط بالغيرة المريضة فيدفع الآخر إلى الشذوذ. ومن النساء من يتظاهرن بمغازلة شخص غريب ظناً منهن أنهن يجذبن أزواجهن إليهن. هذا فخ ينصبه الشيطان. من رأت زوجها منشغلاً بامرأة غريبة فلتحافظ هي على وقارها ورزانتها لئلا تسقط. هذه أشياء لا يُلعب بها. هذا بدء الحريق. احذروا الغيرة الفتاكة لأنها تتآكل الإنسان وتثير فيه الحسد والاعتداء على زوجته حتى القتل. وإن كان هو الغيور فزوجته في حزن مقيم وانزواء. وعندي أن المخطوبة إذا رأت علامات الغيرة الفتاكة فلتترك لأنها مرض قلما يقوم منه الإنسان. الغيور الفظيع في غيرته يطارد المرأة في ماضيها وحاضرها. يطارد ذكرياتها ويبقى على هذه الآفة ولو تقدمت زوجته في أيامها. الواقع أن الغيرة عقدة من الطفولة، إذا كانت مستفحلة تتطلب طبيباً نفسانياً إذ لا ينفع فيها محاولة الإقناع بأننا أبرياء. هي انفعال ليس من العقل ولا يُشفى الإنسان منها إلا بنعمة من فوق. لذلك من قهرته هذه الرذيلة ينبغي أن يصلّي لئلا يزداد قهره ولكي تنزل النعمة على رفيقه المريض. الصبر، الصبر بلا جدال ولا خصومة كلامية طريقنا إلى القداسة وطريق الآخر إلى الشفاء.

عن نشرة مطرانية طرطوس سنة 2004