العذراء قبل التجسد :
ولدت السيدة العذراء من أبوين عاقرين هرمين يواكيم وحنة في مدينة الناصرة. حيث كان يواكيم الصديق من سبط يهوذا من نسل الملك النبي داوود، أما حنة فهي بنت الكاهن متان من قبيلة هارون. وكان لها أختان مريم وصوفيا وكانت صوفيا والدة أليصابات أم يوحنا المعمدان ومريم أم صالومي. كان قد مضى على زواجهما خمسون سنة ولم يكن لديهم أولاد، ففقدا الرجاء بأن يكونا من أجداد المسيح الموعود. لكن حياتهما كانت عامرة بالشكر الدائم لله على كل شيء والشفقة على القريب... فكانا يوزعان دخلهما الثلث للهيكل والثلث الآخر للفقراء والثلث الأخير لنفقتهم الخاصة، على الرغم من الاحتقار والتعيير الذي كان يوجه إليهما... إذ كان العقر في ذلك الزمان عاراً وقصاصاً باهظاً وعلى الأخص محزناً، لأنهم كانوا على اعتقاد بأن المسيا الموعود سيأتي من نسلهم. ولكن الله الرحوم افتقدهما واستمع لصوت تضرعهما. ففي عيد التجديد جاء يواكيم كي يقدم قرابينه إلا أن رئيس الكهنة رفضها قائلاً: " إنك غير مستحق لتقدم معنا قرابين لأنك لم تقم ذرية في إسرائيل"، فانصرف الشيخ إلى البرية يبكي العقم والعار. صام وصلى أربعين يوماً طالباً من الرب أن يرفع عنه العار والتبكيت، وفي الوقت ذاته عندما علمت حنة بإهانة رجلها سالت دموعها وتوسلت إلى الرب أن يرحمها ويجعل ما كان غير ممكن ممكناً.. وهذا ما حدث إذ ظهر لها ملاك الرب وبشرها بأنها ستحبل وتلد ابنة وتسميها مريم. وطلب منها الذهاب إلى أورشليم لملاقاة زوجها عند الباب الذهبي، الذي ظهر له أيضاً ملاك من الرب وأخبره بأن الرب قد سمع صوت تضرعهم. وهكذا ما كان غير مستطاع عند البشر كان مستطاع عند الله فحبلت حنة في 9 كانون الأول، وكانت ولادة السيدة العذراء في 8 أيلول وسميت مريم كما وعد الملاك وتعني بالعبرية " سيدة" و" رجاء". عني الأبوان بتربيتها بكل ورع، وفي عمر الثلاث سنوات أدخلاها إلى الهيكل منذورة لله في أورشليم القائمة على مسافة ثلاثة أيام من الناصرة، حيث أسرع الجميع بالشموع والتسبيح للاشتراك بتكريس العذراء مريم. وقد استقبلها رئيس الكهنة عند باب الهيكل الذي يفصله عن مكان الجمع 15 درجة صعدتهم العذراء مسرعة بنعمة الله. وعندما وصلت إلى رئيس الكهنة أخذها وأدخلها قدس الأقداس المكان الذي يمنع دخوله لا لإمرأة ولا للكهنة ولا حتى لرئيس الكهنة الذي يدخله فقط مرة في السنة بعد صوم طويل وصلاة ودم مضحى عن نفسه وخطايا الشعب، وخصص لها مكاناً للصلاة وهذا كله كان بإلهام من الله. وعاشت العذراء حياة القداسة منذ طفولتها حيث من الصباح وحتى المساء تقضي وقتها بالصلاة وقراءة الكتاب المقدس والأشغال اليدوية.. وكانت توزع الطعام الذي يعطى لها على الفقراء والغرباء وتقتات بالخبز السماوي الذي يأتيها به الملائكة. ويقال أن رئيس الكهنة رأى الملائكة تخاطبها وتقدم لها الطعام... هكذا عاشت حياة هادئة نقية في الهيكل. ولكن نحو السنة التاسعة من إقامتها في الهيكل ذاقت أول حزن على الأرض بفقدها أبويها، وعندها شعرت أن لا شيء بعد يربطها بالأرض. فاستسلمت لمشيئة الله المقدسة متمنية البقاء أمة للرب حتى نهاية حياتها... وهكذا نشأت العذراء في غاية النقاوة.
ولكن حسب الشريعة اليهودية كان على كل فتاة من العذارى المتربيات بالهيكل ما أن تصل إلى سن البلوغ حتى تعود إلى أهلها أو إلى من توكل إليه مهمة الاهتمام بها لتعود إلى الهيكل عند بلوغ سن اليأس. لكن مريم رفضت بإصرار.. فبهت رئيس الكهنة من هذا العزم الوطيد الذي كان لهذه الفتاة وعجز عن إجبارها على مغادرة الهيكل. عندئذ اجتمع الكهنة في الهيكل وصلوا بحرارة ليبين الله لهم مشيئته وماذا عليهم أن يتصرفوا. وبينما كان رئيس الكهنة زخريا ما وراء الحجاب يصلي ظهر له ملاك الرب قائلاً: " يا زخريا إجمع من فقدوا نساؤهم من قبيلة يهوذا من بيت داوود وليحضروا معهم عصيهم، فالذي يظهر له الرب آية فإلى ذلك سلم العذراء ليصون بتوليتها". وتم ما أمر به الله وأخذ من اثني عشر رجلاً من الطاعنين بالسن الأرامل عصيهم وتركت على المذبح الليل كله بينما كان الجميع يصلّون. وفي الصباح دخل رئيس الكهنة الهيكل مع الاثني عشر رجلاً فرأوا أن عصا يوسف قد أزهرت وحمامة من العلى طارت ووقفت عليها، فعلموا أن هذه هي مشيئة الله. كان يوسف رجل بار، ذا سيرة نقية، نجاراً ينتظر مجيء المسيا وقد بلغ الهرم فعمره فوق الثمانين سنة. عاش طويلاً بعد وفاة امرأته صالومة التي رزق منها بستة أولاد أربعة أبناء " يعقوب ويوسي وشمعون ويهوذا" وابنتان " مريم وصالومة ويقال لهما أيضاً أستير وثامار" وهم إخوة يسوع الذين جاء ذكرهم في الإنجيل..
وهكذا خضع يوسف لمشيئة الله وخطبت له العذراء. ويقول التسليم أنه أعلن للعذراء مريم أن تذهب إلى بيت يوسف الصديق دون ريب. وهكذا عاشت في بيت خطيبها الصديق الذي كان بمثابة أب وحامي لحياتها البتولية، كما لو كانت تعيش في قدس الأقداس ولم تكن تغادره أبداً.
لقد حافظت على عهدها مع الله ولم تنقض نذرها فقد كانت محبتها لله لا متناهية. وكانت تكرر الصلوات باكية ليؤهلها الله أن تعاين المسيا الموعود به وتخدم والدته كأمة لديها وحتى لو كآخر وأحقر إمائها... لقد كان تواضعها عظيماً. ولما شاء الرب الإله أن يتمم هذا الحدث الخلاصي أرسل رئيس الملائكة جبرائيل إلى الناصرة أحقر وأصغر مدينة في ذلك العصر، إلى العذراء التي استحقت بتواضعها وطهارتها ومحبتها لله غير المحدودة أن تكون أماً للإله. فبادرها الملاك بالسلام المبارك: " إفرحي يا ممتلئة نعمة الرب معك مباركة أنت في النساء.." لو 1: 28
ويقال أن العذراء لم تضطرب خوفاً من الملاك لأنها كانت معتادة على رؤيتهم، بل اضطربت من هذا السر المعلن غير المدرك كيف تحبل وتلد ابناً وهي لا تعرف رجل. ولكن الملاك أكد لها أن كل شيء مستطاع عند الله، فها هي نسيبتها أليصابات العاقر حبلى في الشهر السادس. فقالت عندئذ: " ها أنا أمة للرب فليكن لي حسب قولك" عندها حل الروح القدس عليها ونعمة العلي ظللتها.
هذا هو السر العظيم الذي لا يدرك، العذراء تحبل وتلد ابناً وتلبث عذراء. لقد تحقق الوعد " إن نسل المرأة يرض رأس الحية". لقد كانت العذراء تعلم أن بإمكان يوسف أن يسلمها للرجم والتعذيب وفق الشريعة اليهودية - شريعة موسى- إذ وجدت حبلى وهي وإن كان لها رجل بحسب نظام الخطبة فلا رجل لها بموجب نذر البتولية، أو أن يعطيها شهادة طلاق وبهذا يعرضها لعار التشهير وخاصة أنها حبلى. لكنها كانت على ثقة بمواعيد الله فأطاعته دون ريب وولدت ابنها دون ألم أو وجع. وهكذا هذه العذراء الكلية القداسة بطاعتها ساهمت في سر خلاصنا. وبقيت عذراء قبل وأثناء وبعد الولادة كما يخترق الضوء الزجاج دون أن يترك فيه أي أثر. ويقال أن سمعان الشيخ الذي كان من الـ 72 شيخ الذين ترجموا الكتب المقدسة من العبرية إلى اليونانية عندما وصل إلى النبوءة " ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً" هم بإصلاح عبارة " العذراء" ليستبدلها بـ " صبية"، إذ بملاك الرب يظهر له ممسكاً يده مانعاً إياه من تغيير المكتوب قائلاً له: " آمن بالمكتوب فإنك ستعاين أنت تحقيقه".
العذراء بعد التجسد:
الإنجيل لم يذكر الكثير عن العذراء وذلك لأن:
أولاً: العذراء رافقت السيد المسيح منذ مولده وحتى صعوده إلى السماء فكان ذكرها تحصيل حاصل.
ثانياً: كي لا يترك الرسل للآخرين الطعن بشهادة الأم.
ثالثاً: لأن العذراء لم تسمح للتلاميذ بذكرها لعمق تواضعها.
وقد ذكرت في أهم المواضع : البشارة ـ زيارة أليصابات ـ الميلاد ـ زيارة الرعاة والمجوس " أما أمه فكانت تحفظ كل هذا في قلبها" لو2: 19ـ دخول السيد إلى الهيكل " أما أنت فسيجوز في نفسك سيف حتى تظهر أفكار قلوب كثيرة" لو2: 24ـ الهروب إلى مصر ( يذكر التقليد أن عصابة من اللصوص سطت عليهم، لكن رئيس العصابة ما أن شاهد هذا الطفل حتى رق قلبه ومنع رفاقه من أذيتهما. عندها وعدته والدة الإله: " إعلم أن هذا الطفل سيكافئك مكافأة عظيمة لأنك حفظته الآن". وعند الصلب كان لص اليمين هو هذا اللص وكانت مكافأته عظيمة إذ قال له الرب: " اليوم تكون معي في الفردوس") ـ الصعود إلى أورشليم " وكان أبواه يطلبانه " ـ عرس قانا الجليل " مالي ولك يا امرأة" ـ عند تعليم الجمع " أمك وإخوتك خارجاً" ـ عند الصلب " هوذا ابنك"- وعند وصولهم مصر تزلزلت الأصنام وتحطمت " هوذا الرب يأتي إلى مصر فتتزلزل أوثان مصر عند حضوره" أش19: 1– عند ذهاب يسوع مع أبويه إلى أورشليم – في عرس قانا الجليل " مالي ولك يا امرأة" – عند تعليم الجمع " هوذا أمك وإخوتك ينتظرون خارجاً" – عند الصلب " هوذا أمك" – في القيامة ويؤكد التسليم أن يسوع قد ظهر للسيدة العذراء قبل غيرها، وورد بالإنجيل " كانت مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين هناك أمام القبر" وبحسب تفسير الآباء القديسين فإن مريم الأخرى هي العذراء مريم الفائقة القداسة.
العذراء بعد الصعود :
عاشت العذراء في بيت يوحنا اللاهوتي الذي لم يفارقها أبداً حتى ساعة انتقالها، وكانت تواظب مع التلاميذ والنسوة على الصلاة في علية صهيون التي تم فيها العشاء السري... في هذه العلية كان بداية ظهور الكنيسة الأولى. حيث كانت السيدة العذراء مع الرسل وجميع المؤمنين يجتمعون للصلاة، وكانت العذراء تردد على مسامعهم جميع الكلمات التي حفظتها في قلبها عن حوادث ومعجزات قام بها السيد المسيح. فكانوا يجدون بإصغائهم التعزية والقوة والشجاعة والثبات في الإيمان. لقد كان وجود العذراء عزاؤهم وبهجتهم.
العذراء بعد العنصرة :
عندما انتشر الرسل في أقاصي المسكونة يبشرون بالإله القائم من بين الأموات كانوا يسرعون بالعودة إلى أورشليم، ليروا أم الرب ويسمعوا منها الأقوال الإلهية الملهم بها من الله. وقد كان الكثير من الأمم يأتون لرؤية السيدة العذراء التي ذاع صيتها في أقاصي المسكونة وهكذا تحقق " ها منذ الآن تغبطني جميع الأجيال". فقد كانت مزدانة بكل فضيلة تبقى مبتهجة حتى في الإضطهادات والضيقات، تتشدد بالصبر والتقوى وتسهر على نشر الإيمان القويم.
وبعد عشر سنين من العنصرة عندما بدأ اضطهاد كبير ضد المسيحيين، اجتمع الرسل مع والدة الإله واقترعوا على المناطق الواجب التوجه إليها. لكن ملاك الرب ظهر للسيدة العذراء وأعلن لها أن الله قد اختار لها المكان المناسب، وعليها البقاء في أورشليم حتى يكشف لها عن هذا المكان. فبقيت العذراء في أورشليم وكانت في كل يوم تزور القبر المقدس. فوشى بها بعض اليهود إلى رؤساء الكهنة الذين أمروا الحراس بأن يقتلوها، لكن الله حفظ والدة الإله من كل سوء ولم يوفق الحراس إلى رؤيتها. ومن ثم سافرت إلى أفسس إلى الجهة المعينة ليوحنا اللاهوتي ليواجهوا نسطوريوس مختلق البدعة الرديئة. كما جاءت إلى إنطاكية لتواجه إغناطيوس حامل الإله. وفي التقليد تفصيل لسفر والدة الإله ويوحنا إلى قبرص لمشاهدة لعازر الرباعي الأيام الذي أصبح أسقفاً لهذه الجزيرة. ويقال أنه عندما كانوا مبحرين إلى قبرص هبت عاصفة قوية على السفينة دفعتها إلى جبل آثوس، الذي كان في ذلك الوقت يضيق بالمعابد الوثنية " أبولون". وما أن وطئت العذراء أرضها حتى بدأت تصرخ الآلهة " اخرجوا أيها الناس إلى المرفأ لتلاقوا أم يسوع الإله العظيم وتستقبلوها" عندها كشفت لهم والدة الإله الكلية القداسة عن تعاليم الإنجيل. وكان في كلامها قدرة عظيمة فمجد الوثنيون الله في الحال ورغبوا في قبول المعمودية، فعينت واحداً من الآتين معها على السفينة معلماً ورئيساً وعلمت بأن هذا المكان هو قرعتها التي اختارها الله لتبشر فيها.
رقاد السيدة العذراء :
وعندما حان أوان انتقالها عن الأرض أعلن لها الملاك عن ذلك قبل ثلاثة أيام معطياً إياها غصن نخل فردوسي كعلامة. فصلت إلى الرب الإله أن تعطى قبل انتقالها رؤية الرسل القديسين المتفرقين في المسكونة. وفي اليوم الثالث حدث ضجيج كالعاصفة ورأى الجميع السحب المنيرة تحيط بالبيت، فإذ بالرسل القديسين خطفوا بقدرة إلهية من أطراف العالم ليعاينوا انتقال والدة الإله الفائقة القداسة التي كانت الأم المعزية والمعلمة لهم في حياتهم. كما اجتمع الرسل السبعون والجموع التي أتت من كل صوب وناحية فعزتهم العذراء جميعاً بأنها لن تتركهم وستكون المساعدة والمحامية لجميع الذين يدعونها في النكبات والأحزان. وعندما علم اليهود بالتكريم العظيم لوالدة الإله هذا الذي صلبوه حنقوا كثيراً. فاندفع أحد الكهنة اليهود المسمى أثناسيوس إلى سرير والدة الإله وهو ينطق بالتجاديف والكلمات النابية يريد أن يرمي أم الرب على الأرض، فإذ بملاك الرب يبتر يده قبل أن تصل جسد والدة السيد المسيح. عندها علم شره وبدأ يصلي بدموع طالباً من رب القوات وأمه الكلية النقاوة أن تسامحه. فأعاد الرسل يده المقطوعة إلى الموضع فالتحمت ولم يبق سوى خط أحمر كعلامة للقطع، وكثير من المعجزات حدثت بمجرد ملامسة جسدها الطاهر. ويقال أن توما بتدبير إلهي لم يستطع الحضور لرؤية السيدة العذراء إلا بعد ثلاث أيام من انتقالها فانتابه حزن شديد. عندها صمم الرسل القديسون أن يدحرجوا الحجر عن القبر حتى يستطيع هذا الرسول رؤية العذراء ويتعزى. ولكن ما أن فتحوا القبر لم يشاهدوا سوى الأكفان وقد فاح منها طيب لا يوصف، فارتابوا وابتهلوا إلى الرب أن يكشف لهم عن هذا السر. وبينما هم مجتمعون على المائدة إذا بنور عظيم والسيدة العذراء ومن حولها الملائكة تقول لهم: " افرحوا إني معكم كل الأيام".
لقد انتقلت أم الرب بالجسد إلى السماء في اليوم الثالث ولكنها ما زالت حاضرة تستمع لتضرع المحتاجين إليها.
المراجع :
حياة السيدة العذراء على الأرض
الكتاب المقدس
المفضلات