القدیس غریغوریوس المنیر أسقف أرمینیا
مأخوذ عن نشرة مطرانیة الروم الأرثوذكس في بیروت
٢٠٠٧ ، الأحد ٣٠ أیلول / العدد ٣٩



حاول الأباطرة الوثنیون في القرون الثلاثة الأولى أن یبیدوا الدیانة المسیحیة، لكن الاضطھادات التي عانى منھا المسیحیون كانت سبباً لازدیاد انتشار الإیمان المسیحي في العالم أجمع. في القرن الرابع توقفت الاضطھادات، وأصبحت المسیحیة ھي الدیانة الرسمیة في الإمبراطوریة الرومانیة فتأسست أسقفیات جدیدة في كافة أنحاء الإمبراطوریة وفي البلدان المجاورة لھا التي كانت أرمینیا إحداھا.

التبشیر الأول بالمسیح في أرمینیا تم على ید إثنین من الرسل ھما تداوس وبرثلمارس.

تابع سكان أرمینیا تعرفھم على المسیحیة في القرون الأولى عبر اتصالھم بمسیحیي الإمبراطوریة الرومانیة وبمسیحیي الرھا (اورفا في تركیا الیوم).لكن الفضل في تثبیت دعائم الكنیسة الأرمنیة وتنظیمھا یعود إلى مبشرھا الأسقف غریغوریوس الملقب بالمنیر والذي نعید لھ في ٣٠ أیلول.


ولد القدیس غریغوریوس عام ٢٤٠ وكان أبوه أناق الفرتي من العائلة المالكة الفارسیة.
طلب أرتشوراس ملك الفرس من والد غریغوریوس أن یقتل خسرو الملك الأرمني، فقتل أناق الملك خسرو الذي كان قریبھ. حینئذ أراد ذوو خسرو الملك أن یثأروا لھ ففتكوا بآناق وأھل بیتھ الذین نجا منھم غریغوریوس


وأحد إخوتھ. ھرب غریغوریوس وأخوه إلى قیصریة الكبادوك التي نُفي إلیھاً أیضاً تیریدات، ابن خسرو الملك، بعد أن سیطر الفرس على بلاد الأرمن.

اعتنق غریغوریوس المسیحیة فاعتمد وتزوج ورزق ولدین جعلھما خادمین للكنیسة.

في قیصریة قام غریغوریوس بخدمة تیریدات الذي لم یكن یعلم أن غریغوریوس ھو ابن أناق قاتل أبیھ الملك خسرو.
وعندما غلب الرومان الفرس عاد الملك تیریدات إلى أرمینیا وكذلك فعل غریغوریوس بعد وفاة زوجتھ.


في أرمینیا خدم غریغوریوس الملك تیریدات بمحبة وأمانة فبادلھ الملك المحبة إلى حین اكتشف أن غریغوریوس مسیحي وأنھ ابن أناق الفرتي قاتل أبیھ. حاول الملك إقناع غریغوریوس بالعودة عن "ضلالھ"لكنھ فشل فأمر بتعذیبھ. جعلت التعذیبات غریغوریوس شھیداً حیاً أبى أن ینكر إیمانھ فما كان من الملك إلا أن رماه في جب عمیق مليء بالأفاعي. عاش غریغوریوس في الجب خمسة عشر عاماً اعتقد الناس خلالھا أنھ مات، لكن الله حفظھ إذ إن امرأة كانت تأتیھ بالقوت لكي یبقى حیًا.

اثناء ذلك اضطھد تیریدات المسیحیین حیثما وجدھم، وقد قتل أربعاً وثلاثین عذراء. على إثر ذلك جُن الملك ولم یوجد لھ علاج. بقي الملك على حالھ إلى أن زار رجلٌ أختھ في الحلم وأعلمھا أن غریغوریوس المُلقى في الجب وحده یستطیع شفاء أخیھا. للحال أُخرج غریغوریوس من جب الأفاعي وكان بصحة جیدة وشُفي الملك بصلوات القدیس غریغوریوس.

بعد شفائھ ندم الملك تیریدات عما فعلھ بغریغوریوس وبالمسیحیین فاقتبل الإیمان المسیحي واعتمد وسمح لغریغوریوس أن یبشر، كذلك ساعده في بناء الكنائس والأدیرة.

نتیجة تبشیر غریغوریوس قبلت أرمینیا في وقت قصیر الإیمان المسیحي وراح كھنة الأوثان یھدمون ھیاكلھم بعدما اقتبلوا المعمودیة وأصبحوا كھنة للمسیح حاصلین على نعمة الكھنوت بوضع الأیدي. ثم سام لاوندیوس أسقف قیصریة الكبادوك غریغوریوس أسقفاً على أرمینیا مما ساعده في تنظیم الأبرشیة الجدیدة.

امتلك غریغوریوس نعمة صنع العجائب فكان یشفي المرضى ویطرد الشیاطین. وقد أسس القدیس كنیسة كبیرة على اسم "الإبن الوحید" أصبحت فیما بعد مركز كاثولیكوسیة الكنیسة الأرمنیة جمعاء.

بعد ان اطمأن على تنظیم كنیسة أرمینیا، نصب القدیس غریغوریوس أحد ولدیھ رئیس كھنة مكانھ وانكفأ ھو إلى البریة مع بعض التلامیذ، ومكث ھناك إلى أن رقد في الرب عام ٣٣٥ مختتماً جھاده. یُذكر أنھ كان یكلم الله وجھاً لوجھ على غرار النبي موسى معاین الله.
القدیسون في الكنیسة لا یھمھم فقط أن یخلصوا نفوسھم، بل یسعون إلى خلاص غیرھم بعد أن یحصلوا على الخلاص بنعمة الله.

لقد علمنا القدیس غریغوریوس المنیر أن المؤمن حین یسعى إلى القداسة یتقدس ھو ویُقدس آخرین معھ. ھكذا من خلال قداستھ الشخصیة، استطاع القدیس غریغوریوس بمعونة الله أن یساعد شعباً بكاملھ لكي یحصل على الخلاص، ولكي ینتقل من ظلمة عبادة الأوثان إلى نور معرفة الإلھ الحقیقي.