ذكرى الآباء القديسين المجتمعين في المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونيا (451م)


هذا ما شرعت الكنيسة المقدسة تحتفل به في الأحد الواقع بين 13 و19 تموز بدءاً من العام 518م. ثمة التباس في الميناون عندنا يجعل هذا اليوم شاملاً آباء المجامع المسكونية الستة الأولى. حصل هذا بتأثير القديس نيقوديموس الجبل المقدس بخلاف ما ورد في المخطوطات القديمة.

التأم هذا المجمع في خلقيدونيا سنة 451م بحضور 630 أباً، كما ورد في التراث، رغم أن عدد الموقعين على أعمال المجمع كان ثلاثمائة وخمسين فقط. هؤلاء جاؤوا بمعظمهم من أبرشيات الشرق. كان على رأس هؤلاء، القديس أناتوليوس القسطنطيني وممثلو بابا رومية، القديس لاون الأول ومكسيموس الأنطاكي وجوفينال القسطنطيني. دعا إلى هذا المجمع، الذي ضم أكبر عدد من الأباء قياساً بغيره من المجامع، الأمبراطوران مرقيانوس وبلخاريا. غرضهما كان إعادة السلام والوحدة اللذين تعكرا إثر مجمع أفسس الباطل المنعقد سنة 449م، وكذلك إدانة هرطقة أفتيشيس.

بعد المجمع المسكوني الثالث في أفسس (431م) توصل أنصار المدرستين اللاهوتيتين، الإسكندرية والأنطاكية، ولو بصعوبة، إلى توافق على صيغة الإيمان الخاص بوحدة الطبيعتين في المسيح، الإلهية والبشرية. أفتيشيس كان إرشمندريتاً في القسطنتينية ومعاوناً للقديس كيرللس الإسكندري. فإذ رغب في استئصال كل أثر للهرطقة النسطورية، قال إنّ الطبيعتين الإلهية والبشرية لا يمكن تمييز إحداهما عن الأخرى بعد التجسد وإنّ الطبيعة البشرية للمسيح، بعد التجسد، امتصتها طبيعته الإلهية. وهكذا فيما فصل نسطوريوس مابين الطبيعتين وقع أفتيشيس في الهرطقة المقابلة إذ تكلم على الإمتزاج والانصهار بين الطبيعتين في واحدة: الطبيعة الإلهية. من هذا المفهوم المعروف بالطبيعة الواحدة، بالمعنى الصارم للكلمة، يستنتج المرء أنّ المخلصّ ليس، في الحقيقة، من طبيعة واحدة مع الآب والروح القدس أو أنّه لم يساهم طبيعتنا.

الكنائس القبطية والسريانية والأثيوبية والأرمنية دُعيت كنائس الطبيعة الواحدة عن غير حق لأنها أدانت هرطقة أفتيشيس. لكنها إذ لم تسلّم بالتحديد العقدي لمجمع خلقيدونيا، بسبب التصاقها اللفظي المبالغ فيه بعقيدة القديس كيرللس، بقيت خارج الشركة الأرثوذكسية القويمة. حوار الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين في الآونة الأخيرة أبان أنه لا افتراق حقيقي في المستوى المسيحاني الخريستولوجي بين الفريقين. لكن صعوبات أخرى وثغرات نشأت عن تداعيات خمسة عشر قرناً من الانقسام لا زالت بحاجة إلى معالجة قبل أن يأتي الفريقان إلى الوحدة المرتجاة.

أفسافيوس دوريلي هو الذي كشف في آراء أفتيشيس هرطقة تفسد كل سر الخلاص. بنتيجة ذلك انعقد مجمع في القسطنطينية برئاسة القديس فلافيانيوس أدان الأرشمندريت أفتيشيس سنة 448م. ولكن، بسبب دعم القصر له، نجح في تحويل الأمور إلى صالحه. بعد التدخل العنيف لرئيس أساقفة الإسكندرية، ديوسكوروس، خلال المجمع الصوصي (449م) بُرِّئت ساحة أفتيشيس وأُطيح بالقديس فلافيانوس ظلماً وقضى ضحية المعاملة السيئة التي عومل بها.
فلما مات الأمبراطور ثيودوسيوس الثاني الذي دعم أفتيشيس، دعا بابا رومية وكل الأرثوذكس الأمبراطورين مرقيانوس وبلخاريا إلى رفع الغبن وإصلاح الحال واستعادة السلام بمجمع مسكوني. دعي الآباء، أول الأمر، إلى نيقية في أيلول سنة 451م ثم انتقلوا إلى خلقيدونيا حيث اجتمعوا في بازيليك القديسة أوفيميا. في الجلسات الستة عشر التي امتدت بين 8 تشرين الأول وأول تشرين الثاني، عملوا أولاً على إدانة مجمع أفسس اللصوصي وإقالة المسؤولين عنه، كلاً من أفتيشيس وديوسكوروس، وإعادة الاعتبار للقديس فلافيانوس. وبعدما ذكّروا بإدانة نسطوريوس التي أعلنها مجمع أفسس (431م)، انكبّوا، بخاصة، على دحض مونوفيسيتية أفتيشيس أي القول بالطبيعة الواحدة. وإذ اعتمدوا على تفاهم القديس كيرللس الإسكندري ويوحنا الأنطاكي، سنة 433م، نجحوا في التوفيق بين الإسكندرية وأنطاكية ورومية وأكملوا عمل المجمع الثالث المسكوني (أفسس 431م) محددين، بدقة، عقيدة شخص المسيح المخلص (العقيدة الخريستولوجية).

من جهة أخرى بعد أن دقّق الآباء في حجج أفتيشيس، في ضوء الكتاب المقدس وقررات المجامع السابقة، ألقوا الحرم على كل من يضيف أو يحزف ما يمتّ بصلة إلى إيمان المجامع المسكونية الثلاثة الأولى. وإذ بنوا على رسالة القديس لاون لفلافيانوس، والتي حيّوها كعمود للأرثوذكسية، حرّروا تحديداً إيمانياً قرىء، بصورة رسمية احتفالية، بحضور الأمبراطور، خلال الجلسة السادسة، يوم الثاني والعشرين من تشرين الأول. وهذا ماجاء فيه:
"تبعاً للآباء القدّيسين نعلن، بإتفاق الأصوات، أنّنا نتعرف بواحد أحد الإبن، ربّنا يسوع، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته، وهو الإله الحقّ والإنسان الحقّ ذو النفس العاقلة والجسد، من طبيعة مشتركة مع الآب من جهة لاهوته، ومن طبيعة مشتركة معنا من جهة الناسوت، وهو مثلنا في كل شيء إلاَّ في الخطيئة؛ المولود من الآب قبل الدهور من جهة اللاهوت وهو إيّاه، في الأزمنة الأخيرة، من وُلد من العذراء مريم والدة الإله من أجل خلاصنا بحسب الناسوت: وهو واحد أحد المسيح، الابن، السيد، المولود الفذّ المعروف كما في طبيعتين، من دون تشويش ولا تحوّل ولا انقسام ولا انفصال، الذي لازوال فيه لاختلاف الطبيعتين البتّة بسبب الاتحاد، بل تبقى فيه خاصية كل منها محفوظة وتلتقي بالأخرى في شخص فذّ وأقنوم فذّ؛ مسيح واحد أحد غير موزع ولا منقسم إلى شخصين بل هو السيد الفذّ الواحد يسوع المسيح، الابن الوحيد، الإله الكلمة، كما سبق الأنبياء فأذاعوا، وكما علّمنا المسيح يسوع نفسه وكما نقل لنا دستور إيمان الآباء القديسين".

وجواباً على سؤال الأمبراطور هتف الجميع: "هذا مانؤمن به جميعاً. إيمان واحد. حكم واحد. كلّنا لنا المشاعر عينها. كلّنا وافقنا على الإجماع. كلنا أرثوذكسيّون. هذا هو إيمان آبائنا القديسين. هذا هو إيمان الرسل. هذا و الإيمان الذي خلص العالم... ليعطِ الله سلاماً لملكِك، يا مرقيانوس، قسطنطين الجديد، ويا بلخاريا، هيلانة الجديدة! أنتما مشعلا الإيمان الأرثوذكسي! حياتكما هي ضمانة الجميع. إيمانكما هو مجد الكنائس!".

بتحديد الإيمان هذا، الفذّ بعمقه ودقته، اعترف الأباء القديسون، إذاً، بالاتحاد الحقيقي للطبيعتين الإلهية والإنسانية في الشخص الوحيد لكلمة الله. بفضل إيمان خلقيدونيا الذي دقّقه الآباء، فيما بعد، كالقديس مكسيموس المعترف والقديس يوحنا الدمشقي، نفهم نحن الأرثوذكس، أنه، بالحياة في المسيح، الإله الإنسان، يمكننا أن نتحد بالله، أن نتأله دون أن نفقد هويتنا الطبيعية. ان الاتحاد دون تشويش للاهوت والناسوت في المسيح، بحسب الأقنوم، يصير الاتحاد دون تشويش للطبيعتين، بمقتضى نعمة الروح القدس لدى المسيحيّين. إن هدف الكنيسة التي هي المسيح، الإله الإنسان، ممتداً فيما بيننا إلى نهاية الدهور، وهو الذي يقودنا إلى قياس قامة ملء المسيح (راجع أف 13:4)، أي ملء "الأنسنة الإلهية". كل ينطلق من شخص المخلص وإليه يعود، الكل فيه "إلهي إنساني": العقيدة، الأخلاق، النسك، الصلاة، الليتورجيا، فنّ الإيقونة والموسيقى. الكل فيه إنساني، حسّي وتاريخي، وهو في آن معاً متألّه بالكامل بقّوة الروح القدس، بحيث يكون إيّاه، في الحقيقة، المسيح الذي يحيا في كل من أعضائه وفي كل تجليات جسده المستيكي. إن الإله الإنسان الذي حددّه مجمع خلقيدونيا هو لنا، نحن المسيحيين الأرثوذكس "القيمة العظمى والمعيار الأخير للحقيقة" كما عبر القديس يوستينوس بوبوفيتش، لأن فيه وبه لنا وصول إلى حضرة الله ونقتني كرامة الأبناء.

في الجلسات التي تلت، رتب الآباء القديسون المسائل ذات العلاقة بالنظام والترتيب الكنائساني وسنوا سبعة وعشرين قانوناً أُضيف إليها مرسوم ثبّت القانون الثالث من المجمع المسكوني الثاني الذي يمنح كرسي القسطنطينية – بصفتها عاصمة الأمبراطورية – المكانة الثانية بعد رومية والسلطة القانونية على أبرشيات آسيا والبنطس وتراقيا وكذلك على الجماعات المسيحية خارج حدود الأمبراطورية (القانون 28). النصّ، في الشأن، ورد على الشكل التالي:"... في أبرشيات البنطس وآسيا وتراقية يقوم بسيامة المطارنة فقط وكل أساقفة الأبرشيات الواقعة بين البربر عرشُ كنيسة القسطنطينية المقدّس. أما في الأبرشيات الآنف ذكرها فكل متروبوليت يقوم مع أساقفة أبرشيته بسيامة الأساقفة لتلك الأبرشية كما أعلن في القوانين الألهية. أما مطارنة الأبرشيات المذكورة فيجب أن يشرطنهم، كما قلنا، رئيس أساقفة القسطنطينية بعد أن يتمّ انتخابهم بصورة قانونية حسب العادة ويرفع البيان بعمل الانتخاب".

سير القديسين وسائر الأعياد في الكنيسة الأرثوذكسية (السنكسار) الجزء 5 (حزيران - تموز)