قضية الصلاة
وهل هناك للصلاة قضية؟!
الصلاة التي هي أسمى هبة أنعم بها الله على الإنسان وسيلةً فريدة للاتصال بالإله المُحب كي يُسبِّحه ويتأمل في عجائبه، ويلهج في ناموسه، ويسأله، ويتوسل إليه ويشكو، ويتوب إليه ويستغفره، وفيها ينطلق من أَسْر الواقع ليدخل بها إلى رحاب السماويات؛
الصلاة التي هي أُم الفضائل وعمل القديسين ومصدر القوة والمعونة والفرح للمؤمنين؛
نعم، للصلاة عند البعض قضية.
وضمن هؤلاء مؤمنون تنتابهم الحيرة أحياناً عندما تتسلَّل إليهم أفكار العالم المادي غير المؤمن الذي لم يتمتع بعشرة الله، والذي يرى أن الصلاة هباء فهي لن تُغيِّر واقعاً. بل إن الأمر قد يصل إلى الطعن في مبدأ الصلاة ذاته، فلماذا الصلاة أصلاً، والله كامل بذاته ولا يحتاج إلينا أو إلى عبادتنا؟
وفيما يتعلَّق بالطلبات والاحتياجات يأتي التساؤل: هل الله في حاجة إلى توسُّلنا؟ أَلاَ يعرف ما نحتاج إليه - وهو العارف بكل شيء - لِمَ لا يُعطينا، إذن، دون سؤال؟
وهم يَرَوْنَ أن عقدة القضية أننا مسيَّرون شئنا أم أَبَيْنا، وحياتنا مرسومة بكل تفاصيلها وأبعادها في القصد الإلهي، ومن الحكمة قبولها كما هي طالما أن طلباتنا لن تغيِّر شيئاً من مشيئة الله، والتوسُّل في هذه الحالة يكون لغواً وتعباً باطلاً وربما يقود إلى اليأس.
وفوق كل هذا، فإن مصيرنا نفسه هو مقرَّر من قِبَل الله، والواحد منا قد يُجاهد وقد يتعثَّر وقد يقوم ثم يسقط من جديد، ولكن ما فائدة الجهاد والمقاومة للنهوض إذا كانت النهاية التي تقرَّرت غير ما نشتهي؟ أليس من الأجدى، إذن، الاستسلام والقبول بما يجري رغم عبثية حياة كهذه؟!
+++
ظاهر الكلام يبدو منطقياً، ولكن باطنه يُجافي الحق ويمتلئ بالخداع. وأفضل ما فيه أنه يستثير عدداً من الأسئلة الهامة عن جدوى الصلاة وقيمتها، ولماذا يحثُّنا الله على الصلاة كل حين إذا لم تكن لها ضرورة؟ وكيف لا تتعارض معرفة الله الكلِّية مع استجابته لتغيير واقع الإنسان وتحقيق آماله؟ وهل سَبْق معرفة الله بالمصائر يُجرِّد الإنسان من أي دور في تحديد مصيره؟
وسنجد في كلمة الله ردّاً على هذه التساؤلات وغيرها بما يزيل الحيرة، ويزيح الغشاوة، ويُصحِّح المسار، ويُعيد التائهين الهائمين إلى يقين الإيمان الذي يغلب العالم (1يو 5: 5،4).
وسيمتد الحديث - على قدر ما يسمح به المجال - لتناول جوانب تهم كل مؤمن في أمر صلاة الطلبة: كيف يطلب؟ كيف يعرف مشيئة الله؟ كيف يستجيب الله؟ وكيف يتحوَّل هدف الصلاة في نهاية المطاف من الانحصار في الطلب إلى التمتُّع بالوجود في حضرة الله: «مَن لي في السماء (غيرك)؟ ومعك لا أُريد شيئاً (أحداً) في الأرض» (مز 73: 25)؟!
+++
لماذا يدعونا الله أن نصلي رغم أنه لا يحتاج إلى عبادتنا؟
أن يحدث أن ملكاً يدعو رعاياه وعبيده أن يتصلوا به في أيِّ وقت دون مانع أو عائق، هو بغير شك كرم وتفضُّل من الملك. وأن يطلب إليهم أن يقرعوا بابه في أية ساعة فيفتح لهم ويدخلوا إليه، وأن يسألوه كلما احتاجوا فيُعطيهم بغنىً؛ فهذا برٌّ وإحسانٌ لا مزيد عليه.
فإن قال عبيده بعد ذلك: ولِمَ لا يُعطينا دون أن نطلب ويعفينا ذُل السؤال؟ فهذا يعني أنهم أدنياء لا يستحقون تنازُل الملك وجُوده، ونسوا مَن هم؟ وأين هم من سيدهم الملك الذي يملك كل شيء، والذي يأمر فيُطاع، والذي يستطيع أن يُغلق بابه عنهم دون أن يلومه أحد؟!
فإذا انتقلنا من المثال إلى الحقيقة، فإن الله عندما أوصانا أن نصلِّي فإن هذا كان في الأساس تعبيراً عن محبته وأُبوَّته للبشر ورعايته الدائمة لهم: «لذَّاتي مع بني آدم» (أم 8: 31)، وهو ما كلَّفه حياته لإنقاذهم من موت الخطية والإنعام بالحياة الأبدية لكل مَن يؤمن (يو 3: 16). وهو بالصلاة قد أتاح للإنسان حرية الدخول إليه كابن وليس كعبد، وبالتالي لقاءه والحديث إليه في أي وقت وفي أي مكان وبغير أي ترتيب سوى استقامة القلب والروح أولاً (مز 7: 10؛ 11: 2؛ 51: 10). وفي مجال الصلاة فإن الله الغني يفتح يديه ناثراً عطاياه: «فيُشبع كل حيٍّ رضىً» (مز 145: 16) دون أن تنقص خزائن نعمته، والإنسان يأخذ «كيلاً جيداً مُلبَّداً مهزوزاً فائضاً» (لو 6: 38).
فالصلاة ليست، إذن، عبئاً يسعى أحد للتخلُّص منه، وإنما هي نبع لا ينضب من بركات مجانية فائضة: «تُعرِّفني سبيل الحياة. أمامك شِبَع سرور. في يمينك نِعَم إلى الأبد» (مز 16: 11).
نعم، إن الله كامل متكامل مكتفٍ في ذاته، وهو لا يحتاج إلينا ولا إلى عبادتنا ولا إلى الكون كله، ولكنه في محبته وتنازله يبدو وكأنه محتاج إلينا، وفي تدبير خلاصنا نزل هو إلى أرضنا آخذاً جسدنا وصار إنسانـاً مثلنا (فيلبِّي 2: 8،7)، وهو صنع خلاصاً بصليبه وموته وقيامته، وأراد لنا أن نناله بملء حريتنا ولم يطلب أكثر مـن أن نؤمـن به، وأن نشترك في العمل معه (1كـو 3: 9). ومـن هنـا قـال لنا: «اطلبـوا تجـدوا» (مـت 7: 7؛ لــو 11: 9)، و«اطلبوا تـأخذوا ليكون فرحكم كـاملاً» (يو 16: 24).
وهذه بعض جوانب أخرى لِمَا نحن بصدده:
1 - إن حاجتنا إلى الله، وبالتالي حاجتنا إلى الصلاة، تبدو أمراً محتوماً، وتجعل التساؤل عن لماذا يدعونا الله للصلاة شططاً منبعه الجهل (مز 14: 1؛ 53: 1؛ رو 1: 22). فنحن كلنا محاطون بالضعف (عب 5: 2) جسدياً وروحياً، ومهما كان علْمنا يظل سقف معرفتنا محدوداً، ثم إن إبليس خصمنا يجول كأسد زائر ملتمساً مَن يبتلعه (1بط 5: 8)، وشهوات جسدنا تشدُّنا إلى الوراء وإلى أسفل، ولكي نغلب في صراعنا مع العالم ورئيسه؛ فنحن محتاجون إلى قوة من الأعالي (لو 24: 49)، وإلى سلاح الله الكامل: الحق والبر والإيمان والخلاص وكلمة الله (أف 6: 13-17)، وهذه كلها وُهِبَت لنا كنِعَم من الله نستدعيها بالصلاة من أجل النصرة ونجاح مسيرة الحياة.
2 - إن الصلاة - مجرد الصلاة، أي الوقوف قدَّام الله - تغيِّرنا باطراد في مدارج القداسة، فنحن الذين في حاجة إلى الصلاة والعبادة، لكي باتحادنا بالله نصير مثله، أو كما يكتب معلِّمنا القديس يوحنا: «نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أُظهِرَ نكون مثله، لأننا سنراه كما هو» (1يو 3: 2)، وكما يكتب معلِّمنا القديس بولس: «ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف (إذا كنا نعيش التوبة فلا يفصلنا حاجز الخطية) كما في مرآة نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح» (2كو 3: 18)، ومعلِّمنا القديس بطرس يشير إلى المواعيد العظمى والثمينة لكي نصير بها «شركاء الطبيعة الإلهية» (2بط 1: 4).
3 - إن الله بغير شك يعرف كل احتياجاتنا قبل أن نطلبها. وفيما يتعلَّق بالمطالب الجسدية قال لنا الرب: «... أن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها» (مت 6: 32)، وهو يهبها لكل البشر بغير تميُّز وبغير سؤال: «فإنه يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والظالمين» (مت 5: 45).
ونضيف هنا أن النجاح المادي في الحياة وبلوغ الغِنَى والشهرة والمراكز والتأثير، هذا كله يناله الذين يبذلون ويجتهدون ويعملون، وجهود العلماء تقود إلى مخترعات تغيِّر وجه الحياة وتدفع إلى التقدُّم، والبحوث الطبية تثمر وسائل للعلاج ومكافحة الأمراض، وبعضٌ مِمَّن يعملون في هذه المجالات ملحدون أو يؤمنون بآلهة أخرى. حتى الأشرار واللصوص لا يعرقل الله خطواتهم (إلاَّ بطلب مَن يلتمسون حمايته)، فهم يستولون على حقوق الغير، ويُكدِّسون الأموال، ويظلمون وينشرون الفساد، وربما يفلتون من ملاحقة القانون وسيف العدالة والخصوم، وقد لا يُصيبهم مرض أو يتعرَّضون للآلام، وقد لا يدفعون الثمن هنا على الأرض وينتظرهم الحساب يوم الدينونة.
4 - إن الله، إذن، لم يُطالبنا أن نسأل من أجل حاجات الجسد، وإنما وَعَدَ أنها تُزاد لنا (مت 6: 33؛ لو 12: 31) إذا جعلنا همنا الأول العطايا الروحية المتعلِّقة بالملكوت سواء للفرد أو للكنيسة والخدمة، وهي ما طالبنا بالصلاة من أجلها: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره» (مت 6: 33؛ لو 12: 31)، ويتعلَّق بهذا وصيته لنا بالصلاة من أجل النجاة من التجارب التي قد تهدِّد حياتنا الروحية: «اسهروا وصلُّوا لئلا تدخلوا في تجربة» (مت 26: 41؛ مر 14: 38؛ لو 22: 40)، «لا تُدخِلنا في تجربة» (مت 6: 13؛ لو 11: 4). والله لا يُلقي ملكوته وبره رخيصاً دون أن يُظهِرَ الإنسان حاجته إليه، فهو الذي قال لنا: «لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرركم قدَّام الخنازير» (مت 7: 6). وهذا بالأَوْلَى ينسحب على عطية الله الثمينة هذه.
والرب عندما قال: «اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يُفتح لكم، لأن كل مَن يسأل يأخذ، ومَن يطلب يجد، ومَن يقرع يُفتح له» (مت 7: 8،7)؛ فهذا يعني أن العطية جاهزة مُهيَّأة، ولكن لِمَن يسأل ويطلب؛ والباب سوف يُفتح، ولكن لمَن يقرع. فهو لا يريد أن يُجبرنا على فعل شيء لا نريده. فأنْ أطلب معناه أني أُريد، وتوفُّر الإرادة نابع من الإحساس بقيمة العطية والحاجة إليها، والرغبة التي لا تذبل من أجل نوالها، والإيمان بصاحب العطية وصِدْق وعده. وهي إذ تلتقي مع إرادة الله المكتوب عنه أنه «يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يُقبلون» (1تي 2: 4)، تنال النفس مبتغاها. وقد رأينا في الكتاب أن الذين لم يريدوا لم يخلصوا وتُرك بيتهم لهم خراباً (مت 23: 38؛ لو 13: 35).
5 - وفي مَثَل قاضي الظلم يُشير الرب إلى أولئك «الصارخين إليه نهاراً وليلاً وهو مُتمهِّل عليهم» (لو 18: 7)، وهو يقصد النفوس الجادة المجاهدة، والمثابرة الصابرة، التي لم يتراجع إيمانها في الله يوماً، وتمهُّل الله عليهم ليس إهمالاً أو إذلالاً، وإنما لامتحان إيمانهم وتزكيته ولتعظيم مكافأتهم، وبالتالي ينصفهم الله ويعتبرهم مختاريه. كما أن معلِّمنا القديس بولس يطلب من تلميذه تيموثاوس ومِن كل مؤمن أن «اشترك في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح... وإن كان أحد يُجاهد لا يُكلَّل إن لم يُجاهد قانونياً» (2تي 2: 5،3). والجهاد القانوني يتضمن هذا التذلُّل والتوسُّل الذي سرعان ما يؤتي ثماره باستجابة الله بحسب مشيئته.
ومَن يحصل على الجائزة بعد الجهد سيشعر بقيمتها ويحافظ عليها. أما النفوس الجامدة المتكاسلة والمستهترة التي لم تختبر الجهاد أو تستثقل عبئه - أصحاب الوزنة الواحدة (مت 25: 18، 24-28) - فهؤلاء لن ينالوا شيئاً. فهم لا يسلكون كالبنين، وهم متغرِّبون عن الإيمان، ولا يُدركون مقدار العطية، وبالتالي فهم (حتى إذا نالوها افتراضاً) لن يحفلوا بها أو يحرصوا عليها. كما أن مَن ينال بغير تعب سرعان ما يُضيِّع ما ناله لأن ما يؤخذ سهلاً يُفقد سهلاً.
خلاصة القول، إن الله يدعونا ليس من أجله هو، وإنما من أجلنا نحن، وأن ملكوت الله وبره هو لمَن يؤمن ويطلب وليس لمَن لا يريد أو لا يسأل.
دكتور جميل نجيب سليمان

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات