الكنيسة الأرثوذكسية والمجامع المسكونية


لمحات تاريخية عقائدية



إعداد


مــيــلاد جــبــارة

معلومة

المقال منشور في مجلة العربية الصادرة عن أبرشية بصرى حوران وجبل العرب والجولان في العدد الخامس (الجديد) للعام 2008
والرجاء كل الرجاء عدم نشر هذا المقال في أي موقع إلكتروني آخر وذلك بأمر المحبة طبعاً وسينشر تباعاً هنا في الموقع


المقدمة
نعلم أن الرب يسوع المسيح اختار منذ البدء أن يؤسس كنيسة واحدة تجمع ما في السماء وما على الأرض (أفسس15:1) وعندما تجسد ابن الله الوحيد صار رأساً واحداً للكنيسة الواحدة التي بناها (متى18:16) لتكون رعية واحدة لراعي واحد (يو 16:10) وهو ذاته يعرف بحكم كونه الإله الخالق العارف مكنونات القلوب الزارع المحب البشر أن العدو لا بد سيزرع زؤاناً في وسط الحنطة (مت 13: 24-30) وأنه سيقوم أنبياء كذبة كثيرون وسيضلون كثيرين (مت24: 11) وصار هذا الأمر من أيام الرسل وحتى عصرنا الحالي حدثت انقسامات وانشقاقات متنوعة في الجسد الواحد لأسباب بشرية فلجأت الكنيسة ومنذ عصر الرسل لعقد المجامع للبحث في الأمور المختلف عليها وإقرار الرأي السليم حولها وبعد توقف الإضطهادات عانت الكنيسة من شيء أمر منها إضطهادات من نوع آخر هي إضطهادات هرطوقية نفثت السم في الجسد المسيحاني وصارت تهدد وحدة الجسد الكنسي ووحدة الإمبراطورية البيزنطية السياسية مما دعا الأباطرة لعقد المجامع المسكونية والتي دعيت هكذا لأنه كان يحضرها أساقفة من شتى أنحاء المعمورة والتي صارت رغم ضرورتها سبباً لانشقاقات جديدة في الكنيسة كما سنرى لاحقاً وعرَّف آباء الكنيسة الهرطقة بأنها الخروج عن الإيمان المعروف والإتيان بما هو خارج عن التقليد الآبائي وشدّد أبينا الجليل في القديسين مرقس الأفسسي[1] على أنها الحيدان عن الإيمان ولو قليلاً.

والهرطقة تحدث أضراراً بالغة تبلغ الإعاقة الروحية الكاملة واستقامة الرأي هي التي تدخلنا في علاقة مع الله أما الهرطقة فتعني الانقطاع عن الله على حد قول الأب أغاثون[2] لهذا يسمي آباء الكنيسة اللا أرثوذكسيين بالملحدين لا لأنهم لا يؤمنون بوجود الله بل لأنهم يؤمنون بإله غير موجود [3] نركز في هذا البحث على فهم الاختلافات بين الطوائف المسيحية الأساسية من خلال الفروق العقائدية الواضحة بينها ونركز على الرد الأرثوذكسي على كل منها ما أمكننا ذلك ولكن لا بد لنا بداية من أن نتعرف على المجامع وأنواعها ثم نتطرق إلى المجامع المسكونية السبعة.


[fieldset=المراجع]
[1] ولد مرقس عام 1392 في القسطنطينية, ترهب في دير قرب نيقوميذية ثم انتقل إلى دير في القسطنطينية كتب في العقائد والصلاة على خط القديس غريغوريوس بالاماس, ارتسم أسقفاً على مدينة أفسس وذهب إلى المجمع الذي يبحث في الوحدة الكنسية بين الشرق والغرب كل الأرثوذكس بدوا مستعدّين للتنازل والرضوخ للأمر الواقع تحت ستار الوحدة إلاّ مرقص. ثبت على موقفه ولم يتزحزح. لسان حاله كان: "لا مسايرة في مسائل الإيمان!" وبعد فشل المجمع حورب مرقس في القسطنطينية وتوفي 1444 وقبل وفاته سلم لواء الأرثوذكسية لتلميذه جاورجيوس سخولاريوس الذي أضحى أول بطريرك على القسطنطينية بعد سقوطها بيد الأتراك باسم جناديوس

[2] راجع: مقدمة الأرشمندريت المتوحد توما بيطار في كتاب: "في إطار الحوار الأرثوذكسي – الكاثوليكي" للعلامة جان كلود لارشيه وقد ترجمه الأب د.يوحنا اللاطي, ص 3

[3] راجع: الأرثوذكسية والرهبنة, لسيادة رئيس أساقفة سيناء دميانوس, ترجمة الأب ميشال نجم في كتاب اناجيل الآحاد – الصوم الكبير والقيامة (كلمات آبائية – 2), إصدار منشورات النور - ص 376 ويورد أيضاً أن الهرطقة هي الخلط بين قوى الله غير المخلوقة والقوى المخلوقة أي أنها عدم القدرة على التمييز بين القوى المخلوقة وقوى الله غير المخلوقة نتيجة اسوداد العقل الأعلى فالكاكوذكسية وهي الهرطقة (عكس الأرثوذكسية) تقوم على التأمل الذهني لأن العقل (النوس) لم يستنير ويرى الله فسيقع في الهرطقة لأنه سيتكلم عن الإلهيات من خلال مخيلته فقط
[/fieldset]