[align=justify]
" توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات".بهذه الكلمات بدأ كل من يوحنا المعمدان وسيدنا يسوع المسيح بشارته فالتوبة هي نقطة انطلاق البشارة السارة: بدون التوبة لا يمكن أن توجد حياة جديدة، أو خلاص أو دخول في ملكوت السماوات. ولو ألقينا نظرة على كتابات آباء الكنيسة القديسين، لوجدنا أنفسنا أمام الحقيقة ذاتها التي تتكرر بإلحاح. فعندما سُئل الأب ميليسيوس عما يفعله في الصحراء أجاب:" إنني إنسان خاطىء وقد جئت إلى هنا لكي أبكي خطاياي". فليست هذه التوبة مجرد مرحلة أو تمهيد لشيء آخر، بل هي تستمر مدى الحياة. وفيما كان الأب سيسوى ممدداً على فراش الموت، رآه تلاميذه الذين كانوا محيطين به يخاطب أحدا ما فسألوه:" مع من كنت تتكلم يا أبانا ؟" أجابهم:" هاهي الملائكة أتت لتحملني وإنني أرجوها أن تدعني أتوب قليلاً بعد". فقالت له الشيوخ:" لا حاجة إلى أن تتوب يا أبانا". فأجابهم:" في الحقيقة لست متأكداً حتى أنني بدأت أتوب". أما القديس مرقس الناسك فيقول: " ليس أحد أفضل رحمةً من الله و لا أوسع رحمةً منه، لكن الله لن يغفر لمن لا يتوب...ذلك لأننا لا نُدان لكثرة خطايانا بل لأننا لم نتب عنها...".
ماذا تعني لنا كلمة توبة، في الواقع،؟ هذه الكلمة توحي لنا بشكل عام شعور بالندم على الخطيئة، والشعور بالذنب، والتحسس للألم والرهبة أمام الجروح التي سببناها لقريبنا ولأنفسنا. لكن كل رؤية مماثلة تبقى ناقصة. إذا كان الألم والرهبة هما فعلاً عنصرين أساسيين للتوبة، فإنهما ليسا التوبة بكليتها، ولا البعد الأهم منها حتى. وبالعودة إلى الأصل اليوناني للكلمة وهو" ميتانويا" الذي يعني حرفياً" تغيير النفس" وليس فقط الندم على الماضي، بل التحول الجذري لنظرتنا، واكتساب طريقة جديدة لرؤية الله، والآخر وأنفسنا.
فالتوبة ليست الندم على الذات والشفقة عليها، بل هي تحول حياتنا إلى محور واحد هام هو الثالوث القدوس.
ليست التوبة أن نحس أننا في مأزق بل هي إيجاد الحل، ليست التوبة حقداً على الذات، بل هي تأكيد لِ" الذات الحقيقية المخلوقة على صورة الله. أن نتوب لا يعني أن ننظر إلى أسفل، باتجاه النواقص الموجودة فينا بل إلى الأعلى، باتجاه محبة الله، مع كل اللوم الذي نلقيه على أنفسنا، بل إلى الأمام بكل ثقة. التوبة هي أن ننظر لا إلى ما لا نستطع أن نحققه أو نكونَه، بل إلى ما يمكننا أن نحققه و نكونَه بنعمة المسيح.
التوبة هي أن نعلم أن هناك كذبة في قلبنا، لكننا لا نستطيع أن نكتشف وجود هذه الكذبة قبل أن يكون لدينا حس بالحقيقة، فمعرفة الله هي التي تخلق حساً بالخطيئة وليس العكس.كما يقول الأب ماتويس:" كلما اقترب الإنسان من الله، رأى خطيئته الشخصية"
كثيرون هم الذين يشعرون بالأسى بسبب أفعالهم الماضية، لكنهم يقولون يائسين:" لا أستطيع أن أسامح نفسي على ما فعلت" وبما أنهم قادرين على مسامحة أنفسهم، فهم بالتالي غير قادرين على تصديق أن الله و أشخاصاً آخرين سامحوهم. هؤلاء الأشخاص على الرغم من قلقهم لم يبدأوا التوبة بعد.
إن خبرة التوبة تُعاش بقوة خاصة في سر الاعتراف. فيقول القديس تيخون أسقف زادونسك:" عندما يعطي الكاهن تعليمات حول سرالتوبة، يجب أن يخاطب المريض هكذا:" يا بني، إنك تعترف إلى الله الذي لا يُسر بالخطيئة، وأنا عبده الخاطىء أشهد بغير استحقاق على توبتك. فلا تُخفِ شيئاً ولا تخجل و لا تَخَف، فلا يوجد أحد هنا سوانا أنا وأنت و الله الذي أخطأت أمامه والذي يعلم كل خطاياك وكيف اقترفتها. فالله موجود في كل مكان وحيثما قلت شيئاً سيئاً أو فكَّرت به أو فعلته كان هو هناك و قد علم كل شيء وهو الآن معنا، ينتظر منك كلمات التوبة والاعتراف. إنك مدركٌ كل خطاياك فلا تخجل من التكلم بكل ما اقترفته. وأنا الموجود هنا خاطىء مثلك فلا تخجل إذاً من الاعتراف بخطاياك أمامي". يجب عدم النظر إلى سر الاعتراف من المنطلق القانوني فقط، بل من المنطلق العلاجي أيضاً".
ابتداءً من اللحظة التي ننظر فيها إلى الاعتراف على أنه من صنع المسيح لا من صنعنا نحن، يبدو لنا سر التوبة تحت ضوء أكثر إيجابية، إذ يكف عن إظهار ضعفنا وتشتتنا ليعكس محبة الله ومسامحته الشفائيتين. علينا أن نرى في أنفسنا ليس فقط الابن الضال الذي يمشي ببطء و خطى ثقيلة على درب العودة الطويل وإنما الأب الذي يراه من بعيد ويسرع إلى ملاقاته(لو 20:15) ويعبِّر عن هذا تيتو كولياندر بقوله:" إذا خطونا نحو الله خطوة واحدة فإنه يخطو نحونا عشر خطوات"
وفي النهاية التوبة هي دواء، أما الكاهن المخول سلطة الحل والربط فتقع على عاتقه مسؤولية كبيرة، ولكن دوره يبقى محدوداً فالله هو الذي يعطي الغفران فالكاهن أيضاً يبقى مرافقاً للتائب على طريق التوبة " خاطىء مثله وبحاجة إلى الغفران الإلهي، كما أن العلاقة بين الكاهن والمعترف متبادلة: فالأبناء الروحيون يساعدون أباهم الروحي كما يساعدهم هو. والكاهن بدوره يعترف عند أب آخر. فالاعتراف كسر – بالرغم من الخجل المرافق له- يقوينا على ترك الخطيئة، ويعطينا الدواء لننطلق ونشكر الله دائماً.
هذه مقتطفات من كتاب الملكوت الداخلي للأسقف كاليستوس وير ننصحك بمطالعته.
[/align]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات