الحب يستدعي الحب. قال الرب:" لقد جئت لألقي ناراً، وكم أود لو تكون قد أضطرمت". كما يستمد الطفل من محبة والديه له المقدرة على أن يحب بدوره الناس هكذا تنتزعنا المحبة الإلهية التي أبداها الرب نحونا من اكتفائيتنا لتلقي بنا في مجازفة الحب، حيث لا يسعنا، إذا كنا مؤمنين، إلا أن نرى في كل إنسان، أياً كان, "ذاك الأخ الذي لأجله مات المسيح". عند ذلك يصبح كل إنسان في نظرنا ذا قيمة لا تُقدّر، قيمة الدم الإلهي الذي سُكب من أجله. تلهمنا محبة الفادي أن نحب الناس بالمحبة التي أحبهم بها المسيح، "هذه وصيّتي أن تحبوا بعضاً كما أحببتكم أنا". لكن الحب الإلهي يختلف عن المفهوم الإنساني للحب. "أحب التفاح" يعني أنني أتلف التفاح من أجل ذاتي، وحب الناس للناس كثيراً ما يتخذ شكلاً ليس ببعيد عن "حب" التفاح، أحب إنساناً يعني في كثير من الأحيان أنني أريد تسخيره واستغلاله لشهوتي أو مصلحتي. أما المسيح فقد أحبنا من أجل أنفسنا وعوض أن يُسخّرنا له سخّر نفسه لأجلنا. وكشف لنا أن المحبة لاتقوم إلا على العطاء. ما يُطلب منّا ألا نكتفي بإعطاء بعض الوقت أو المال للغير بل أن يكون الغير شغلنا الشاغل وموضوع اهتمامنا الدائم، فالحب يكون بالمشاركة التي تضمد الجراح لأننا بها نكون مع المتألم وليس فوقه، كما عاش الرسول بولس " من يضعف ولا أضعف أنا من يعثر ولا أحترق أنا"، لكن هذه المشاركة يجب أن تتعدى صعيد العاطفة والمشاعر، مشاعرنا لا تهم الله كثيراً، إن ما يهمه إرادتنا. المسيح لم يتله بتعابير غنائية عن المحبة وإنما عاشها في عرق وجهاد وتسليم ذاته للموت لذا فالمهم هو توجيه إرادتي بالفعل نحو الخدمة المجانية وغير المشروطة، كما مات المسيح عنّا ونحن بعد خطأة كافرين ولا يكاد يموت أحد عن بار. فمحبتنا إذاً ينبغي أن تكون مجانية كمحبة يسوع لنا، أن نحبهم مهما كانت صفاتهم، إنسجامهم أو عدم إنسجامهم معنا، "أحبّوا أعداءكم وأحسنوا وأقرضوا غير مُؤمَلين شيئاً، فيكون أجركم كبير وتكونوا بني العلي، فإنه منعم على غير الشاكرين وعلى الأشرار". المسيحي دوماً هو البادئ بالمحبة وهكذا علّمنا يسوع من هو القريب، لقد كان اليهود يعتقدون أن القريب الذي تتوجب عليهم محبته هو من كان يشاركهم في الجنس والدين، ولكن المسيح ومن خلال مثل اليهودي الذي وقع بين اللصوص فعرّوه وجرحوه فجر وصية المحبة التي كانت في العهد القديم وأعطاها أبعاداً شاسعة وعلّمنا أن القريب ليس هو من تربطني به روابط اللحم والدم أو العاطفةأو المصلحة إنما قريبي هو من أصير أنا قريباً منه بمحبتي له. المحبة المسيحية تفرض أن نتخلق بأخلاق الله وهذا لا يتم لنا إلا من خلال اشتراكنا بقيامة المسيح. لقد كتب الفيلسوف الملحد سارتر في إحدى مسرحياته الجملة المشهورة "الجحيم هو الآخرون". ويُروى أن الفيلسوف المسيحي كبريال مرسيل كان يحضر تمثيل تلك المسرحية وعندما أُطلقت تلك العبارة سمعه أحد الجالسين بقربه يتمتم:" كلا السماء هي الآخرون". إن الاعتراف بالآخر شخصاً مستقلاً عن أهوائنا ومصالحنا الذي تفرضه المحبة المسيحية "جحيم" بالفعل للإنسان العتيق، إنه انسلاخ وموت ولكن من قَبِلَ أن يجتاز هذا الموت يشترك في صليب المسيح ويبلغ الى الله من خلال انفتاحه للآخر فتتحقق "السماء" في قلبه. محبة الفادي لتكن معنا أجمعين.
من كتاب مدخل الى العقيدة المسيحية "كوستي بندلي"
[/align]</H2>

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
.gif)

المفضلات