إن مشهد (رؤية) التجار، وسوق الحيوانات في الهيكل، كان أمراً غير لائق بقدسية المكان. فالحالة مهينة لله. أن يتحول الهيكل إلى اسطبل، إلى مركز دنيوي، إلى مكان للصرافة، فهو أمر غير مقبول، لاسيما من يسوع نفسه الذي كان يرى بيت أبيه، وقد تحول إلى بيت للمتاجرة: "ورأى في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام والصيارفة جالسين إلى مناضدهم..." (يوحنا14:2). البقر والغنم والحمام الخ... والأوساخ الناتجة عنها، بالإضافة إلى أوساخ سادتها وأصحابها، كانت كلها في الهيكل، فصار المكان سوقاً للبيع والشراء، مما حرّك غيرة الرب الشرعية، فصنع سوطاً من حبل و.... (يوحنا15:2). كان موقف المسيح جريئاً، حاسماً، ينم عن رجولة. يسوع وحده كان يقدر أن يفرض مثل هذا التدبير. وحده فقط، كان يقدر أن يحسم الأمر مع التجار والصيارفة، بدون أن يخشى مقاومةً أو ردة فعل. كان صاحب سلطان. كان رب البيت. بيت أبيه بيته، وهيكل أبيه هيكله. لذا فإن استعمال التجار للهيكل، لم يكن فقط عملاً اجرامياً وغير لائق، بل كان غير شرعي أيضاً، فصنع يسوع سوطاً أخرج به الباعة والحيوانات من الهيكل، وقلب موائد الصيارفة. لم يكن ممكناً أن يرى كل هذا الانحراف دون أن يقوم بعمل يصحح به الوضع، ويعيد الوقار والاحترام. النبي قال:"غيرة بيتك أكلتني" (مزمور10). لقد تذكر التلاميذ (يوحنا17:2) غيرة المسيح، محبته، شوقه، حبه للنقاوة، جمال الهيكل، فهذه كلها التهمت الرب كالعشب.
ان هذا المقطع المتعلق بطرد الصيارفة من الهيكل على يد الرب، يمكن فهمه، (تفسيره) بسهولة، على صعيد روحي. قلب كل انسان هو هيكل. انه هيكل حي لإله حي "ألستم تعلمون أن جسدكم هيكل للروح القدس الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم؟" هيكل قلوبنا خُلق كي يسبح الله ويعبده ويحبه، كي يخفق شوقاً إلى العريس. خُلق كي يسكنه الله نفسه المثلث الأقانيم، الآب والابن والروح القدس، بنوره وقواه غير المخلوقة.
لهذا فإن الحاجة هي إلى هيكل واحد، وقلب واحد، ينجليان بالنقاوة والانضباط الروحي. لكن يالشقاوة قلبنا غير المصنوع بيد، الذي تفوق قيمته قيمة هيكل سليمان. ليس هو من حجارة ورمل وطين. انه هيكل روحي كثيراً مانجعله سوقاً للمقايضات والمتاجرة والصيرفة. بدل المواهب الروحية والفضائل، يقتبل الحيوانات (الأهواء). بدل الملائكة، الشياطين. وبدل أن يقتبل الله على مائدته المقدسة ويعبده، يعبد الشيطان وأصنامه على مائدة اللصوص. وحالة هيكلنا الخفي تبعث في العادة على اليأس. فهي أسوأ من الهيكل العبراني الذي صادفه الرب. في هيكل قلبنا تجار أنجاس أشرار. فيه قذارة ونجاسة ممقوتة. أفكار نجسة، أفكار الجبعونيين(اندراوس الكريتي). أفكار من أعماق القلب مع شهوات، شرور، أطماع، أنانيات، وخطيئة من كل نوع تعشش وتتربى فيه. فيه أعداء وقراصنة، ظلمة وقتام وفوضى تجعله بيتاً للمتاجرة، شهوانياً ومادياً وشيطانياً. كيف يتطهر هيكل القلب اذاً ويتجدد؟ كيف ستغادره الحيوانات (الأهواء) مع نجاساتها؟ كيف سيغادره التجار الأشرار مع تجارتهم الشيطانية؟ ماهو السوط القوي الذي يأتي بالنقاوة؟ اسم يسوع هو السوط الذي يجلب حضور الرب القوي، الإلهي، والرهيب. هذا الاسم يضرب الشياطين، فيبدد الأوساخ ونجاسة الأهواء. المسيح يأتي إلى هيكل القلب حاملاً سوطاً. السوط هو المسيح نفسه. اسمه هو السوط. الصلاة باسمه هي السوط. ويقول القديس يوحنا السلمي: "باسم المسيح فلنضرب المحاربين. وذكره، فليلازم تنفسنا". وعندما نصرخ إلى المسيح بحرارة على الدوام، فإنه يرفع عنا يد الشياطين، فلا تعود تدخل إلى قلعة النفس، وهذا ربح كبير
(لنا). فالشياطين اعتادت أن تلقّن النفس الشرور خفية، مع الأفكار. ويقول القديس ذياذوخوس فوتيق بأن الشياطين عندما تدخل إلى القلب، تحتفظ به جيداً، ومنه تشن حربها محاولة ايهامنا بسخرية أن هجومها هو من خارج. المجاهد الروحي، المسيحي الحقيقي، يستمد من يدي المسيح السلاح ضد الأعداء، فيصرخ بنشوة الظفر:"كل الأمم أحاطت بي وباسم الرب قهرتها".
بين هيكل سليمان وهيكل قلوبنا بون كبير. ماهو؟ هناك دخل الرب بدون دعوة. أما هنا، فيحتاج إلى اذن للدخول. انه يريدنا أن نفتح له ليدخل. يريدنا أن ندعوه. يريدنا بالأحرى أن ندعوه على الدوام، بإلحاح، بحرارة، وبدون توقف.
"غيرة بيتك أكلتني". هل فكرنا يوماً بمقدار حب الرب وشوقه وغيرته على بيته، أعني قلوبنا؟ بكل تأكيد، فغيرة الرب قوية جداً. محبته لا تحد. انها ملتهبة أكثر بكثير مما بدا منه عندما طرد الباعة في الهيكل العبراني. انه يقول:"ها أنا واقف على الباب أقرع. فإذا سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه ويتعشى معي". (رؤ20:3).

عن كتاب (اليقظة والصلاة)
صلواتكــم