طبعاً ليس الله بعاجز ولا بحاجة لمَن يدافع عنه. لكن الإنسان يظلم الله أبداً. يتّهمه بما ليس فيه. يُسقط عليه ما هو في الإنسان عينه. فلا غرو إن انبرى مَن يدافع عن حقّ الإنجيل لأنّ القدير جعل الناس فماً له لما سام الذين قبلوه شهوداً. "أنتم شهودي يقول الربّ" (إش 43: 10). إنّي أرى يسوع وأسمعه يحتدّ ويرفع الصوت عالياً إذ يجدنا نشكّ فيه، في كل مناسبة، فيردّد ما سبق أن صفح به تلاميذه ذات مرّة: "أيّها الجيل غير المؤمن الملتوي. إلى متى أكون معكم. حتى متى أحتملكم" (مت 17: 17)؟! الإيمان بالله كثقة كاملة به وتسليم كامل له!
كأنّي بيسوع يرى الإيمان بديهيّة ضائعة في المسار الملتوي، أي غير المستقيم، الذي درج الناس عليه، أن لا يأمنوا إلاّ لذواتهم، ولا يؤمنوا إلاّ بأنفسهم وما يخصّهم دونه. يستغربون أن المصائب تحلّ بهم والخير يقلّ بينهم والفساد يستشري فيهم. يتساءلون معترضين: "لماذا صنع الربّ إلهنا بنا كلّ هذه" (إر 5: 19)؟ صار الشعب جاهلاً، عديم الفهم (إر 5: 21). ليس الله مَن يسيء إلينا. "آثامكم عكست هذه وخطاياكم منعت الخير عنكم" (إر 5: 25).
طلب تلاميذ الربّ منه يوماً أن "زد إيماننا" (لو 17: 5) فكان جوابه: "لو كان لكم إيمان بمقدار حبّة خردل لكنتم تقولون لهذه الجمّيزة انقلعي وانغرسي في البحر فتطيعكم" (لو 17: 6). كأنّي بيسوع يقول لتلاميذه إنّه لا إيمان لهم! لا يحتاج الإنسان إلى إيمان كبير ليتحسّس عمل الله، يحتاج إلى الإيمان وحسب. بعد ذلك يُعطى لكم ويُزاد (مت 13: 12). وإن كان للإنسان إيمان بالله فإنّ كلّ شيء يصير مستطاعاً له (مر 9: 23) وكلّ ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه (مت 21: 22). فإذا لم تَجْرِ النعمة رقراقة في حياة العباد فهذا، بكلّ بساطة، لأنّهم لا يؤمنون ولو ظنّوا غير ذلك. ثمّة موقف كياني لدى الإنسان متى توفّر استدعى النعمة، وإن غاب انحجبت تلقاء. أبو الولد الممسوس سأله الربّ يسوع إن كان يستطيع أن يؤمن فأجاب بدموع: "أؤمن يا سيّد فأعن عدم إيماني". هذا جواب كلاسيكي للمؤمن الحقّ أنّه يؤمن ولكنّه يدرك أنّه بلا عون الله لا يكون إيمانه فاعلاً. يكون كأنّه عدم إيمان. في الإيمان، إذاً، ما هو من الله وما هو من الإنسان. هناك جانب إلهي وهناك جانب بشري. ما هو من الإنسان، إن توفّر، يستدعي ما هو من الله. وما هو من الله، إن أُعطي، يثبِّت ما هو من الإنسان ويزيده.
دائماً ما يقلقني قول السيّد: "متى جاء ابن الإنسان ألعلّه يجد الإيمان على الأرض". (لو 18: 8). هذا يعني أنّ الإيمان، في حركة التاريخ، إلى زوال أو إلى ما يقرب من الزوال. ليست المسألة ما يظنّه الناس أنّهم عليه بل ما هم عليه حقّاً. الإيمان يفعل، يستحضر نعمة الله، فإن لم يفعل فهذا لأنّه يكون عقيماً، أي، عملياً، غير متوفّر. والسؤال يُطرح: كيف يمكن أن يشعر الإنسان بأنّه مؤمن ولا يكون مؤمناً؟ هناك إيمان نفساني وهناك إيمان كياني روحي. الإيمان النفساني ينشىء شعوراً والإيمان الكياني الروحي ينشىء موقفاً. في الملمّات يستبين الإيمان الشعوري عاجزاً لأنّه يكون مضروباً بالشكّ وبتمسّك الإنسان بإيمانه بنفسه أولاً دون الله. إيمانه بالله يشاؤه داعماً لإيمانه بنفسه.
والسؤال يُطرح أيضاً: ما الذي أولد هذا الانفصام الإيماني، بين إيمان نفساني وإيمان روحاني؟ ما الذي زاد الإنسان شكّاً وجعله يزداد إيماناً بنفسه دون الله؟
أولاً إنّه لواقع أنّ الإيمان لأكثر الناس بات يعني الإيمان بأنّ الله موجود وهو الخالق. كذلك بات يعني مَن يتّكىء عليه الإنسان في صعوباته النفسيّة وحاجاته الإنسانيّة والماديّة متى كان عاجزاً. الإنسان، في المجتمع الاستهلاكي، المتحرّك، ذي القيم المتغيِّرة بسرعة، بحاجة إلى نوع من الطبيب النفسي القدير لأنّ القلق والعزلة والخوف على المصير يقضّه. لذا يلجأ العديدون إلى الله إلى أنواع من الصلاة العاطفيّة بمثابة مخدّر نفسي يريحهم ويبعث فيهم الطمأنينة. حياة هؤلاء لا تتغيّر، في العمق، كثيراً. نوعية الحياة تبقى، في أساسها، إيّاها لديهم. لا يعرفون معنى التوبة، يذهبون إلى الكنيسة ويتناولون القدسات، ولكن تبقى، بعامة، ثرثراتهم وشهواتهم وغضبيّتهم، وتبقى إدانتهم للآخرين وأكاذيبهم وفجورهم وقلّة استقامتهم. لا يتغيّرون ولا يريدون أن يتغيّروا! الصلاة لا يواكبها تغيير في المسرى. هؤلاء يعتمدون على أنفسهم أولاً، على ذكائهم وقدراتهم، ولهم رأيهم وهم متمسّكون به. يلجأون إلى الله في ما هم عاجزون عنه. أما في ما هم قادرون عليه فالله ينظرون إليه كداعم لهم. "الله معنا"!. عملياً الله عند هؤلاء أدنى إلى الكائن المختلق، على صورة فكر الإنسان وقواه النفسيّة وحاجاته. إذاً لا يختلف، في شيء، عن الوثن! وثن فكري!
أكثر ما ساعد على إيلاد هذه الحالة، في التاريخ، صحوة العقل. طبعاً، منذ السقوط كان الإنسان مائلاً، تلقاء، عن الله. أما الآن فقد تنبّه إلى قوّة العقل كما لم يعرف في أي وقت مضى. العلوم والتكنولوجيا زادت الإنسان اغتراراً بنفسه، والاغترار بنفسه جعله أكثر رسوخاً في عبادة نفسه من خلال الحضارة التي أنجز. ذاق شيئاً من طعم الألوهة التي طالما اشتهى. صار مؤمناً بنفسه أكثر من أي وقت مضى. العقل أنجب القوّة والقوّة أخضعت الأرض والأرض سُخِّرت للاستهلاك بشكل لا نظير له، والاستهلاك جعل أهواء النفس تتفتّح على نحو هائل، وأهواء النفس ملكت على الإنسان فصار الإنسان عبداً لجسده وراحته ومتعته وخياله. المناخ الذي بات البشر مستأسَرين له جعل الإنسان آلة أهواء وأضعف قوّته الإنسانيّة الداخليّة. الإرادة وهنت. إرادة الإيمان الفعلي بالله قلّما عادت في الوارد. عملياً لم يعد بإمكان الإنسان أن يؤمن بالله إلاّ استثناءً. وهكذا، استحال الإيمان بالله جملة انفعالات وأفكار. لا توبة حقيقيّة. لا صوم يُذكر. لا صلاة من الكيان. لا فضائل. لا حياة جديدة في الروح. لا ملكوت سموات. عاد الإنسان إلى بقايا الصالحات في طبيعته البشريّة الساقطة. تحوّلت العقائد لديه إلى نصوص كأنّها بلا معنى والعبادة إلى طقوس خواء والحياة الروحيّة إلى أخلاق عامة لا يختلف فيها المسمّى مؤمناً بيسوع عن غير المؤمن في شيء. الكنيسة كجسد المسيح تحوّلت إلى مؤسسة دهرية تزكّي، في أحسن الحالات، القيم الإنسانيّة في هذا الدهر: الحرّية، العدالة، المساواة، حقوق الإنسان... حتى لا نتكلّم على القيم غير الإنسانيّة التي اجتاحت الجغرافيا والإنسان وثبّتت أقدامها بين المدعوّين مسيحيّين أنفسهم: الفردية، التفلّت الأخلاقي كتعبير عن الحرّية، الاستغلال السياسي والاقتصادي، الاستعمار الإعلامي وما إلى ذلك...
في مثل هذا الجو صار الإيمان بالله شبه مستحيل. القمح لا ينبت في القلوب المحجرة. الوجدان صار محشوّاً بالمضادات الإيمانية وبما لا ينفع. أضحى أوهى من أن يستجيب لمتطلبات الإيمان بالله. فلم يعد غريباً ولا عجيباً أن نرى ونقرأ القولة الإنجيليّة: "متى جاء ابن الإنسان ألعلّه يجد الإيمان على الأرض" (لو 18: 8) تتحقّق!
كأنّ الإنجيل، بعامة، في هذا الزمان، لقوم كانوا، ذات يوم، من خارج هذا الكوكب حطّوا بيننا ثمّ ارتحلوا!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
المفضلات