إرادة الله الحرّة في خلق الإنسان:
فَخَلقْ الإنسان بحسب القديس كيرلس هو فعل من إرادة الله الحرة. "إرادة الله كانت كافية لخلق كل شئ[]. الله خَلَقَ الإنسان لأنه أراد ذلك وليس لأنه كان مضطرًا. "الله حر وليس مقيدًا بشئ . لهذا السبب يشدّد القديس كيرلس على حقيقة أن "الله كائن فوق كل احتياج . الله لا يمكن التحكم فيه من أي ضرورة خارجية حتى لو كانت هذه الضرورة تتفق مع إرادته، لأنه إن فرضنا ذلك سيكون هناك شيء خارجي أعلى وأقوى من الله. إذن فعبارة "إرادة الله فقط كانت كافية لخلق كل شئ" يُفهم منها:
* أن إرادة الله هي المصدر الوحيد للخلق.
* وأن إرادته كانت كافية للخلق.
وعليه فَخلْق الإنسان هو نتاج إرادة الله الحرّة ومحبته وقصده، وفعله الحر. وفي فقرة واحدة ـ على الأقل ـ يتكلّم ق. كيرلس عن نوع من الالتزام من جهة الله نحو خلق الإنسان. بما أن الله صالح أو بالأحرى هو الصلاح ذاته "كان من الضروري أن تمتلئ الأرض بالخليقة العاقلة التي تَقدِر أن تمجده (تسبحه) . وهنا يتكلّم القديس كيرلس عن التزام أدبي لله، هو خلق الإنسان لأنه أراد ذلك، وليس لأنه كان غير ممكن أن يفعل غير ذلك. لقد أراد الله أن يخلق كائنات أخرى لكي تشترك في سعادته وغبطته ومجده.
بما أن خلق الإنسان هو فعل من إرادة الله، فلا يكون الخلق عملية ضرورية للطبيعة الإلهية، ولا فيض من جوهر الله. "الله الآب لم يخلقنا من طبيعته الخاصة ، وعليه فالإنسان ليس هو من جوهر الله بل هو ابن الله بالتبني أو بمعنى آخر هو مخلوق دُعى للدخول في علاقة حميمية مع الله.
معنى الخلق من العدم:
وفي حديثه عن الخلق "من العدم"، لا يفهم القديس كيرلس الخلق كإنتاج من العدم، كأن هذا العدم مادة شكَّل الله منها العالم المخلوق والإنسان. لكن الخلق من العدم عند ق. كيرلس ـ كمثل جميع الآباء ـ يعنى أنه خلق بدون استخدام أي مادة سابقة. فيقول: "المادة لم تكن شريكة مع الله في الأزلية، ولا غير مولودة مثل الله، ولا شاركت الله الأزلي في الوجود، نظرًا لأنها جُلبَّت ذات مرّة للوجود، أما الله فكائن على الدوام. ولا المادة المتغيرة كانت مشابهة لله غير المتغير والثابت على الدوام، ولا القابلة للفساد كانت مشابهة لله الغير قابل للفساد، لكن العالم المادي جُلِبَّ من اللا وجود إلى الوجود وفقًا لإرادة الله. مرّة أخرى نحن لا نقول أن الله شَكَّل العالم من مادة سابقة، بل بقدرته الإلهية جَلبَ إلى الوجود ما لم يكن موجودًا بتاتًا قبلاً .
أما عن الكيفيّة التي خلق الله بها العالم والإنسان خاصةً فهذه تبقى مسألة مخفية، لذلك يجب أن تُقبَل بالإيمان. فيقول: "الكتاب المقدس يقول أن الله خلق الإنسان، لذلك هذه حقيقة وفوق أي شك، ونقبلها بالإيمان، لكن كيف، من أين، من ماذا خلق الله العالم، السماء والأرض وكل الخليقة؟ ـ ليس هناك ضرورة من مناقشتها – فما يقوله الكتاب المقدس بغير وضوح كثير، ينبغي أن يُقبَل في صمت .
الإنسان وغاية وجوده:
في كل ما سبق يتكلّم القديس كيرلس عن عِلة خلق الإنسان، إلاّ أنه يشير إلى هدف نهائي لخلق الإنسان، لأننا لا نستطيع أن نفصل كلاً من النقطتين: أى عِلة خلق الإنسان عن الغاية من خلقه.
فبما أن الإنسان خُلق بإرادة الله الحرّة وليس كمسألة قدرية، إذن فمن الضروري أن نفكر في غاية خلق الإنسان. الله بكل تأكيد هو كائن عاقل وأعماله مستحيل أن تكون غير عاقلة. وعليه فقضية نهاية أو غاية العالم، وبناءً عليه غاية الإنسان أيضًا، يجب أن تُفهَم ضمنيًا حسب الإيمان المسيحي بشكل مباشر في إطار محبة الله وحكمته. فالعالم والإنسان لهما نصيبًا في محبة الله وحكمته.
ولهذا السبب يقدّم ق. كيرلس في كتاباته غاية وقَصد خاص لخلق الإنسان، هذه الغاية يجب أن تكون بلا شك أفضل الغايات، غاية جديرة بالله وهى الأفضل لسعادة الإنسان. " نحن قد خُلِقنا من أجل أن نوقره وحده ونقدم له ترانيم حَمدَنا .
يجد القديس كيرلس الهدف الخاص لخلق الإنسان في الله ذاته، في مجده، في تعظيم اسمه وصفاته المميزة .
فإن كانت غاية الإنسان خارج الله، لكان يبدو الله كمعتمد على غيره، لكن الله في كماله مستحق لكل تعظيم، وحيث إنه لا يوجد شئ أعظم من الله نستطيع أن نجد بسهولة غاية الخلق، ليس في الخليقة بل في الله.
الإنسان يَخُّص الله، لذلك فغايته توجد في بقائه أمينًا لخالقه، في كونه متآلفًا مع إلهه، وفى علاقة وشركة مع الإنسان الآخر، وفي تعظيمه لاسم الله. ويتكلّم القديس كيرلس عن الإنسان بتعبير أنه مخلوق ويفهم العلاقة بين الله والإنسان كعلاقة بين الخالق والمخلوق. "العالم هو ملك الله لأنه قد خُلِق بالله . وعندما يتكلّم ق. كيرلس عن دور الإنسان فإنه يجد غاية الإنسان تكمن في تمجيد الله، وفى تفهمه واحتوائه للآخر.
من ناحية أخرى، الله ليس لديه احتياج لشيء، وبالتالي لا يحتاج لأي تمجيد من خارج، من أي خليقة. هو إله المجد بذاته. الإنسان في تمجيده لله لا يضيف أي مجد أكثر أو أية غبطة أكثر للخالق، لأن الله هو السعادة ذاتها. الإنسان يُمَجِّد الله في وعي لما يفعل لأنه كائن عاقل، فهو خُلق بطريقة خاصة ومختلفة عن جميع الخلائق ولذلك كرَّمهُ الله بطريقة خاصة، إذ خلقه على صورته ومثاله.
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات