نظرة المسيحيّة إلى الإنسان عامة
وإلى الآخر المختلف دينيًا خاصةً
من وجهة نظر أرثوذكسية شرقيّة
د. جوزيف موريس فلتس
مؤسسة القديس انطونيوس
المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية - القاهرة
العلاقة المتبادلة:
في موضوعنا الذي نتناوله اليوم يصدق القول:
" عندما تتحدث عن الله يجب أن تتحدث عن الإنسان، وعندما تتحدث عن الإنسان يجب أن تتحدث عن الله".
فهناك إذن علاقة متبادلة بين الله والإنسان. والحديث عن الله ـ وباليونانية Θεολογία أو Theology ـ في المسيحيّة بصفة عامة وفى الكنيسة الشرقية بصفة خاصة، كان له معتقده ونظرته للإنسان، ولهذا فإننا صرنا "نفهم" الله من خلال الإنسان و"نفهم" الإنسان من وراء "فهمنا" لله.
العِلّة والغاية من خلق الإنسان:
وفى إطار حديثنا عن نظرة الأرثوذكسية الشرقية إلى الإنسان بصفة عامة يجب أن نتحدث أولاً عن عقيدة الكنيسة من جهة "خلق الإنسان". فالكنيسة الأرثوذكسية الشرقيّة تعتقد أن الإنسان قد "خُلِق على صورة الله ومثاله
لأن هذه العقيدة تمثل بُعدًا أساسيًا وجوهريًا في التعاطي مع موضوع الإنسان وغاية وجوده. فلا يمكن أن يكون هناك إجابة على التساؤل عن غاية الإنسان وهدف وجوده إلاّ إذا وضعنا أمامنا هذه الحقيقة الكتابية والإيمانية بأن الإنسان قد خُلق على صورة الله ومثاله. ولقد حاول الكثير من آباء الكنيسة المعلّمين تفسير آية سفر التكوين هذه ليس فقط في حديثهم عن ماهية الإنسان Anqrwpologίa) ـAnthropology) بل وأيضًا في سياق حديثهم عن ما فعله الله منذ أن خلق الإنسان حتى جاء المسيح، أو ما يُسمى "بسرّ التدبير الإلهي" أو بعبارات أبسط سر "عناية" الله بالإنسان.
معنى ”الخلق على صورة الله ومثاله”:
ولم يكتف آباء الكنيسة الذين شرحوا عقيدتها بإيضاح هذه الحقيقة بل عملوا على شرح كل ما تعنيه هذه العقيدة حتى وإن كانوا لم يتفقوا على تحديد صفة واحدة بعينها في الإنسان لتعبر عن أنه مخلوق على صورة الله ومثاله. ومنذ وقت مبكر كان من الأمور المُسلّم بها أن الصورة تقوم على الاتصال بالأصل، وبما أن الله حال حلولاً مباشرًا في أعماله فإن الصورة الإلهية تعنى أولاً أن الإنسان يكون له صلة وجودية مع الله من عمق قلبه وصميم كيانه لأننا مخلوقين للدخول في علاقة مع الله لكي يكون لنا نصيبًا في الحياة الإلهية. وكما يقول القديس أثناسيوس بأن الله لم يكتف بخلق الإنسان مثل باقي الكائناتغير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما، ولهم بعض من ظل (الكلمة) وقد صاروا عقلاء أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية حياة القديسين في الفردوس
غير أن الصورة الإلهية ترتبط بصفات إنسانية محددة مثل العقل والعقلانية والحرية والقدرة على إدراك الحقائق الروحية والتمسك بالفضائل مثل الصلاح والحكمة والعدل والرأفة والمحبة والإحساس بالآخر والتألم بألمه والفرح لفرحه. ويرتبط بهذا كله ما قد أُعطى للإنسان من أن يكون "متسلطًا" ليس فقط على شهواته أى على تلك النزعات الحيوانية في داخله بل أيضًا التسلط على الأرض وبقية الكائنات الحيّة. كما أننا يمكن أن نعتبر أن ما "يبدع" فيه الإنسان فيما تمتد إليه يديه فى المجالات المتعددة، هو صورة لما نراه من "إبداع" الله الخالق.
أبعاد ”الخلق على صورة الله ومثاله”:
كل هذا يعنى أن الصورة الإلهية في الإنسان هى متعدّدة ولا يمكن حصرها في صفة واحدة بعينها وبالتالي كما يقول القديس غريغوريوس النيسى إن الإنسان يعكس صورة الله غير المدرك -- وكثير من الآباء الشرقيين ـ وإن لم يكن كلهم ـ يميّز بين: على "صورة" الله وعلى "مثال الله". فالصورة بالنسبة لأولئك الذين يميزون بين اللفظين تدل على "إمكانية" الإنسان على الحياة في الله، و"المثال" يدل على تحقيقه لهذه القدرة أو الإمكانية. الصورة هى كل ما يمتلكه الإنسان منذ البداية والتي تمكنه من أن يضع خطاه في المحل الأول على الطريق الروحي. أما الشبه فهو ما يرجو أن يصل إليه في نهاية رحلته... وبحسب القديس إيريناؤس فإن الإنسان في بدء خلقته كان "مثل طفل صغير واحتاج أن "ينمو" إلى كماله. بعبارة أخرى فإن الإنسان في بدء خلقته كان بريئًا وقادرًا على التطوّر روحيًا (الصورة) لكن هذا التطوّر لم يكن حتميًا أو أوتوماتيكيًا، فلقد دُعى الإنسان للتعاون مع نعمة الله. هكذا من خلال الاستخدام الصحيح لإرادته الحرة فإنه ببطء وتدريجيًا يمكن أن يصير كاملاً في الله (الشبه أو المثال). ويُظهر هذا الأمر كيف يمكن لمفهوم الإنسان كمخلوق "على صورة الله" أن يُفسر بالأحرى بمعنى ديناميكى متحرّك لا استاتيكى ساكن. وهذا لا يعنى بالضرورة أن الإنسان قد وهبه (الله) منذ البداية كمالاً محققًا بالكامل وأعلى معرفة ممكنة، بل إنه ببساطة قد أُعطى الفرصة لينمو إلى علاقة كاملة مع الله وأيضًا علاقة مع الآخرين. هذه العلاقة التي هى غاية الإنسان وهدف وجوده .
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات