[glint]
الزهور لا تنمو بلا سقاية
د. اسكندر لوقا

[/glint]
[frame="10 95"]
في اعتقادي ان من يقرأ للمطران جورج خضر، مطران جبل لبنان، رأياً حول اي مسألة اجتماعية راهنة تعاني منها بلادنا خصوصاً في منطقتنا، لا يملك الا التوقف عنده ملياً، يدقق في الكلمة، يتفحّص آفاقها، ما ترمي اليه، وما يريد منها قائلها تحديداً.
وحتى يتبين القارئ هدفي من توقفي عند المسألة التي سأنطلق منها، فليسمح لي سيادة المطران ان اجتزئ من آخر مقال قرأته له قبل ايام يروي فيه قصة زوجين قائلاً: "مرة شكت لي امرأة زوجها وهما ميسورا الحال. استدعيته وسألته عن الامر فأخذ يحكي لي كم يغدق عليها من اموال وما يتيح لها من فرص السفر. فاتحتها في ذلك قالت انه لا يحرمني شيئاً لكنه يحرمني ذاته. اعرف ان ثمة ناساً منهمكين في الواجب المهني وان الوقت الذي يبذلونه لرعاية اولادهم قليل واحياناً يساوي الغياب. لكن المشكلة ان الولد لا ينمو وحده ولا يهم وحده ولا يتهذب وحده. اعرف ان الظروف تختلف وانك لا تستطيع ان تعيل ذويك ما لم تغب عنهم. ولست هنا لأعرض عليك حلولاً، لكنك تواجه مسؤولية رهيبة بجعلك هذه الزهور المحيطة بك تنمو بلا سقاية".
ان من يدقق ملياً في كلمات هذه الفقرة او تنطبق بتفاصيلها على حياته، يكاد يصعق لشدة وقعها على كيانه. ولكن، مع هذا، سيعود في نهاية المطاف الى سؤال نفسه عن معالم الطريق الذي سيوصله الى اولاده، في حال غيابه القسري عنهم، ومن دون ان ينتقص من احتياجاتهم اليومية شيئاً قد يجعلهم متعطشين اليه، وبالتالي، قد يندفعون للحصول عليه بطريقة من الطرق، وقد تكون الطريقة المختارة ملتوية تحت ضغط الحاجة او السعي لتقليد من يمتلك اكثر مما هو بحاجة اليه، وسوى ذلك مما يغري شبان وشابات هذه الايام، لارتكاب خطيئة.
ان قدراً كبيراً من صدقية هذه الالتفاتة الى واقع الامر في زمن سقوط الانسان في التجربة، على نحو ما نقرأ ونشاهد على الشاشات الفضائية، لا بد ان تأخذ حقها من التقييم، لان ما يُقرأ ويُشاهد يضع اولادنا واحفادنا امام الامتحان – المنعطف في حياتهم. وبذلك، وايضاً بسبب من انعدام مقومات الحالة التشاركية بين افراد الاسرة يكون السقوط غالباً في امتحان تخطي خطر الاستسلام لمغريات النزعات الكامنة في النفس البشرية الباحثة عن سبل اروائها بشكل او بآخر. ولهذه الاعتبارات يبقى السؤال دائماً، خصوصاً في ظروف القهر الاجتماعي التي نحياها، نحن ابناء العالم الثالث كما نسمى ظلماً، يبقى السؤال اين هو المفر؟
ان ظروف القهر التي نحياها لا نرى لها نهاية، ولن تكون لها نهاية، بحسب اعتقادنا، ما دمنا لا نحسن استخدام ثرواتنا للارتقاء بمجتمعاتنا العربية عموماً الى مستوى الاكتفاء الذاتي، فيما ارضنا العربية غنية بكل ما يوفر لزهورنا، سواء في داخل منازلنا، او في حقولنا وبساتيننا، السقاية الكافية لنموها وبقائها عنوان شباب دائم الخضرة.
وقد اكون مصيباً بقولي ان المسألة التي عناها المطران جورج خضر اصلاً، بما يملك من نفاذ الرؤية وشفافيتها في كل ما كتب وما سوف يكتب، تتعدى المنزل الى ما وراء جدرانه، وصولاً الى المجتمع بكل ابعاده، لان الانسان بارتقاء مجتمعه يرتقي وببقائه في وضعية الحاجة المستدامة الى متطلبات التعلم والغذاء والمسكن والضمان الصحي وما الى ذلك من مقومات شعوره بأنه انسان جاء الى الحياة ليعيش بفرح وطمأنينة، لا بد ان يفقد جملة او بعضاً من حواسه، فلا يرى حينئذ الحياة سوى انها مرحلة عبور عتبة من ظلام رحم الام الى ظلام رحم الارض!!

[/frame]