أحد الخامس عشر من لوقا


"طلب أن يرى يسوع، ولم يقدر من الجمع لأنه كان قصير القامة".




الكثير منا، يا أحباء، يؤثر أن يرى يسوع، أن يحيا معه، أن ينعم بالقرب منه، وأن ينال عطاياه التي لا تنقطع؛ ولكننا في الآن ذاته نجد أنفسنا غير قادرين على الاقتراب من يسوع، لا بل نذهب أبعد من هذا بوضعنا اللوم على يسوع لكونه بعيداً عنا، ولكونه لا يريدنا، ولا يعطينا ما نطلب منه. وحقيقة الأمر هو أننا العاجزون عن رؤيته عجز زكا، عاجزون لأننا قصيرو القامة. فظلمنا لأقربائنا، غشُّنا، كذبُنا، خطايانا بمجملها تقزِّمنا، تحِّجمنا، وتضع أمامنا العراقيل حتى لا نرى يسوع، الذي ما برح يجد في طلبنا نحن الذين قد ضللنا في بحر الحياة عنه، طالبًا أن يعيدنا إلى البيت الذي كنا فيه، أي إلى الكنيسة، أمِّنا جميعاً.


زكا تجاوز قصر قامته فصعد فوق جميزة كمثل الأولاد الصغار، صعد ولم يأبه بسخرية الآخرين من قصره. تجاوز كل ما يعيقه حتى يصل إلى الرب. ونحن مدعوون اليوم لأن نسمو فوق كل أهواء ونزوات لنا، ونتجاوز كل ضعفاتنا، لنرتقي عن كل ما هو دنيوي، فتمكث كلمة الرب فينا، وتطير بنا فوق كل اهتمامات الحياة.
قد ينتقدنا البعض، وقد يديننا البعض الآخر قائلين: "متى كان هذا ابناً للكنيسة؟"، "هل صار اليوم فلان قديساً؟ "الآن يأتي إلى الكنيسة وقد عمل كذا وكذا"!!!، وقد تأسرنا أقوالهم، وتجعلنا خجلين من أنفسنا فلا نبادر نحو يسوع، ونؤثر الانكفاء على ذواتنا. وبذلك نخسر كل عطية صالحة من الله منحدرة. ولكن فلنتعلم من زكا الجرأة والشجاعة التي تجعلنا رجالاً لله أخصاء. فهو حالما دعاه يسوع قائلاً: "اسرع انزل، لأنه اليوم ينبغي أن أمكث في بيتك"، سارع دون توقف، سارع بقبوله بكل فرح. لم يوقفه أي عائق. لقد لامست محبة الله قلبه، فما كان به إلا أن أشعل نار قلبه ونار شوقه، ليشكر الله على كل عطاياه، مترجماً لمسة الحب هذه توبةً عن كل ظلم وخطيئة قد فعلها. فالخلاص قد صار في بيته، والنور قد أجلى الظلام من قلبه، فأشع رحمة على الآخرين الفقراء.
فلنتعلم هذا، يا أحباء، ولنعِ الحب الإلهي الذي دعانا للخلاص، فلنسرع ولنقبل دعوة الرب لنا لأن يمكث في قلوبنا، فهو غير بعيد عنا، "هوذا على باب قلوبنا يقرع، إن سمعنا صوته وفتحنا يدخل ويمكث معنا ويتعشى عندنا"، وإن لم نفعل فسنبقى قصيري القامة، راسخين في الدنيويات، غير قادرين على التحسس بالحب الإلهي، لأن برودة الخطيئة والأهواء ستطفئ فينا كل شعلة حب تندلع فينا.
فلنقبل الرب بفرح غير آبهين بحكم أحد، أو بانتقاد أحد، أو حتى بظلم أحد، ولننفض عن قلوبنا كل وسخ الكبرياء والخطيئة وكل ما من شأنه أن يأسرنا بعبوديته، ولنكن أبناء لإبراهيم أبي الآباء، وهذا ممكن فقط بالإيمان الذي يجعل الجميع متساوين في الكرامة أمام الله. إذ ذاك فقط وبه نستحق ابن الإنسان الذي قد جاء "لكي يطلب ويخلص ما قد هلك"، له السبح وبه يليق الإكرام والتمجيد إلى الأبد آمين.












الأب باسيليوس نصار