عظة صاحب السيادة المطران يوحنايازجي
في القدّاس الإلهي الذي أقيم من أجل راحةنفس
المثلث الرحمات
الميتروبوليت بولس بندلي
راعي أبرشية عكّار وتوابعها للرومالأرثوذكس
السبت 12/6/2008
أيها الأحباء،
نحن اليوم مجتمعون ونقيم هذا القدّاس الإلهي من أجل راحة نفس سيدنابولس. عندما نقيم القدّاس الإلهي، عادةً، ويكون المطران خادماً للقدّاس فعند الدخول الكبير ونقل القرابين، يذكر المطران ويقول: أذكر يا ربّ أولاً أبانا وبطريركنا إغناطيوس، وكنا نقول: وأخانا المطران بولس. أما اليوم، ومنذ أن انتقل، فنذكر غبطة البطريرك ومن ثم سيدنا بولس ولكننا نذكره في لائحة الراقدين بالربّ وليس مع الذينهم أحياء بالجسد. بالطبع نحن وإياكم نصلي سوية، وقد أتيتم من أماكن مختلفة، من عدة رعايا من الوادي مع الآباء الكهنة، كهنة الأسقفية والكهنة الذين أحبّوا أن يشاركونامن خارج الأسقفية، وأحبائنا الحاج أبو علي الأعسر وصحبه الكرام، فشكراً لحضوركم جميعاً بيننا.
بالحقيقة ليس باستطاعتنا، وقد أقمنا هذا القداس الإلهي من أجل راحة نفس سيدنا بولس، إلاّ أن نقول كلمة تفيه حقاً له علينا. إن ما يختلج في ذهني وقلبي يجعلني في موقف يصعب عليَّ فيهأن أتكلم. فهو سيدنا بولس، الأب والأخ الكبير والعزيز والصديق والمُحب والمحبوب،فبماذا أستطيع أن أتفوّه أو أتكلم؟
سوف أنطلق في حديثي بما سمعنا من كلام الرب في هذا القدّاس، من أعمال الرسل ومن إنجيل يوحنا. وهذه الكلمات التي سمعناها تنطبق على سيدنابولس.
في أعمال الرسل سمعناالوصية التي تقول للرسل: "وقال لهم (بولس) إحذروا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه". إحذروالأنفسكم. كم كان حذراً، رحمه الله، لنفسه ولجميع الرعية. كان كالشمعة المضاءة التي تذوب لكي تنير مَنْ حولها. كان حذراً وساهراً على نفسه وعلى الرعية وعلى خلاصها.
يتابع بولس الرسولويقول: "لذلك اسهروا متذكرين أنني مدة ثلاث سنين لم أكفف ليلاً ونهاراً أنصح كلواحد منكم بدموع"، وكذا كان سيدنا بولس. سيدنا بولس، كما تعرفونه، لم يكلَّ لا في ليل ولا في نهار. كان ينام في السيارة لأنه لم يكن لديه وقت كاف للنوم في فراشه في المطرانية، إذ لم يشأ أن يقصّر في خدمته. فكانت، بعض الأحيان، تقتضي رعايته وخدمته أن يأتي إلى سوريا إلى إحدى الرعايا وأن يعود في اليوم نفسه إلى لبنان إلى رعيةأخرى. وكان أحياناً، وأنا أعرف ذلك جيداً، يعبر الحدود مرتين في ذات النهار.
كان ينصح كل واحد بدموع. كان قلبه، تفكيره، عقله وتوجّهه هو الإنسان الآخر. لم يكن ينسى أي إنسان هوبحاجة، أو في ضيق، أو في وضع صعب. فكان لا يستطيع أن ينام مرتاحاً دون أن يسعى بكلما لديه من إمكانات لكي يُقدِّم ما يستطيع أن يقدّم له. وكان ينصح كل واحد بدموع. كان ذاك الوديع. كان ذاك الذي حينما يتكلم، يتكلم من أعماق قلبه بوداعته، بلطافته وبدموعه. كان عندما تطلب أنت منه هو يترجّاك، وكان يشكرك وكان ينصحك بدموع رغم أنك أنت الآتي إليه وأنت مَنْ بحاجة إليه.
يتابع بولس الرسول: "إني لم أشتهِ فضة أو ذهباً أو لباس أحد وإنكم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي قد خدمتها هاتان اليدان". نعم هذا هو سيدنابولس، سيدنا بولس لم يعرف الفضة والذهب، بل إن الليرة التي كانت في جيبه لم تكن له،فكان إذا مرَّ به فقير أو محتاج يقدّمها له مباشرة. وصدف أكثر من مرّة أنه كان في واجب ما، ومرّ به محتاج فأعطاه كل ما معه، لدرجة أنه عندما كان يعود إلى المطرانيةلم يكن لديه من المال ما يحتاجه لدفع ثمن وقود السيارة. ولهذا عُرِفَ بمطران الفقراء لأنه كان أبا الفقراء.
"في كل شيء بيّنت لكم أنه هكذا ينبغي أن نتعب نحن لنساعد الضعفاء" يتابع بولس الرسول. نعم يا أحبة، هذه الصفات نراها في سيدنا بولس. كان همّه الضعفاء، وكان يتعب هو ويضعف ليقوى الضعفاء والمساكين والمحتاجون.
"وأن نتذكر كلام الرب يسوع" يقول الرسول. وهل كان عند سيدنا بولس همّ آخر غير كلمة الرب مع مَنْ كان يجلس معه،ومع مَنْ يسهر معه، ومع مَنْ كان يزوره، ومع مَنْ كان يأتي إليه في المطرانية، ومع مَنْ كان يلتقي به؟ كان يقوم بعمل واحد أن يفتح فاه بتسبيح الربّ وتمجيده، والتبشير بكلمة الربّ أينما حل وأينما ذهب. كانت كلمة الربّ على فمه دوماً.
يقول الرسول عن فم الربّ يسوع: "العطاء مغبوط أكثر من الأخذ". هذه الآية ليست موجودة في الإنجيل ولكنهاموجودة في أعمال الرسل على لسان الربّ يسوع: "قال الربّ العطاء مغبوط أكثر منالأخذ". سيدنا بولس كان كله عطاء. ماذا أخذ سيدنا بولس لنفسه؟ لقد أخذ لنفسه أنهأفنى ذاته وجسده عن هذا العالم وعن أركانه لكي يعطي دون أي تمييز بين جنس وآخر، بينأصحاب أي عقيدة وإيمان. عندما كنا يوم الخميس الماضي في الصلاة من أجل راحة نفسه،أتت عكّار بكاملها إلى الجنازة، مسلمين ومسيحيين، مشايخ وكهنة، وكان الكل يقولون،بمن فيهم مفتي عكّار ومشايخها: هذا هو مطراننا وقد فقدته عكّاربكاملها.
قال الرب يسوع في الإنجيل الذي سمعناه مخاطباً تلاميذه: "هذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي"، وهذا كان عمل سيدنا بولس، فخدمته، أفعاله، عظاته، زياراته،تعزياته، أعماله، وكل ما قام به كان لكي يكون الأداة التي تُعرِّف بالإله الحقيقي ولكي يسجد له الجميع.
سوف أختم كلامي بالآية الواردة في المقطع نفسه من أعمال الرسل، التي يقول فيها بولس الرسول لنا: "إني أستودعكم يا إخوتي الله وكلمة نعمته القادرة أن تبنيكم وتمنحكم ميراثاًمع جميع القديسين"، وأرى بولس بندلي يخاطبنا من السماء مع الرسول بولس ويقول لنا القول نفسه. نعم هو معنا ولكن ليس بالجسد، إنه مع معشر القديسين الذين أرضوا الله،وكأني به في هذا القدّاس الإلهي يصلّي معنا بالروح ويقول لي ولكم وللجميع إني أستودعكم يا أخوتي الله وكلمة نعمته القادرة أن تبنيكم وتمنحكم ميراثاً مع جميع القديسين.
وفي نهاية هذا المقطع يقول الرسول (وهذا ما حدث مع سيدنا بولس): "ولما قال هذا جثا على ركبتيه وصلّى". هاهو سيدنا بولس يجثو، ولكن تلك السجدة الأخيرة بالجسد أمام ربّه بعد أن أتمّ الخدمةالمطلوبة منه. فبعد أن سمعنا وصيته الأخيرة أنه يستودعنا الله ونعمته، يجثو علىركبتيه ويسلم روحه لسيده ويطلب لنا، ونحن نطلب شفاعته وصلواته لأنه مع معشر الذينأرضوا الله.
يا أحبّة، نحن أبناء هذا الوادي، نظل مقصّرين مهما فعلنا تجاه سيدنا بولس، الذي خدم هذه الأبرشيةخمساً وعشرين عاماً (كان عنده سائقان يتبادلان قيادة سيارته لكثافة خدمته والوقت الذي كان يقدّمه لرعيته)
أعودوأقول شكراً لحضوركم جميعاً، وما حضوركم إلا هذا التعبير الصادق الذي نحمله فيقلوبنا تجاه سيدنا بولس الذي نحبه، وهو مَنْ علّمنا أن نحبه، لأنه هو الذي أحبنا،ومن محبته تعلّمنا المحبة.
صلواتناإلى الربّ الإله أن يحميكم جميعاً طالبين صلوات سيدنا بولس وشفاعاته، آمين.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات