الـرسـولـيّة
"أنا في الأتعاب أكثر"
لا شكّ أنّ كلمة "رسول" في الإنجيل تخصّ بشكل خاصّ أوّلاً الرسل الاثني عشر، وبهذا المعنى خلفاءهم المطارنة ثمّ الكهنة. لكنّنا على الرّغم من هذا الاستخدام الخاصّ لكلمة رسول، فإنّنا نجد أنّ الكنيسة كلّها مارستْ الرسوليّة في أوّل عهدها. فعلى سبيل المثال كان الإيمان بيسوع المسيح قد انتشر في روما وإنطاكية قبل وصول أيٍّ من الرسل. وأُعطي هذا اللّقب لتلاميذ بولس مثل سلوانس وتيموثاوس (1 تس 2، 7) وسواهما. وبمعنى أوسع، يشمل العملُ الرسوليّ كلَّ أتباع المسيح، فهم: "نور العالم وملح الأرض" (متى 5، 13-14). ويجب على كلّ مسيحيّ إذن أن يشترك في نشاط الكنيسة الرسوليّ، كلٌ في مستواه وحسب موهبته وعمله، مقتدين ببطرس وبولس وسائر الرسل والقدّيسين. فكيف نتمّم دورنا الرسوليّ، كلٌ منّا في مكانه وخدمته؟ من نصّ الرسالة والإنجيل تبرز ميزتان واحدة من بطرس والثانية من بولس.سأل يسوعُ بطرسَ: "أتحبّني يا بطرس؟ قال له بطرسُ: نعم يا ربّ، أنتَ تعلم أنّي أودّكَ. قال له: ارعَ خرافي". وهذا يعني أنّه بمقدار ما نحبّ يسوع بمقدار ما علينا أن نهتمّ بالآخرين وبخدمتهم، وهذه الرسالة سمّاها يسوع "رعاية". إنّ أوّل أساس في "الرسوليّة" هو محبّة يسوع ومعها محبّة ورعاية الآخرين. أيّ يجب أن نحيا بالصلاة والخدمة. تأخذنا الصلاة إلى مواجهة ومعاشرة الربّ يسوع وتجعله ساكناً في قلوبنا، لا بل تجعل قلوبنا ملتهبة إذ نشعر بحضوره – كما جرى مع تلميذَي عمواس. وثانياً علينا أن نترجم محبّتنا ليسوع فوراً بأعمال صالحة من أجل الذين يحبّهم يسوع، أي خرافه، وهي كلّ إنسان على الأرض. الرسول يمتاز إذن بمحبّة حارّة لشخص المسيح وبانتباه حيّ يقظ إلى مَنْ حوله من الناس، فيصلّي ويخدم. يتّصل المسيحيّ كرسول بسيّده ويفرز ذاته لخدمة إخوته.وفي الرسالة يعدّد بولس الرسول أتعابه التي بذلها لكي يكون أميناً للصّفة السابقة، أي لمحبّة يسوع ومحبّة الناس. وينبّهنا من البداية أنّه سيجرأ على ذكر أشياء غريبة. ويعدُّ بولس من أتعابه البعض، مثل السّجون والجلد والضرب بالعصيّ والرّجم وانكسرت فيه السفينة ثلاث مرّات وقضى ليلاً ونهاراً في العمق، والأسفار والأخطار من الداخل والخارج... والاهتمام بالكنائس، وذلك بعطش وجوع وأصوام كثيرة وبردٍ وعري...نعم دون هذه الأتعاب أو ما يشابهها سنكون مقصّرين بالأمانة لرسالتنا كمسيحيّين. كلُّ المسيحيّين رسلٌ من حيث الدعوة. لكن تحقيق وتنفيذ هذه الرسالة يحتاج لأتعاب كثيرة نضعها في خدمة الإخوة، فنعبّر عن محبّتنا ليسوع برعايتنا لخرافه، أي كلّ إنسان.الرسوليّة ليست الكهنوت فقط وتعليم الدين بشكله المؤسّساتي. الرسوليّة هي للجميع، لأنّ الجميع قادرون، حيثما كانوا ومهما عملوا، أن يرعَوا ويساعدوا مَنْ حولهم ويعبّروا عن محبّتهم للربّ.الأمّ التي تصلّي وترفع قلبها لله من جهة وتنتبه جيّداً لأولادها ودراستهم وتربيتهم الروحيّة والعلميّة، هذه تتعب فتخدم أولادها فتحبّ يسوع فعلاً. العامل والخادم والموظّف وكلّ مهنة هي أداة وطريقة أوّلاً لتزيد حرارة صلاتنا نحو الربّ يسوع وثانياً لكي نحيا فيها لخدمة مَن حولنا وليس لخدمة ذاتنا.هذه هي الرسوليّة المسيحيّة مطلوبة وممكنة عند كلّ إنسان وفي كلّ عمل أو مهنة. سرّ الرسوليّة هي "المحبّة". المحبّة التي تصلّي أوّلاً وتنتبه إلى الآخر وترعاه ثانياً.إن كنتَ تحبّني يا بطرس ارعَ خرافي. والرسول الحقيقيّ لا يترك أحداً آخر، كبولس، أوفر منه بالأتعاب. اليوم نعود لذاتنا هنا في الكنيسة وربّما بعد قليل في منازلنا وفي لحظة من الهدوء والتأمّل لنفحص ذواتنا، كيف نحبّ وهل نخدم الآخرين بما نعمله؟ إحياء ذكرى القدّيسين يعني الاقتداء بهم. "نعم نحبّك يا ربّ وسنكون وافرين بالأتعاب" كرامةً للرسوليّة التي أهّلتنا لها كمسيحيّين، سنصلّي كلمة بولس ونتبارى بها: "أنا في الأتعاب أكثر"، آمين
.بولــــس متروبوليت حلب والاسكندرون وتوابعهم
المفضلات