[read]

الجهاد الروحي


الارشمندريت يوحنا التلي



[/read]
1



- الجهاد الروحي والتوبة.


2- النسك.


3- الجهاد الروحي.


4- المواقف العملية في درب الجهاد الروحي.


5- المعوقات الأساسية لعدم التقدم في الجهاد الروحي.



1- الجهاد الروحي والتوبة :


الجهاد الروحي هو التعبير الدائم عن حياة التوبة, هذه الحياة التي لولا الخطيئة لما وجدت، والخطيئة هي التي أعطت لهذا الجهاد الروحي لونه وجوهره وشكله، فالتوبة التي هي انسحاق القلب لندامة صادقة, وتغير وتحويل في النفس البشرية، ذلك التحويل الذي يعيد النفس إلى ما كانت عليه قبل الخطيئة, لكي تكون دائماً وأبداً متجهة نحو الله على صورة تمجيد وتسبيح. النفس البشرية التي لا تمجد الله ولا تسبحه في كل حين, هذه النفس لا تعرف التوبة ولا تعرف الجهاد الروحي، لذلك فإن المعيار الذي به تكون النفس البشرية في طريق تغيرها و عودتها الصحيحة من خلال أنها تمجد الله في كل حين: (أمجد الله في كل حين ) وبالتالي (أسبح الله وأرتل باسمه ما دمت موجوداً). بقدر ما أمارس بصورة عفوية وتلقائية التمجيد والتسبيح أكون في مسيرة سوية في درب الجهاد الروحي، وبتوبة صادقة أتغير من خلالها لأقوّم درب الخطيئة وأعود وأحيا مع الله في حضنه الأبدي. هذا المسلك يملي علينا منهجاً من الحياة سُميّ النسك، فما هو النسك الذي من خلاله نتعرف على الجهاد الروحي كمسيرة طويلة تتجه ولا تنتهي إلا عندما نكون في إزاء الحضن الأبدي ؟



2- النسك :


إن الموضوع الذي نتناوله اليوم هو من المواضيع الحياتية التي نفهمها من بابها العام الذي هو النسك.
النسك هو النشاط الإيجابي لتحرير النفس، هو التمرين على الفضائل والقضاء على الرذائل والعادات الشريرة. لذلك فإن هدف النسك هو ضبط الجسد وقمعه، وعندما نقول ضبط الجسد وقمعه نعني أن للجسد دور أساسي في حياة الإنسان، فالجسد ليس صفة مادية لا دخل لها في الحياة الروحية أو النسكية، بل للجسد دور رئيسي لأنه يؤلف مع النفس الوحدة الحقيقية للإنسان، ونحن دائماً نتحدث عن الإنسان، فالإنسان بدون الجسد لا يستطيع من خلال حياته الروحية أي شيء. يجب إذاً أن نحقق ضبط الجسد وقمعه والابتعاد عن كل الانحرافات. وبالتالي نبتعد عن الطريق المتطرف أو الخاطئ فيما يسمى قمع الجسد, لأن بعض الناس منذ العصر الأول المسيحي فهموا ضبط الجسد بصورة فيها من المغالاة بقدر ما عند رفاقهم من عدم الاهتمام بقمع الجسد. وصار هناك بعض الناس الذين يحيون بكثير من الاحتقار للجسد والابتعاد عن الحياة المادية حيث أن الرسل اضطروا أن يصيغوا القانون "51" الذي ينص على ما يلي كل أسقف أو كاهن أو شماس أو من زمرة الكهنوت بالجملة ، أو أي فرد من الشعب،امتنع عن الزيجة واللحوم والخمر، لا لقصد النسك بل لكونه يشمئز منها على أنها دنسه مرذولة، ناسياً ما قيل بأن كل الأشياء هي حسنة 1 تى ( 4:4 ) فإما أن يتقوّم أو أن يقطع ويطرح من الكنيسة).




النسك على صعيد آخر يشمل كل ممارسة صادقة لأي وصية إنجيلية. فالآباء الأوائل يعتبرون الصوم والصبر على الآلام والتعذيب والسجن من أجل اسم يسوع، من أجل حفظ الإيمان، يعتبرون ذلك درب أساسي من دروب النسك, نحن بحاجة إليه في كل حين. ونحن في كل حين عندما نرى الاضطهادات الداخلية والخارجية نزداد حاجة لهذا النسك، وربما اليوم نحن في أكثر الأزمان التي تمر بها نهضتنا الروحية. لهذا يسمي اثناسيوس الكبير هذا اللون من النسك "أعظم نسك "
والناسك هو الذي يداوم على الصلاة, والطلبة, كما عبر القديس كيرلس الأورشليمي. ومعتبراً أيضاً أن حنة التي أتى الإنجيل على ذكرها هي الأنموذج الأول للإنسانة التي عاشت الصلاة والطلبة. والذي يعيش منكراً لذاته تعتبره الكنيسة ناسكاً كما أفاد كيرلس الاسكندري. وكذلك فإن الذهبي الفم يعتبر كل من يمارس الفضيلة الإنجيلية هو ناسك لأنه يدرب نفسه ويضبطها. أما الذي يتخصص في خدمة الفقراء حباً في التقوى, فإن الكنيسة تعتبره ناسكاً حسب ما أفاد يوسابيوس. إذاً هناك ألوان متعددة من النسك تتناسب مع المواهب التي يتحلى بها الإنسان مختلفاً عن الإنسان الآخر بفرادة خاصة. من خلال هذا يحق لنا أن نطرح السؤال التالي فمن هو الناسك إذاً ؟


الناسك:
هو كل مسيحي يجاهد ليحفظ وصية المسيح بإيمان وحب لأن الكنيسة تعتبر أن الحياة المسيحية من حيث واقعها العملي هي نسك. فالعمل النسكي حسب تعليم اكليمندس الاسكندري( هو برهان صدق الاختيار).
هذا التعميم الضروري لكل مسيحي لا يمنع من اعتبار نساك البرية أنهم "مختارون أكثر من المختارين"حسب تعاليم باسيليوس الكبير النسكية. أما القوانين النسكية بالنسبة للمسيحي العادي, فهي عيش وصايا الإنجيل.

3- الجهاد الروحي :
يقول الكتاب (مصارعتنا ليست مع لحم ودم بل مع رؤساء مع سلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماوات -- فاثبتوا - كونوا مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح ،وساهرين) اف ( 6: 12- 18) اعتقد أن كلام بولس الرسول هذا يوضح لنا بأن الحرب الدائمة التي تملي علينا الجهاد الروحي هي حرب داخلية وليست خارجية لذلك نحن بحاجة إلى صلاة مستمرة، وهذه هي الركن الأساسي للجهاد الروحي، ولكي نصل إلى حياة الصلاة المستمرة يجب أن نأخذ طريقنا إليها بخطوات بطيئة ولكن ثابتة، ويلزمنا جهاد منظم ويلزمنا صبر وطول أناة. الكثير يريد أن يتحرك بسرعة والكثير يتحرك بسرعة وبخطوات غير ثابتة وهذا الخطأ منذ البداية كل منا يريد أن يصل اليوم الآن في هذه الساعة إلى النهاية التي قال لنا الآباء الشيوخ بعد اختبارات عشرات السنين بأنهم لم يصلوا بعد. وبعضهم قال بأنهم لم يبتدئوا بعد، ونحن نريد أن نصل بين ليلة وضحاها. إذاً نحن عاجزون عن معرفة الطريق و الوسيلة ومعرفة أنفسنا التي بإمكانها أن تصل أم لا .

لذلك فإن جهادنا الروحي مرتبط بإرادتنا القاهرة لحركات أنفسنا الضعيفة أو العفنة. وهذا أمر ليس باليسير. هو يحتاج منا عرقا ودموعاً وغلبة شكوكنا. واستمرار السير عبر حياة الصلاة التي تقود إلى العشرة مع الله والاقتراب من النور الإلهي، ذلك النور الذي لا يدنى منه. ومهما تعثرنا فإننا سنحظى بنعمة في عيني الرب (لأن الله ليس بظالم حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه ) عب ( 6 :10) يخطئ من يظن أن طريق الجهاد الذي هو حياة العبادة والتأمل والخلوة محفوف بالورود والرياحين. فالطريق قاحل والصحراء قفر. إنه ( طريق ضيق ) حسب تعبير المسيح, لذلك فهو مليء بالخوف والرعدة, ومدخل الشكوك الكثيرة. وتختلط الأمور أحيانا بحيث لا نعرف إذا كنا بدرب الله سائرين أم بوسوسات الشيطان منقادين. البداية جافة, لهذا رجع كثيرون عن المتابعة كما يخبرنا الإنجيل، لدرجة أن يسوع قال لتلاميذه وأنتم أيضاً بإمكانكم عدم المتابعة. فالقضية مرتبطة بالحرية القادرة على اختيار الحقيقة وقد كشفها التلاميذ بقول بطرس ( ربي إلى من نذهب وكلام الأبدية عندك ) يو( 6 : 68) .

فالجهاد مرتبط بعمق الإيمان الذي به نتحرر من القول ( وهل يأتي من الناصرة شيء صالح ) وماذا يعني هذا ؟
يعني أن في عقل كل واحد منا خلفية جاهزة. وعندما نرى أن يسوع يأتينا بصورة مغايرة عن التي في ذهننا كما في خلفية نثنائيل عندما قال لصديقه فيليبس ( أمن الناصرة يخرج شيء صالح ), فإننا لا نراه. يجب علينا أن نتحرر من كل شيء لنرى يسوع بحق وحقيقة، وبقدر ما نكون حاملين في أنفسنا من الأفكار الشخصية والخاصة. بهذا القدر يبتعد يسوع عن دخول أنفسنا، يسوع لا يمكن أن يتلاقى مع شيء آخر، يسوع هو الحقيقة الكاملة التي نسعى ونجاهد لكي نكتسبها لهذا يجب ألا يكون في ذهننا أمور جاهزة. علينا أن نرتبط بالحقيقة من أي جهة أتت فلتأت. نحن أبناء الحقيقة التي بواسطتها ( إن آمنا نرى مجد الله ).
نحن علينا أن نؤمن, وعندما نؤمن بإمكاننا أن نمجد الله. فنحن لا نطلب ما نريد, فلا تحقيق العجائب ولا تحقيق الآيات، ولا النجاح، ولا الفشل هي المعيار لهذا الطريق. نحن نطلب المسير في طريق الله مع الجهاد مهما طال. وهناك ليس لنا إلاّ أورشليم السماوية التي هي عروس زفافنا الحقيقي, التي تحمل عذوبة الصوت الصادق المتفجر من أعماق الأبدية، هذا الصوت لا يدخل إلينا إلا من خلال الإرادة الحية الفاعلة. فهل للإرادة دور في درب الجهاد ؟ إذا كان الجهاد الروحي متجهاً نحو المسيح والحياة الأبدية فإن إرادة الجهاد يجب أن تتجه نحو التسليم المطلق لله, بخضوع كامل للنفس, عن طريق الإرادة بسلاح الإيمان, حتى لا يبقى للنفس مشيئة خاصة, ولا شهوة خاصة, بل طاعة كاملة لصوت الله ووصاياه

إن هذا الدور الهام للجهاد الروحي يعطي ثماره من غبطة وابتهاج وفرح وسرور. ذلك لأن الدرب الإلهي رغم ضيقه وصعوباته, فهو درب الكشف الإلهي الذي يولد المسرة الصعب وصفها, والتي هي مسرة منبعثة من لدن الله عن طريق النعمة الإلهية. والخطورة تكمن في أن الإنسان يتمتع بهذا السرور, فينتشي أحياناً من ذاته كانتشاء بطرس بعد أن سار على المياه فسُرّ ذاتياً فصار يغرق. ونحن معرضون لهذا الغرق إذا انقلب الجهاد وصار معتمداً على الذات والقدرات الشخصية بدلاً من استمرار الطاعة المطلقة لله .
المهم أن نعرف أن النجاح والفرح الروحي هما بحد ذاتهما عمل الله وليس عمل الإنسان فقط. والله هو الذي يزيدهما بسبب من الإنسان أو بدون سبب. لهذا فإن الارتباط المستمر بالله هو الذي يكشف هذه العلاقة حتى لا تنقلب. وبدون مواصلة الجهاد الروحي فإن احتمال الأخطاء يزداد.

إن إلزام الإرادة والنية للتسليم بتدابير الله مهما كانت النتائج مسرة أو غير مسرة للنفس هي الأساس الذي لا يتحقق إلاّ بعيش غايته إلى أقصاها, تتم بواسطة إتباع هذا الطريق وما الغاية لمعرفة الله ومحبته الكاملة في شخص يسوع المسيح والتعبير عنه بالحب, فهذا لايتم إلاّ بقسر الذات على طاعة الوصية ( من يحبني يحفظ وصاياي ) يو ( 14: 23 ) ، ( إذا حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي ) يو ( 15: 10)
إن هدف الجهاد الروحي هو نيل الحياة بحضرة الله الدائمة, بغية الاستنارة والاتحاد بالنور الذي لا يدنى منه. وهذا يتحقق عن طريق الخضوع الكامل لله والتسليم المطلق لمسرة مشيئته.

4- المواقف العملية في درب الجهاد الروحي :

- المعرفة عن طريق:


ا- مطالعة الكتاب.
ب -التأمل.
جـ - الصلاة.




2- تنمية الإيمان عن طريق :


ا- العيش في المناخ الروحي .
ب - المثابرة والجدية في كل شيء .
جـ - الرياضات الروحية عن طريق المشاركة الجسدية، السجدات وعن طريق الصوم .




3-السلوك الإنجيلي عن طريق:


ا- تطبيق الفضائل المسيحية وعيشها.
ب - العمل الجسدي المستمر.
جـ - عيش الوحدة والتفكير بالذنوب لتجنبها والابتعاد عن إدانة الآخرين .




5- المعوقات الأساسية لعدم التقدم في الجهاد الروحي :
إن المراحل الأولى التي يسير بها التلميذ النشيط وراء درب سيده تدخله أحياناً في معوقات لو عرفها مسبقاً لتم تجنبها وأهمها:
1- عدم تعود الصلاة:



ا- تشتت الفكر في الأمور التي لا يزال الإنسان يهتم بها أكثر من الله.
ب -عدم الانتظام في الأوقات .
جـ - الشكوى من عدم فهم كلمات الصلاة والكتاب .




2- معوقات الصلاة عند الذين نجحوا في ممارستها ولكن أثناء مسيرتهم واجهتهم هذه العوائق:



أ- الجفاف الروحي: اختبار يلازم الإنسان أثناء متابعته صلاته أو قراءته وسهراته الروحية ولكنها تصير خالية من العزاء والمسرة الداخليين. وبالرغم من تواجد الانتباه في عقلنا ومشاعرنا للعكوف على الصلاة والقراءة والكتابة ولكن ينقصنا العزاء الداخلي : (في الليل أدعو فلا تستجيب يبست مثل الفخار قوتي ولصق لساني بحنكي ) مز (21: 2- 15 ).
ب - الفتور الروحي : يصيب العمل الروحي نفسه فتتوقف الصلاة، ويفقد الإنسان القدرة على مواصلة أي عمل روحي، فتصبح القراءة عسيرة والسهر غير ممكن ويبتعد الإنسان حتى عن مواصلة الجهاد في الخدمات البسيطة العادية، لأن العقل مشتتاً والقلب متغرباً فتصبح متابعة الصلاة والجهاد الروحي أمراً عسيراً ( العدو قد اضطهد نفسي سحق إلى الأرض حياتي، وأجلسني في الظلمة مثل الموتى منذ الدهر) مز( 142 : 3 ) .
جـ - ضياع هدف الصلاة في قلب الإنسان ما لك تحدث بفرائضي وتحمل عهدي على فمك وأنت قد أبغضت التأديب وألقيت كلامي خلفك) مز (49: 16-17 ) إن الدافع الصحيح للصلاة والجهاد الروحي يضمن بقاء الصلاة في مسيرة الجهاد، ويجعلها حارة ويجدد نشاطها ويزكيها في قلب الإنسان.أما الدافع الصحيح لهذا الجهاد فهو أمر الله ووصيته في قوله صلوا، صلوا ولا تملوا ،اسهروا وصلوا ) .




الذي يوصلنا إلى الهدف النهائي الذي هو حياة الشركة مع الله أي الاتحاد في حياة أبدية مع الله، فكل محاولة يبتغيها الإنسان بصلاته وجهاده ترمي لغير ذلك تقود إلى ضياع الهدف ويحل تمجيد الإنسان مكان العلاقة الصحيحة بالله فيحيا بالغش ويصل إلى الضياع. http://www.mjoa.org/cms/index