مقدمة:
• الربُّ يسوعُ المسيحُ نفسُه هو الذي أسَّسَ المعموديَّة عندما أرسلَ تلاميَذه بعدَ قيامتِهِ لنقلِ بُشرى الخلاصِ قائلاً: "اذهبوا وتلمذوا كلَّ الأممِ مُعمِّدين إيَّاهم باسمِ الآبِ والابنِ .( والروحِ القدس" (متى ١٩:٢٨ ). لأنّ "كلَّ مَنْ يؤمنُ ويعتمِدُ يَخلُصُ" (مر ١٦:١٦) ومنُذ ذلكَ الحينِ نرى في أعمالِ الرسلِ أنَّ المؤمنينَ بالبشارةِ الجديدةِ كانوا ينضمّونَ إلى الكنيسةِ بالمعموديَّةِ. "فقالَ لهم بطرسُ ُتوبوا وليعتمِدْ كلُّ واحدٍ منكم... فَقبِلوا كلامَه بفرحٍ واعتمدوا وانضمَّ في ذلكَ اليومِ نحوَ ثلاثِ آلافِ نفس" (أع ٢: ٣٨ -٤١ راجع أيضًا أع ٨:١٢-١٣ و ٨:٣٨ و ٩ : ١٨ و ١٠:٤٧-٤٨ و١٦: ١٥ و ١٨:٨ و ١٩: ٥ و ١ كور ١ : ١٤-١٦)
• المعموديَّة هي البابُ الذي به ندخلُ إلى الحياةِ في المسيحِ يسوع. لقد سقط آدمُ فتغرَّبَ عنِ الحياةِ الحقيقيَّةِ والوجودِ، أي الله، واندسَّ في الإنسانِ الموت الروحيُّ وكلُّ نتائِجهِ مثلَ الِبلى والفسادِ والميلِ إلى الخطيئةِ وموتِ الجسد. والمعموديَّة، ليسَت محوًا لخطيئةٍ جَدِّيةٍ وَرِثناها مِن آدم، إّنها الولادُة الجديدُة مِنْ فوق بعدَ أن صارَ الإنسانُ يُولَدُ جسديًا بطبيعةٍ فاسدةٍ مُسَْتعْبَدةٍ للموت. نعم إّنه في المعموديَّةِ يُولَدُ الإنسانُ ثانيةً لامِن لحمٍ ودمٍ ولا مِن مشيئةِ رجلٍ، بَلْ مِن الّله (يو ١: ١٢-١٣ و٣:٣-٧) وإّنه يعودُ الى جمالِهِ الأوَّلِ وكيانهِ الحقيقيّ.
• تتمُّ المعموديَّة بغسْلِ الماءِ المتقدِّسِ بصلاةِ التقديس ، وتكونُ على اسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القدس، "إنْ لمَْ يُوَلدْ أحدٌ من الماءِ والرُّوحِ فلا يقدرُ أَنْ يدخلَ ملكوت الله" (يو٥ :٣).
• بَِتَقبُّلِ المعموديَّةِ والإنضمامِ الى شركةِ القديسينَ، يُصبحُ الإنسانُ مؤهَّلاً لأن يتقبَّل سائرَ الأسرارِ الإلهيةِ ويحياها.
• الكاهنُ هو الذي يُتمِّمُ سِرَّ المعموديَّة. إلا أّنه في حالِ الضرورةِ الُقصْوى، كخطرِ الموتِ، يجوزُ للشمّاسِ أن يُعمِّدَ وكذلكَ للأبِ والأمِ ولأيِّ أرثوذكسيّ.
• يُعَمَّد ُ كلُّ إنسانٍ يطلبُ المعموديََّة، شرط ألا يكون قد اعتمدَ سابقًا على اسمِ الثالوثِ الأقدسِ، لأن المعموديََّة واحدٌة ولا تُعاد.

يجوزُ تعميدُ الطفلِ إذا:
١- كانَ هنالكَ أملٌ وطيدٌ بأن يَُنشَّأ هذا الطفلُ على الإيمانِ الأرثوذكسيّ.
٢- طلبَ ذلكَ الوالدانِ، أو أحَدُهُما فقط، أو الشخصُ الذي يقومُ مقامَهُما.
• يُعَمَّدُ الطفلُ الّلقيط ما لمَْ يَثبُت أّنه مُعمَّدٌ قبلاً.
• يجوزُ أنْ يُعَمَّدَ الطفلُ لوالدَيْنِ مسيحيَّيْنِ غيرِ أرثوذكسيَّيْنِ عندما يكونُ مُهدَّدًا في حياتِهِ لخطرِ الموت.
• ضرورُة العَرّابِ تُراث تقليديٌّ كنسيٌّ قديم. ولكلِّ معتَمِدٍ عرَّابٌ واحدٌ، َذكرٌ للذكرِ وُأنثى للأُنثى. مهمة العَرّابِ الأصليّة أَنْ يُلقِّنَ المُعَتمِدَ المبادىءَ المسيحية عندما يكبَرُ، وأن يحوطَهُ بالعنايةِ، ويساعدَه َ كيْ يَنْشأَ على الإيمانِ الأورثوذكسيِّ ويصيرَ بسيرتِهِ الفاضلةِ وحياتِهِ المسيحيَّةِ شاهدًا أمينًا للربّ.

خاتمة
في ختام هذا المقال، وبعد هذا العرض الموجز للاهوت المعمودية وطقسها، في القديم وحتى الآن، وأمام الواقع الذي نحن عليه فيما يتعلق بمفهوم المعمودية وعلاقتها بحياة المؤمنين وكذلك بأدائها وطقسها ، يتساءل الواحد منا إلى أين سنصل إن استمرّت المسيرة على المنوال الذي نحن عليه الآن؟ وحتى متى سيستمرّ هذا الوضع الأليم !
بالطبع، إن هذا الانحطاط الليتورجي الذي نحن عليه في سرّ المعمردية، وفي الحياة الطقسية عامة، إنما هو تعبير عن التدهور الروحي والكنسي العام. لأن العبادة الالهية، كما ذكرنا سابقًا، إنما هي الاعراب عن علاقة الشعب المؤمن بالله أبيه، فكّلما كان هذا الإيمان حيًّا وقويًا كلما نمت العبادة الالهية وأخذت أشكا ً لا حيّة، وكّلما ضعف الإيمان وأصبح سطحيًا انحصرت العبادة الالهية في أشكال خارجية مائتة. وبناءً على هذا فإن سر المعمودية إن كان يُؤدَّى اليوم بهذا الشكل وهذه الطريقة فهذا إنما يعود إلى مدى سطحية هذا السر في حياة المؤمنين وفهمهم له ولمعاينه السامية.
نعم، يتساءل الواحد منا حتى متى سيستمر هذا الوضع المؤلم، بأن يُوَلد أشخاص في الكنيسة ويصبحوا حجارة من حجارتها (بالمعمودية) ، أما حياتهم فلا تمت بصلة إلى حياة الكنيسة الأصيلة!
حتى متى ستستمر هذه "التراجيدية"، هذا الجهل وهذا اللاهتمام واللامبالاة؟ حتى متى سيستمر هذا الأداء الشكلي للأسرار إذ أن فاعلية الأسرار في خلاص الإنسان تفترض نموّه في فهمها وعيشها كي يكبر في النعمة والقامة، حتى يصل إلى ملء قامة المسيح.
إن هدف المعمودية لا ينحصر في إتمامها فقط ولكنه يصبو إلى منح نِعَم إلهية سامية وإدخال الإنسان في جسد المسيح صائرًا ابنًا للنور. إن الإنسان لا يستطيع بالطبع أن يصير كاملاً كيفما اتفق، ولكن عليه أن يتعب ويجاهد ويحيا الحياة الكنسية وأسرارها ، عليه أن يشق طريقه ويحقق تاريخًا خاصًا به كابن للنور.
وهنا تتضح الحقيقة، ألا وهي الضرورة الماسة للتعليم والوعظ والتوعية الكنسية وذلك على مختلف الأعمار، لأنه كيف "يؤمنون بمن لم يسمعوا به". وهذا كله كي تعود لسرّ المعمودية مكانته الهامة والأساسية في حياة المؤمنين. إن المعمودية هي بداية الحياة الجديدة في المسيح، إنها البذرة التي يجب أن ُتفَلح ويُعَتَنى بها كي تنمو وتعطي ثمارًا. وهكذا فإن أية نظرة نحو مستقبل أفضل تفترض هذه التوعية الكنسية العامة.
إن المحافظة على الأشكال الليتورجية تفترض فهمًا ومعرفة لما تتضمن من معاني ومفاهيم، الأمر الذي يجب أن يعيه كل إكليريكي كي يعّلم شعب اللَّه ويعظه ، وإلا فإن الخطر في الوقوع في أشكال ليتورجية جامدة أمر حاصل. إن دراسة الآباء والنصوص الليتورجية تقدم لنا ما ينقصنا، ألا وهو معرفة اللاهوت الكامن في الحياة الليتورجية وفهمه وما تحمله أشكالها من معاني روحية. إن كتابات الآباء القديسين تحتوي على مادة تعليمية غنية، أشبه بالكنز، والتي نستطيع استخدامها في تعليم المؤمنين وتثقيفهم الروحي.
في الختام، يمكننا القول إن عودة المعمودية إلى مكانتها السامية والأداء الصحيح لها أمر من الصعب تحقيقه على المدى القريب، لأنه يتطلب تعبًا وعملاً مبرمجًا يهدف لتوعية كنيسة شاملة، الأمر الذي يتطلب وقتًا. لكن الصعوبة لاتنفي الإمكانية إذ أن الكنيسة تعيش على الرجاء وأبواب الجحيم لن تقوى عليها بالمسيح الذي يقوّيها.

لسيادة المطران يوحنا منصور