الأحد 1 شباط2009

باسم الأب والإبن والروح القدس،
أيها الإخوة والأبناء الأحباء،
كثيرون يظنون أن الكتاب المقدَّس عامة والإنجيل خاصة عبارة عن كتب تؤرخ لحوادث تخصُّ جماعات أو أشخاص وبناء عليه يستخلصون العبر والتعليم، وكثيرون أيضاً يعتبرون هذه الكتب عبارة عن كتب لاهوتية وبالتالي يفقدونها بعدها التجسدي ويغوصون في عالم الروح، وهناك البعض ممن يلقون نظرة سياسيّة على الكتب المقدَّسة غير عالمين أن النبؤات تأخذ أبعادها وحقيقتها بيسوع المسيح المسيح الذي قال لقد تمَّ، قالها وهو على الصليب عانياً بذلك أن النبؤات كلها قد تمت به. وهو القائل على لسان الرسول بولص لا ذكر ولا أنثى، لا عبد ولا حر، لا يهودي ولا يوناني الكل واحد في المسيح. وبدون فهم كامل للعقلية اليهوديَّة التلمودية في كل حين، ووعي كامل لكل الدعوة المسيحيّة من الصعب أن نفسِّر صعوبة الكلام الذي تفوَّه به ربنا يسوع المسيح وقاله للمرأة الكنعانية "ليس حسناً أن نأخذ خبز البنين ونعطيه للكلاب" ولا ندركه إلا إذا أخذنا نمط الحوار بين الرب وتلاميذه والمرأة الكنعانية على أساس حوار ذات نمط أدبي يستعمل في كثير من الأحيان لتبيان عظمة شيء مرفوض لأسباب نفسيّة، دينيّة أو إجتماعية. ذات الأسلوب إستعمله ربنا بمثل السامري الصالح. وأصلح فكرة اليهود عمّن هو القريب.
عقليّة الرسل عقليّة يهوديّة تستصعب التعامل مع غير اليهود وخاصة في مجالات الروح والدين والنعمة. وعلى نسق الهدف من إنجيل متى، تبيان كون المسيحيّة ديانة عالمية تحل مكان اليهوديّة وتأخذ بها الى أسمى مناحي الكمال. عمل ربنا يسوع المسيح في هذه الحادثة مبيناً كيف أنَّه جاء الى خاصته وخاصته لم تعرفه.
فعندما قال ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويلقى للكلاب لم يكن يقصد المرأة الكنعانية بل عقلية تلاميذه ليؤكد لهم أن الله يقيم من الحجارة أبناء لإبراهيم وأن له خرافاً بين الأمم سيأتي بها ويضمها الى بقية الخراف ولكي يريهم أن الروح يعطي نعمته حيث يشاء. ولا يوجد بين اليهود إيمان يوازي الإيمان الذي بين الأمم.
في النهاية أوضح لتلاميذه مقدار قبول الأمم لرسالته وعظمة الموهبة المعطاة لهم.
قد تساءل شخص ما، لقد طلب تلاميذه منه أن يصرفها فلماذا تأخر. لو عمل لها ما أرادت وهي تصيح في إثرهم أي من بعيد وقال لها ليكن لك ما تريدين لما استفاد التلاميذ شيئاً ولما أدركوا قوة النعمة الموجودة عند غير اليهود. ولما حصلوا على نعمة التأديب التي حصلوا عليها من تواضع المرأة وجوابها السامي للسيّد المسيح.
كم نسمع الذين تقدَّسوا والذي يعيشون الحياة الروحية يقولون أنهم يرضون بالعيش بالقرب من الله ونوال رضاه ولو بأقل المستويات ألا يقول النبي داود "خير لي أن أكون صعلوكاً في بيت إلهي من أن أكون من ساكني قصور الخطأة".
يحتج البعض أن الكلمة والتعبير هما يهوديان فكيف يهين الرب يسوع المرأة بمثل هذا الكلام. إن الرب يسوع إستعمل الكلام لغرض سامي وقد شرَّف نفسه هو بلقب إبن الإنسان فهل يحق لنا أن نفسَّر الكلام فقط بمساره التاريخي؟ هذا النص يفهم جيداً باستخدام المسار التاريخي والبشاري والمسياني الإصلاحي. وإذا فهمنا ذلك فهماً صحيحاً وملك علينا عواطفنا كالمرأة الكنعانية، ليكن لنا العلم اليقين أننا نشفى من كل أمراضنا الإجتماعية ولصار البلد الى حال الإتحاد الواحد.
باسيليوس
مطران عكار