رسالة رعوية بمناسبة عيد القديسين بطرس وبولس 2010 إلى أبناء الرعية في حلب
قبلة بطرس وبولس
"لست أبطل نعمة الله" (غلاطية 2: 21)
يعود إلينا عيدُ القديسَين بطرس وبولس كلّ عام، ويحمل لنا معانيه السامية، ويحمل لي شعوراً خاصاً بالامتنان الكبير لجميع المحبين الذين يحيطوني بالمحبة والتعاون. أشكر الجميع وأسأل الله دوماً بشفاعة قديسَينا أن يمدّني بالقوة لأتابع "خدمة غسل أرجل التلاميذ".
هذا العام، يطلّ العيد وفي السماء "غمامةٌ" ستزول، وفي عيون البعض "دمعةٌ" ستُمسح. ولا أجد سبباً لكلّ ذلك إلا ربما بعضٌ من سوء فهمٍ أو سوء تصرّفٍ عن عمدٍ أو دون عمد!
لنتوقّف عند أيقونة هذا العيد المبارك .........
بطرسُ يعانق بولسَ علامةً للوحدة، وذلك بعد أكبرِ وأولِ خلافٍ في تاريخ الكنيسة، اقتضى لدعوة مجمع أورشليم. هذه أيقونة الحياة المشتركة حيث الوحدة فوق الاختلاف والمحبة ترعى الحوار. كلنا نعمل معاً لنربح للمسيح. له أن يزيد ولنا أن ننقص.
كان خلافُ بطرس مع بولس خلافَ روحٍ وحرف، قانونٌ قديم أمام حاجاتٍ جديدة، عاداتٌ سابقة مجيدة أمام مستلزماتِ وديعة المستقبل الثمينة. بطرس يجامل اليهود ويقبل "بالقديم". بولس يحترق ليربح "الكل" للمسيح. لقد واجه بولسُ بطرسَ في أنطاكية لأنه كان ملوماً (غلا 2: 11-21). اجتمع الرسل في أورشليم لحلّ الخلاف وأمروا بالصدق على الرياء، والحقّ على الحرف، والمسيح على العادات! (أع 15) وانتهى الأمر ببطرس وبولس أن يستشهدا معاً في روما من أجل من أحبهما قبل أن يحبّاه!
تأسّست الكنيسة من إرادةٍ إلهية وتُتابع بناءها أيادٍ بشرية، لهذه الأخيرة أن تتألّه وهي في خدمة الأولى. وإلى حين ذلك تبقى الحقيقة عند "الرسل والمشايخ" (أع 15: 2) مادام زمانٌ لم يصل فيه الشيطان بعدُ إلى الهيكل
حين نختلف، وهذا حقٌّ للجميع، يجب ألا نفترق، وهذا واجبٌ على الجميع، عندها يجب أن نتّجه بثقةٍ ومحبة إلى اجتماع آبائنا في المجمع المقدس. وهذا ما نفّذه مجلس الأبرشية بثقةٍ واطمئنان، لا لكون موقفه صحيحاً وهو يؤمن به، بل لأنه أودع السؤال عند قلوب الآباء والرعاة.
أراني مضطراً وبعد صمتٍ طويل أن أبرّد قلوباً هاجت دون معرفةٍ كاملة ولو من غيرةٍ حامية، نحبّها وتحتاج لتوجيه.
نحن مصمّمون على المحبة الأبوية، بما فيها المسامحة والصبر والحوار، ولكن لا يخلو منها واجب التوجيه. فمحبة بولس لم تلغِ تأنيبه لبطرس لأنه أعلن: "لستُ أُبطل نعمة الله". إن من عنده كلمةُ حقٍّ لا يخفيها لأنها ليست مُلكَه ولا جاءت منه، إنها من ربِّه ومن أجل إخوته. إعلانُ الحق له ثمن، فليكن ثمنه منّا، وثمره في أولادنا! إننا نتابع خطى البعض من أبنائنا، إننا نحبّهم ونتتبّعهم محترمين حريّتهم، وهذا هو الشرط الأول في المحبة والتنشئة، لكننا لن نهدأ حتى نصل بهم إلى حيث يشاء الله وينتظرنا معهم.
نحن لا نُقصي أحداً، وإنما نريد إقصاء أُطر الأنظمة البشرية المختلفة، والقدوم بالجميع إلى إطار العلاقة الكنسية التي ينصُّ عليها نظام الكنيسة الأنطاكية في قانونه الأساسي وقانونه الداخلي اللذين يفسّران لاهوتها. قد يخلط البعض بين المشكلة والمحبة، وهذا يقودهم إلى لغة حربٍ، لكننا مصمّمون أن نحلّ المشكلة ونحافظ على المحبة. هناك عندما نصل معاً، ولو بعد خلاف، إلى العلاقة الكنسية سيجد الجميع أنّ الأب الحنون لم يذهب حباً بابنه إلى الكورة البعيدة بل استقبله عندما عاد، وقبّل عند البيت عنق ابنه، وأعطاه حباً لم يكن حتى للأخ الكبير الذي لازم أباه طول الزمان.
إنها تجربة خلاف ستقود عند لحظة "المعرفة" إلى حبٍّ أكبر، والخاتم والحذاء والرداء جاهزون!
هل سنلغي الحركة؟ سؤالٌ يشيّعه ويسمعه عديدون، حاشى! الخلاف ليس على الوجود ولكن على "طريقة" الخدمة. نحن نتمنى أن يبقى الجميع في العمل ولكن في الإطار الصحيح للخدمة. حاشى للحركة أن تنقلب إلى منظمةٍ علمانية واجبها الأول مقاومة الإكليروس أو الوقوف نداً له في التعليم الديني أو الرعاية عموماً! يتفشى داءٌ خطير هنا وهناك أنّ كثيرين من الشباب يعبرون خبرة الحركة وينضمّون إلى الحياة الإكليريكية وإذا بهم يعانون عندها ممن أنشأوهم
وساروا معهم درباً طويلاً في الغيرة والخدمة!
قد يُفسَّر ذلك "بصراع سلطة"، فيعترض العلماني على أبيه الإكليريكي لأنه متسلّط، ويتنهّد الإكليريكي من "تمرّد" أولاده! إني أظن أن المسألة ليست صراع سلطة، ولكن أولاً مشكلة فوضى. ما ينقصنا في حياتنا الكنسية هو التوسّع في مطالعة وتحديد أنظمة العلاقة بيننا، وبالنهاية، أومن أن الإكليريكي والعلماني هما خادمان للكلمة لا يطلبان الظهور بل البناء.
ما نتمناه هو أن يتعدّل النظام. وليس النظام مجرّد حرفٍ. النظام هو فضيلة العمل، وشخصية المؤمن أو الكنيسة. الكنيسة هي رسالةٌ لعملٍ جماعي. لقد جاء يسوع لا ليخلص أفراداً ويأخذهم إليه أطهاراً، لقد جاء يسوع ليعلّم الناس كيف ينظّمون علاقتهم الواحد مع الآخر، وحين تصبح هذه العلاقة "محبة" كاملة يتقدّسون ويخلصون، فيكون هو إلههم وفيما بينهم ويظهرون هم تلاميذه به مخلَّصون.
لا يجوز، بحسب إيماننا الأرثوذكسي، أن تُدير أيَّ عملٍ رعائي أو تعليمي إدارةٌ هي خارج الأسقف ومجالسه. فكيف وفق ذلك يتمُّ عملٌ جماعي أوسع من الأبرشية؟ وهو عملٌ ضروري وملحّ وحاجةٌ لا يمكن إهمالها؟ إنّ أي اشتراكٍ جماعي خارج الأبرشية يجب أن يديره "المجمع المقدس". فالأسقف ومجالس الأبرشية يهتمّون بما هو محلي، ولا أحد يجب أن يهتم بما هو جماعي إلا "المجمع"، ومن يعمل ذلك بدلاً عنه، مشكوراً لوقتٍ ما، يفرّغ الآن المجمع من عمله الحقيقي.
الرجاء والتمني هو أن يتبنّى المجمع، بيد هؤلاء الشباب الغيورين أي دون أن يلغيهم بالتأكيد، عملَ الشبيبة على المستوى الأنطاكي. إننا ندعو لكي يرعى "ويتبنى المجمعُ المقدس" الأمانة العامة. كيف؟ هذا سهل. المهم أن نريده.
هل نحن ضد "الحركيين" أو العمل الشبابي؟ لاشك أن الجميع يُجمعون أننا نهتم كثيراً بالشباب والتعليم الديني في أبرشيتنا، وربما لدرجة المبالغة كما يرى البعض. وهذا يجيب على القسم الثاني من السؤال. أما عن الأول فأجيب: إننا نحب الحركيين محبة أكاد أقول أنها مُميزة. لكن نأسف أنه عندما طلبنا تبديل "نظام" علاقة وليس إلغاء العمل والشباب، لاقى ذلك عند البعض عن جهلٍ أو عن ردة فعل، موقفاً سلبياً، نؤمن أنه سيزول.
إننا نعرف حق المعرفة غيرةَ أبنائنا في الحركة، ولكي لا أخطئ وأقول أنهم "النخبة" الوحيدة، أقول أنهم من النخب الأولى في كل الأبرشيات. وإنني لأقدّر وأشجع عملهم، وإن ناديتُ بتعديل طريقة التواصل بين المؤمنين والإكليروس.
يا أحبتي لسنا طرفين أبداً. الحركي عندما يكبر بالمعرفة لا يصير "نداً" للإكليريكي ولا معلماً عليه، بل ابناً أكثر. والكاهن مهما "صغر" –إن صح التعبير- يبقى للحركي أباً جليلاً.
إن النظام الحالي الدارج يحتاج لإعادة نظر، في سبيل التأكيد على العمل الشبابي، المحلي والأنطاكي. لكن بنظام يعطي للمجمع "خدمة الوحدة" في الكنيسة ولا يفرّغه من هذه المهمة الأولى له، خاصةً على مستوى الشباب وكذلك الرعاية. إننا نرجو من إخوتنا المطارنة وأبنائنا إعادة دراسة النظام لكي لا نكون طرفين بل لنصير جسماً واحداً.
لماذا الخلاف في حلب؟ الأقاويل عديدة والتفاسير كثيرة. والجميع يسمع لجهات مختلفة، ولكن ليس للأم الكنيسة بآبائها وأسقفها ومجالسها! نعم نحن مختلفون، لكن محبتنا كبيرة. ودليل ذلك، أنه رغم الكثير من الإساءات، التي مجرد تنتهي تمحوها المحبة من الذاكرة، مازلنا وسنبقى شركاء الكأس الواحدة! نحن على شركة ومتحدون. ومن ينادي أو يصلي من أجل الوحدة هو مخطئ. وإلا ماذا كنا نعمل ونعمل الآن كلما اقتربنا من الكأس الواحدة؟ نحن على خلاف بالرأي، أثّر ربما على محبة ومشاعر البعض معنوياً، لكنني أُعلن أنه لم يؤثر على محبتنا، واللقاء القادم سيبرهن ذلك. لسنا بحاجة لصلواتٍ من أجل الوحدة، لأننا متحدون بالشركة الكنسية، وأسرارنا المقدسة للجميع. ما نحتاجه هو مطالعة القوانين والأنظمة الكنسية لتطوير أنظمتنا في جو من الحوار والمثاقفة وبسلام الروح وطاعة الكلمة.
إننا لا نريد أن نقصي بشراً من الكنيسة لأننا نسعى وراء الخروف الضال ونعمل لواحد ما نعمله للتسعة والتسعين. لكننا نطلب إقصاء علاقات لا تعبّر عن وحدتنا الكنسية. سادت تلك الأنظمة لسنوات. لكن الزمن تبدّل، وما كان غيرُ كاملٍ مناسباً لذلك الزمان صار غيرَ صالحٍ للآن، هنا أو هناك! تعالوا نعمل معاً كل يوم لنصير أقرب إلى صورة الكنيسة كما يريدها وينتظرها المسيح.
تحاورنا طويلاً في حلب! وصار الكلام "حوار طرشان"، لأن النية لم تعد واحدة. أسقفٌ ومجالسُ كهنة وأبرشية يتكلمون عن نظام أنطاكي (أساسي وداخلي)، وجماعةٌ حركية تتكلم عن " طرس" آخر! كنيسة تريد لملمة أبنائها، وبعض أبناءٍ يريدون تكوين تنظيم فيها! وما كانت الحركة إلا تياراً إصلاحياً نهضوياً. هل سيستمر النداء للإصلاح (إصلاح الإكليروس) للأبد؟ ولما يصير المصلحون إكليريكيين نعود ونصلحهم نحن العلمانيين؟ تعالوا الآن نبدّل الثورة الإصلاحية السابقة إلى ثورة لحمة وبناء داخلية. تعالوا نتكلم عن التواضع والخدمة وليس عن "النهضة". هذه الأخيرة كلمة أخجل أن ألفظها لأنها ككلمة "تواضع" من إدّعاها خسرها. إن دعوة الكأس المقدسة وواجباتها أقوى بكثير من ضعفاتنا أو اختلافاتٍ بيننا.
توصلت الأبرشية إلى صيغة عمل مع الحركة في حلب منذ سنة تقريباً، لكن الوضع تفجّر عندما صار الوعد (التوقيع) جدلاً وليس حلاً! إنها مرحلة وستعبر، وسيغلب الصدق على سوء الفهم. سأتمسك بكلام بطرس ويوحنا: "لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا"، وحقٌّ أن يطاع الله أكثر من الناس (أع 4: 19- 22). وما يرفضه البناؤون اليوم سيكون غداً حجر الزاوية.
لم يأخذ مجلسُ الأبرشية موقفاً بعدم استقبال اجتماعات لأية هيئة من الطائفة في مبانيه، لكنه لن يسمح بأي اجتماع، متَّفقٌ أنه غير مقبول، ولن يسمح أن نجتمع دون لياقة أو ترتيب. قد نختلف هنا على "الترتيب". والقرار لمن؟ لا يهمنا الجواب! لأننا نريد أن يجتمع أولادنا جميعاً وبعدها نتكلم بالأنظمة. لذلك قرر مجلس الأبرشية إيجاد مكان خاص مؤقت لمركز الحركة يضعه على كلفته في استخدامها إلى حين يصل الجميع إلى صيغة واضحة واحدة لعملٍ في مبنىً واحد.
نحن واحد، لا يلغي ذلك كل اختلاف، وتثبّتنا المحبة في الحوار بسلام. للكنيسة مرجعية هي المجالس بأنظمتها والكهنة والأسقف، وأخيراً المجمع المقدس، نودع عنده خلافنا مهما كان بفرح وثقة واطمئنان وتهذيب.
لا نريد إلغاء العمل الشبابي أنطاكياً ومن يعمل فيه ولأجله، بل نقترح أن يتبنّاهم المجمع ليصيروا بنّائين أكثر ولا يكونوا لمرّاتٍ نداً أو طرفاً أو قسماً أو جهةً... إني أومن أن شبابنا يحتاجون لرعاية آبائهم واحتضانهم وتوجيههم، وواثقٌ أنهم أيضاً يؤمنون بذلك. هذه المرحلة هي محطة تفكير، ليس لإعادة الوحدة على نظام هذا أو ذاك، إنما لنطابق أنظمتنا أينما كانت على الروح الكنسية لواقع اليوم.
إن نظام الحركة الحالي في حلب يتضارب والنظام الأساسي والنظام الداخلي للكرسي الأنطاكي، تعالوا نوحّد الأنظمة لأن ذلك يوحد المساعي. ما حصل في حلب ثمنه كبير لكن النتيجة هي هي أن نكون معاً، والمراهنة ليست على الغاية إنما على الزمن الذي سنقضيه في الحوار وعلى التوقيت الذي فيه سنعانق ونعايد بعضنا بعضاً بقبلة المحبة.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
.gif)
رد مع اقتباس

المفضلات