الخروج من الخوف

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



"وأما أنتم فشعور رؤوسكم جميعها محصاة. لذلك لا تخافوا". "لا تخف أيّها القطيع الصغير فإنّ أباكم سُرَّ أن يعطيكم الملكوت".

يا إخوة،

نحن لسنا متروكين أبداً. الربّ الإله تجلّى فينا لما تجسّد واتّخذ جسدنا الواهي. شاء أن يقيم في ضعفنا. كلّما تبيّن الإنسان ضعفه وتمسَّك، في آن، بالرجاء بالله أقامت فيه قوّة الله. وكما ينضح الإناء بما فيه ينضح الضعيف، ولكن المؤمن بيسوع، بقوّة الله.

هناك، بطبيعة الحال، أسباب عديدة للخوف، للشعور بعدم الأمان. لكن الأمان الحقيقي لا يُعطَى لنا إلاّ من فوق، بالإيمان. هذا أعطانا إيّاه الربّ يسوع مرّة وإلى الأبد لما قال: "سلامي أُعطيكم لا كما يعطيكم العالم". "لا تخافوا أنا قد غلبت العالم". "هاءنذا معكم كل الأيام إلى منتهى الدهر". "لست أترككم يتامى".

الخوف باق في حياتنا لا محالة. ولكن في الخوف ومع الخوف يعطينا الربّ الإله صلابة داخلية، إذا ثبتنا في الإيمان، صلابة لا يدركها العالم ولا يقوى عليها.

يا إخوة،
الربّ يسوع هو الإله المتجسّد. لذلك كل ما في كنيسة المسيح إلهي وإنساني معاً. ليست في الكنيسة المقدّسة إلهيّات بحتة ولا إنسانيات بحتة. كل شيء فيها إلهي وإنساني معاً. هذا الواقع الجديد علينا كبشر نختبره في كل شاردة وواردة، في كل صغيرة وكبيرة في الكنيسة. أجل، لا يمكن، بشرياً، إلاّ أن ترتجّ نفوسنا خوفاً بإزاء الموت، بإزاء الألم والوجع والضيق الشديد. هذا اشترك الربّ يسوع فيه لما ارتجّت نفسه بإزاء كأس الموت وهي تُقَدَّم إليه. وقد تمنّى أن تُبعَد عنه لو أمكن. مع ذلك هتف بالآب السماوي: "لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك".

هكذا، لا بدّ لكل واحد منا أن يذوق الخوف كإنسان طالما هو إنسان. والخوف ينفع لأنّه مؤدِّب جيّد ومذكِّر طيِّب بهشاشة النفس والجسد. في الخوف نختبر مذاق العدم الذي طالما كنا بحاجة إليه ليكون توثّبنا إلى الربّ الإله حقيقياً كيانياً أصيلاً. على أنّه أُعطي لنا في الخوف، أيضاً، أن نختبر الجسارة في المسيح. نعرف أنّ الربّ يسوع فينا أقوى من العالم. نعرف ذلك لأنّنا نؤمن به، لأنّنا ذقناه، لا لأنّنا سمعنا عنه فقط، لأنّه معنا، ولأنّ حضوره فينا يعطينا أن نكون أكبر من ذواتنا، يعطينا هذا البعد الإلهي.

إذاً، نحن نختبر، في الخوف، هشاشة البشرة وعظمة الألوهة معاً.

الأمر نفسه يُقال في شأن كل أمر في كنيسة المسيح. الهرطقات، كل الهرطقات كانت هرطقات لأنّها لم تُصِب في نظرتها إلى الكنيسة باعتبارها جسد المسيح، باعتبارها ذات طبيعة إلهية إنسانية. إمّا كان الهراطقة يركّزون على الألوهية على حساب الناسوتية وإمّا على الناسوتية على حساب الألوهية. لاجتناب الهرطقات في يومياتنا، علينا أن نتعاطى كل أمر من الأمور باعتباره إلهياً وإنسانياً معاً. إذا ما أكلنا لا يكون همّنا أن نشبع البدن، فقط، كالبهائم، بل أن نأكل بالشكر أولاً، وبمخافة الله، وبالانتباه إلى وصيّة الله. نرحل في الذهن إلى الطعام الذي نأكل منه ولا نجوع. المهم أن يبقى الذهن، أولاً، مشدوداً إلى فوق. ليس الإنسان جسداً. الإنسان له جسد. كمال الخليقة أن يصير الإنسان إلهياً وإنسانياً معاً.
لذلك، كل ما نفعله له وجه إلهي إضافة إلى وجهه الإنساني، في وقت واحد. عندما يتغاضى الإنسان عمّا هو لله، في كل شأن من شؤون حياته، يقع، بصورة تلقائية، في الهرطقة الآريوسية. الآريوسية هي أمّ الهرطقات لأنّها تَنَكُّر لألوهية المسيح. هناك هرطقات نظرية وهرطقات عملية. كل ما في حياتنا ينبغي أن يكون إناء لله، قرباناً لله. ليس شيء قائماً في ذاته، في حياة المؤمن، بل كل شيء قائم في الله، في الربّ يسوع المسيح. منه يستمدد معناه ويستعير مرماه.

هذا، يا إخوة، هو المعيار الذي يحفظنا من كل شبه هرطقة عملانية في حياتنا. ليست الهرطقة خطأ في الفكر التجريدي بل انحراف في الوجدان أولاً. على هذا لا يمكنني أبداً أن أقول: "هل يتدخّل الله في أموري اليومية البسيطة؟" "ما علاقة الربّ الإله بكل هذه الصغائر التي أتمّمها في يوميّاتي؟" "آكل وأشرب وألبس وأنظّف أسناني وأذهب إلى عملي. أتحرّك إلى هنا وإلى هناك. أقوم بالزيارات. أتحدّث إلى الناس. أللربّ الإله علاقة بكل ذلك؟"

كل شيء في حياتي، كمؤمن، له مغزى إلهي، له قيمة إلهية. أنا في علاقة مع الله. كل ما أفعله أو أقوله أو أفكّر فيه هو اللغة التي أخاطب بها الله ويخاطبني الله. لا أحد يتعاطى اللغة لذاتها وإلاّ يصير كلامه لغواً. الله يخاطبني في كل شيء وأنا أيضاً. المهم أن يكون ذهني إليه هو حتى يصير كل شيء في حياتي مجالاً للتلاقي الإلهي الإنساني، لصلتي بالله ولصلة الله بي. بهذا المعنى قال الرسول المصطفى بولس: "إذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31). الربّ إله التفاصيل أيضاً، لا إله الكليّات فقط. كل تفصيل له علاقة بالله. ما لا علاقة له بالله خطيئة. فقط الخطيئة لا علاقة لها بالله لأنّ الخطيئة نكران لله. ونحن حين نطلب الأشياء، أي شيء، لذاته نكون في الخطيئة. ليست الخطيئة في الكنيسة موضوعاً أخلاقياً فقط. الخطيئة، أولاً، خلل في التعامل مع المسيح وكنيسته.
فإن كنّا نحن لله، إذا أردنا أن نكون بلا خطيئة، فهذا معناه أن نطلب الله في كل أمر. كل شيء، من قِبَلِنا، ينبغي أن يكون اشتراكاً في الحياة الإلهية. لهذا كل شيء، في حياتنا، مجال للحياة الروحية. نحن نتألّه إذا ما أكلنا أو شربنا أو فعلنا أي شيء آخر. هذه كلّها أُطرٌ لقداستنا. هذه كلّها أُطر لتأليهنا. نحن لا نتألّه فقط حين نتناول القدسات. نحن نتألّه أيضاً حين نتناول الوصيّة الإلهية، متى سلكنا في الوصيّة الإلهية، في يومياتنا، مهما كانت بسيطة. لهذا كل واحد منّا بحاجة، كل يوم، لأن ينتبه إلى نفسه. أنا لا أحتاج إلى رقيب عليّ بقدر ما أحتاج لأن أكون رقيباً على نفسي.
أقول هذا لأنّي أعرف أنّي تحت نظر الله. هو معي في كل حين. وأنا أفعل ما أفعله، أو ما ينبغي أن أفعله من أجله هو. هذا لأنّي أؤمن به، لأنّي أحبّه ولأنّي أريد أن أنتهز كل فرصة، كل حين، لأُخاطبه، لأُعبِّر عن محبّتي له. وأفعل ذلك لأنّي أريد أن أقول له إنّي لا أحبّ أحداً من كل قلبي ومن كل نفسي ومن كل قدرتي إلاّ هو، ولا أتعلّق بشيء في هذه الدنيا إلاّ به.
وأريد أن أقول له أيضاً: لأنّي أحبّك أحبّ ما أنت تحبّ، أحبّ كل إنسان لأنّك أحببته وأفعل كل شيء كما كنتَ أنتَ لتفعله لو كنتَ مكاني. لأنّي أريد أن أكون وإيّاك واحداً أسعى، بما تعطيني من بصيرة، لأن أشهد لكَ، لأن أكون امتداداً لكَ. أخبر الناس عنكَ بما أقوله لهم وبما أفعله معهم وبما أُفكر فيه تجاههم وكأنّك أنت فيّ لأصير أنا فيكَ أيضاً وأكون حيث أنتَ.

يا إخوة،
إذا ما نظرنا إلى الأمور، بهذه الطريقة، فإنّ كل شيء، إذ ذاك، في حياتنا، يتغيّر. يصبح إطاراً للتلاقي مع الله، للمحبّة الإلهية، للتقديس. وكلّما استرسلنا في سيرة من هذا النوع ترسّخت حياتنا في كنيسة المسيح.

على هذا الأساس، يا إخوة، نرضى، لا بل نُسَرّ بأنّنا باقون في هشاشتنا، باقون في أمراضنا وأوهاننا، باقون في شدائدنا وأتعابنا، باقون في ضعفنا. نفرح بذلك كلّه بالروح القدس الذي فينا لأنّنا نعرف، بالإيمان، أن هذا كلّه إذا ما جعلَنا واقعيّين في نظرتنا إلى الأمور، في نظرتنا إلى نفوسنا أننا تراب ورماد فإنّه، في آن معاً، يعطينا أن تحلّ علينا قوّة المسيح. فحين أكون أنا ضعيفاً حينذاك أكون قويّاً. إحساسي بضعفي كأمر واقع ضروري وإلاّ لا تحلّ عليّ قوّة المسيح. شرط نزول قوّة المسيح عليّ إحساسي، لا بل رضاي بضعفي.
الرسول بولس يقول أكثر من ذلك. يقول إنّه يفتخر، بالأحرى، بضعفه. حين أصوم أنا من أجل المسيح، أي حين أختبر، طوعياً، ضعف الجسد من جهة الطعام يهيّئني ذلك للتملؤ من الطعام السماوي، من النعمة الإلهية. هذا الأمر يرتبط بذاك ويكتمل به. طبعاً، ليس بإمكاني أن أفرح، بشرياً، بالآلام والضيقات والمخاوف والضعفات. هذا يصير مرضاً نفسانياً. الضيقات تحزنني كإنسان. هذا هو الأمر الطبيعي. ولكن باتّباعي الوصيّة، بتمسّكي بها، بانتظاري، بصبر، نعمة الله لا ألبث أن أجد نفسي، بعد حين، وقد تولّد فيّ، من فوق، فرح بالربّ، جسارة، يقين. هذا يصير مرافقاً لضيقاتي كسند قوي لها لا بل مقيماً فيها، بحيث أختبر الأمرين معاً، ما هو للإنسان فيّ وما هو لله. ما هو للإنسان لا يعود يرهبني ولا يرهقني ولا يلقيني في الأسى. وما هو لله يشدّدني ويعزّيني ويفرّحني دون أن يغرّني وينسيني من أين أتيت.

يا إخوة،
هذه خبرة العمر. لا نخافنّ لأنّ عين الربّ علينا ونحن بين يديه. لا يمكن لأحد أو لشيء، مهما عظمت قوّته، أن ينزع من يد الربّ ما جعله الآب السماوي بين يديه. لذلك لا شيء يؤذينا، ولو بدا لعيوننا مؤذياً، لأنّ الربّ الإله هو الضابط الكل وقد جعل كل شيء لمنفعتنا. لذلك ولو بليت أجسادنا يوماً بعد يوم فإنّ لنا عنده منزلاً غير مصنوع بيد. هذا سُرَّ هو أن يُعطينا إياه ليكون لنا هيكلاً لروحه القدّوس إلى حياة أبدية.
بهذا نفرح، وفرحنا لا أحد ينزعه منّا. كل شيء بإزاء هذا الفرح يسير مهما كان مؤلماً. من أجل هذا خلق الربّ الإله الإنسان من أجل أن تصير له طبيعة إلهية إنسانية. لهذا تجسّد الربّ الإله. تجسّد ليشركنا فيما له.
بهذا نؤمن وبهذا نفرح وعلى هذا الأساس نثبت إلى النهاية. ألا أعطانا الربّ الإله أن تتحقّق مشيئته فينا وأن نثبت فيه ولا يفنى إيماننا متى اشتدّت عواصف العمر علينا. تمجّد اسمه الآن وإلى الدهر.
آمين