* في الشراهة*
الشراهة هي حب مفرط غير مرتب للاكل والشرب وقد احصاها معامو كنيستنا وخاصة فم الذهب ( مقالة 13 من تفسير انجيل متى) مع الخطايا العظيمة فانها طردت آدم من الفردوس واجلبت الطوفان للعالم وصيرت الاسرائلين عبدة اصنام وسببت للبشر اسواء كثيرة. الشراهة تعدمنا فضائل كثيرة وعلى الخصوص العفة لان الشراهة تفضي الى الدعارة كما رأيت في الفصل العاشر ولذلك يجب ان نتسلح ضدها ولا نملأ بطوننا بل نعطيها ما يلزم لا ما تريد كما قال فم الذهب ولم يخلق الله الانسان للطعام بل خلق الاطعمة ليقتات بها الانسان فالطعام دواء ان اكثرت منه ضرك والشراهة باب الى زلاّت كثيرة ومن يغلبها غلب الزلات التي هي ترأسها ولهذا جاهد الابرار ضدها عالمين ان بقمعها تغلب خطايا كثيرة معها.
فخطيئة الشراهة تقاتلنا من خمس جهات كما ذكر القديس غريغوريوس الديالوغس وترتكب اولا اذا اكل قبل الوقت. ثانيا اذا كانت المآكل فاخرة جدّا. ثالثا اذا كان الاكل والشرب اكثر من اللازم . رابعا اذا اكل بالنهم وبلا سبع . خامسا اذا بذل الاهتمام الزائد بان يعدّ الطعام دسما وفاخرا بزيادة وبما انها تولد اضرارا كثيرة ودآءات مختلفة فقد أحصيت مع الخطايا البع المميتة فهي تصيّر العقل كثيفا وتصعد البخارات من المعدة الى الدماغ فيعجز الانسان اذ ذلك عن الارتفاع الى الامور العقلية النظرية وتقلل المرؤة وتبذل القوة العقلية وتنمي الاهواء وتصيّر الناس اردياء يكثرون الهذر والهرج والكلام الفاحش ومن السكر يصير العقل خاملا فلا يقدر على ضبط اللسان والحواس والاشر من ذلك هو ان السكر كثيرا ما يفضي الى الدعارة فيخطي اذا خطاء مميتا اولئك الذين يجعلون بطونهم الهة لهم فيحسبون الاكل والشرب غاية حياتهم غير مهتمين في عمل وصايا الرب وكذلك الذين يسكرون بمعرفة ويسكرون غيرهم جبرا والذين يحلّون الصيامات ولا نقول ان من تناول اطعمة طيبة او اعدّها او تناول منها في غير حينها او اكل بنهم وبزيادة يرتكب خطاء مميتا لكننا اذا صنعنا ذلك لقصد رديّ مثل ان نعثر القريب ونشككّه او لا نتمنع عن الطعام والشراب الذي يضرنا وننفق مصاريف عبثا ونفقر بيتنا او نتناول الاطعمة اللذيذة دون ان نرحم الفقير ونفرج ضيقه حينئذ نكون ارتكبنا خطيئة مميتة هب ان الشراهة ليست بخطيئة منهيّ عنها فيجب علينا مع ذلك ان نمقتها بسبب مضرتها لصحتنا وهي تليق بالحيوانات التي يعلفها الناس للذبح لا بالبشر الذين خلقوا لكي يفرحوا بالله ويتمتعوا بفردوس النعيم وكلما ضبطت لجام الجسد تسهل عليك الفضيلة. فاجتهد اولا ان لا تتناول الطعام الا في الساعة المعهودة ولا تأكل اكثر من مرتين في النهار ثانيا من حيث كيفية الطعام فضّل المآكل البسيطة والنافعة للصحة عل الاطعمة الفاخرة اللذيذة . ثالثا من حيث الكمية اكتفي بالقليل من الطعام ولا تأكل اكثر مما يلزم لتشديد القوى لان الامتلاء من الطعام والشراب يظلم العقل ويجلب الافكار السيئة ويسوق الى اعمال لا تليق فاحذر من الشبع والسكر لكي تستطيع ان تهرب من الرجز الآتي ون عواقب هذا الداء. رابعا من حيث كيفية مناولة الطعام لا تأكل باللجاجة والسرعة والنهم لان الاكل على هذه الصورة لا يليق بالبشر وهو اولى بالخنازير. انه في الاديرة قد رتّبت قراءة الكتب المفيدة على المائدة لكي يرفع الاخ عقله نحو الله وانت عاى كلّ ارفع نفسك وقت الطعام نحو الله مصليا في عقلك لكي تغذئ النفس ايضا مع تغذية الجسد. خامسا من حيث الاعتناء بالطعام كن معتدلا ولا تعط اهمية زائدة لاعداد الاطعمة اللذيذة المنمقة لانك بذلك تكون احصيت نفسك مع اولئك الذين قال عنهم بولس الرسول ان الهتهم بطونهم وفضلا عن ما قلنا اغتنم النصائح التالية:-
اولا تفكر بثقل الضرر الذي يتأتّى للمعدة من الشراهة مع سرعة زوال اللذة الحاصلة من المآكل الشهية لانك لا تشعر بهذه اللذة الا حين مضغ الطعام فمتى ابتلعته زالت. وان لم تصدّق فقل لنا لذة تشعر اليوم من تلك المآكل الفاخرة والمشارب الطيبة التي تناولتها وقت الولائم على افخر الموائد ان كان اتفق لك ذلك. حقّا كانك لم تذقها البتة فاذا خطر على بالك طعام شهي غير نافع لصحتك فارفض انك تناولته وزالت لذة مذاقه من فمك ولا تقم بشهوة جسدك. هب انك تعشيت افخر الاطعمة والفقير تعشىّ خبزا وماء فاي فرق يحصل بينك وبينه عند الصباح لا فرق آخر سوى انك تكون تحت طائلة الشراهة واما هو فيكون نال اجر احتمال المسكنة.
ثانيا تفكر في كثرة الاضرار التي تنتج من هذا الداء كبدرقة المال وصرف الوقت في الاسراف وعبادة البطن والامراض المختلفة التي تعقب الشراهة والسكر وخمول العقل والعجز عن الاشغال في الامور الروحية بل والجسدية وبعد هذا كله الجوع والعطش الابديين اللذين سيكونان بعد الموت جزاء للشرهين بمقتضى حكمه تعالى الصادق " ويل لكم ايها الشباعى لانكم ستجوعون"( لوقا ص6ع25) وحسبما قال عن الغني الذي طلب ان يبرّد لسانه بنقطة من الماء ولم يستجب له طلب ثم لا تنس ان جسدك هذا الذي تدلّله الان وتسمّنه سيكون وقتا ما مأكلا للدود.
ثالثا اذكر ذلك العشاء السماوي الابدي الذي دعانا اليه السيد بذلك المثل النفيس (لوقا ص 14) فان كنت تؤثر التمتع بهذا العشاء الملوكي النفيس تمسك عن غذاء هذه الحيوة لكي تشبع هناك.
رابعا واخيرا تذكر امساك مخلصنا الذي صام اربعين يوما في البرية وسقي خلاّ ومرارة على الصليب ولا تبرحنّ من بالك الآم سيدنا بل تذكرها بالتوجع والحزن القلبي وبسببها اجتنب التصحبات الملهية والمواد المنمقة بالاطعمة المتلونة الفاخرة ولا تحضرها لئلا يغشك النظر اليها فتنغلب من شهوتك ويصيبك ما اصاب ادم وحوّا بعد النظر الى الثمر الجميل .هذا وان من يرغب ملازمة الامساك يجب عليه ان يصنع ذلك اولا بلا تدمر ولا قمقمة لان الفضيلة لا تتم الا عن قلب مسرور وعن طلاقة. ثانيا بخلوص قلب اي بلا مراياة لا لاجل ان يشاهد من الناس متمسكا غفيفا لان القصد بالامساك مجد الله لا ارضاء الناس فكن عفيفا وامسك ذاتك على الخصوص من السكر لانه يظلم العقل ويسبب اضرارا كثيرة للنفس والجسد فلهذا يجب ان يحذر من الخمر كل من اراد خلاص نفسه وخاصة الشباب والنساء والحكام والكهنة والرهبان اما الشباب فلانهم ميّالون طبعا الى الشهوات الجسدية التي يزيدها الخمر تهيّجا كما قال بولس الرسول في رسالته الى تيطس (ص2) كذا النساء لان استعمال الخمر الكثير يرميهنّ في خطر ضد العفة. قال مكسيمس فاليريوس ان نساء رومية في القديم لم يكنّ يشربن الخمر اصلا. واما الحكام فلكي يسوسوا الشعب كما يجب ولا يعملوا اشياء ضد الترتيب والنظام كتاب الامثال ينهي الملوك عن الخمر لكي يحكموا مستقيما واما الاكليرس اي خدام الكنيسة فيجب عليهم ان يتمسكوا عن الخمر بكل صرامة اولا لكي يكونوا مثالا وقدوة لغيرهم. ثانيا لكي يمكنهم ان يقضوا في الامور الروحية بالانصاف . ثالثا لكي يصلوا فروضهم بالخشوع والوقار وخوف الله الامر الذي لا يمكنهم اتقانه كالواجب في حالة الامتلاء من الطعام والشراب. فيا ايها الحبيب ان الجسد لعدوّ وقح كلما ملقته يزداد بطشه. الشهوات جنوده والشراهة سلاحه والخطايا هي الجراحات التي يجلبها على النفس اما الاضرار التي يسبّبها للجسم فهي وجع الراس والمعدة والجنب وغير ذلك. فلكي تغلب الشراهة والشهوات اللحمية تسلّح بالقناعة التي تسلب منها قوتها وتعدمها اسلحتها وتخضعها الى سلطة العقل الصاحي السليم. لانه كما ان الشراهة تفضي الى الدعارة هكذا القناعة تكون حارسا امينا على العفة والنزاهة. هذا ولا اقبح من التظاهر في القناعة جهرا والتولع في الشراهة سرّا لان من كانت هذه ومزيته كان من المرائين المنافقين فضلا عن ارتكابه خطاء الشرهين فارفضوا الشراهة ايها الاخوة وحاربوها سرّا وجهرا لكي تنتصروا بعون الله على الاهواء المهلكة للنفوس وتكونوا اعفّاء نزهاء كما هو دأب المسيحيين الحقيقيين.