*في ما هي اسباب شقاء الصديقين وسعادة الخطاة في الدنيا
قال داود النبي: لا تغر من الاشرار ولا تحسد عمال الاثم فانهم مثل الحشيش سريعا يقطعون ومثل العشب الاخضر يذبلون ( مزمور 37 ع1 و 2 ) مظالم وتعديات كثيرة تصير في العالم ومرتكبوها كثيرا ما يستبينون سعيدين مع ان الاتقياء والافاضل يكابدون الشقاء فلا تتعجب من ذلك ايها الانسان ولا تحسد سعادة الاشرار لانها دنيوية زائلة وقد كان النبي حبقوق يتعجب ويقول " حتى متى يا رب ادعو وانت لا تسمع اصرخ اليك من الظلم وانت لا تخلص . لم تريني اثما وتبصر جورا وقدامي اعتصاب وظلم"(ص1 ع 2و 3) فلم تنظر الى الناهبين وتصمت حين يبلغ الشرير من هو ابر منه(ع13) كذا ارميا وغيره من الانبياء كانوا يتعجبون قائلين لماذا يا رب تتيسر طريق المنافقين. فقال الانبياء هذا الا لانهم كانوا مرتابين بعدل الله عز وجل بل لكي يوعزوا لنا ان حكمة الله تفوق ادراك البشر وان طرقه لا يستقصى اثرها اما نحن فنؤمن ان الله يجازي كل انسان حسب اعماله وان السعادة الحقيقية لا تقوم بالخيرات العالمية الزائلة وان هذه الخيرات لا تنفع المسيحي الا اذا استعملها لمجد الله معطيها ولمنفعة القريب ونعرف حق المعرفة من كلام الله ان احزان الصديقين كثيرة وان الرب الاله ينجيهم من جميعها. ان الشجرة المثمرة والكرمة الجيدة تقنب وتقطع منها اغصان وفروع كثيرة لكي تاتي باكثر ثمر واما الاشجار غير المثمرة فتترك الى ان تقطع وتلقى في النار هكذا العناية الالهية تودب الصديقين ليزدادوا نجاحا في العيشة الروحية وتسلم المنافقين الى اهواء قلوبهم لانهم لا يعطون ثمرا. لقد ورد في سفر الملوك ان الحجارة التي بها بني هيكل سليمان نحتها البناؤون قبل... ولما بني الهيكل بها كانت صحيحة مقتلعة ولم يسمع في الهيكل عند بنائه منحت ولا معول ولا اداة من حديد" والصديقون يمثلون بحجارة كريمة في بناء اورشليم العليا تنحت في هذا العالم بمنحت الاحزان لكي تكون صحيحة هناك حيث لا وجع ولا اضطراب ولا جوع ولا عطش ولا قصاص ولا عذاب كما قال صاحب الرؤيا. فهوذا السبب الذي لاجله يسمح المولى بتأديب خائفيه في هذا العالم ولذلك يجب علينا ان نقبل هذه التديبات بفرح معتبرينها بمنزلة ادوية شافية مرسلة الينا من قبل الاب السماوي. لما استل بطرس سيفه وقطع اذن عبد رئيس الكهنة قصد المدافعة عن السيد ضد الذين جاءوا ليمسكوه قال له يسوع" اجعل سيفك في الغمد الكاس الذي اعطاني الاب ألا اشربها"(يوحنا ص18 ع 10و11) وبقوله الكاس اشار الى الالام والصلب. افلا يجب علينا ايضا ان نحسب احزاننا كاسا للشفا معدة لنا من الطبيب السماوي. فلا تستنكفن ايها المسيحي من مرارة هذه الكاس لانها تخولك الصحة الا ترى الاطباء يعطون علاجات شديدة المرار ضد الامراض العضالة أولا يغلط المريض اذا أبى قبول العلاج لمجرد كونه مر المذاق. ان المرارة اشفت عيني طوبيا وردت لهما البصر وبمرارة الاحزان يخلص الخاطي من عماوة النفس حسبما قال غريغوريوس الكبير" ان العيون الكفيفة من الخطيئة تستنير بالعقوبة". ان اخوة يوسف لما طرحوه في الجب لم يشعروا بثقل خطيتهم وفظاعتها ولكن لما وقعوا في الشدة اعترفوا بخطيتهم التي ارتكبوها ضد اخيهم وقالوا بعضهم لبعض " حقا اننا مذنبون الى اخينا الذي رأينا ضيقة نفسه لما استرحمنا ولم نسمع لذلك جاءت علينا هذه الضيقة" (تكوين ص 42 ع 21) ارأيت منفعة الضيقة. لم يرد بطرس ان يغسل له الرب قدميه لانه لم يعلم اذ ذاك راي معلمه الذي لهذا السبب قال له " لست تعلم انت الان ما انا اصنع ولكنك ستفهم فيما بعد"(يوحنا ص 13 ع 7) ولكن ما قال له " ان كنت لا اغسلك فليس لكةمعي نصيب"(ع8) اذعن صاغرا واغتسل. هكذا انت لا تعلم الان لاي سبب يغسلك الرب بامياه الاحزان لكنك عند ما تعاين البهاء الذي تناله نفسك من هذا المغتسل ستشكر السيد الذي جعل لك نصيبا معه في ملكه . لما كان الابن الشاطر مالكا غنى ابيه كان يصرف وياكل ويشرب ويتصرف حسب اهواءه دون ان تخطر له التوبة ببال ولكن لما كابد الجوع والشقاء ترك اللذات الجسدية واسرع الى بيت ابيه متعففا . فما يفعله الغربال بالحنطة والمبرد بالحديد والكور بالذهب تفعله الاحزان بالانسان اي تنقيه وتعطيه رونقا وجمالا. فان كانت الاحزان تنفعنا فما بالنا نسأم منها ولا نشكر لاجلها الطبيب السماوي.
ان خائفي الله يؤمنون بان جميع ما يعرض لهم يصدر عن ارادة الله وان الاثمة لا تتسلط على الصديقين الا بسماح من الله كما قال الرب لبيلاطس " لم يكن لك علي سلطان البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق" (يوحنا ص 19 ع11) كذا الاعداء غير المنظورين لا سلطة لهم على البشر الا بسماح من الله. فكل هذا اوردناه تعزية للمؤمنين لكي يتعلموا كيف يغلبون التجاريب مسلمين امورهم للعناية الالهية. مثل ايوب الصديق الذي لما اصابته تلك البلايا المهولة لم يقل شيئا سوى " الرب اعطى والرب اخذ فليكن اسم الرب مباركا"(ايوب ص1ع21)ولما أصيب بالقروح قال" أالخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل"(ص2ع10) كذا يوسف الحسن العفيف لم يحنق على اخوته.
ان العائشين حسب اهواء بشرتهم الذين بسبب قنوطهم لا يرتعون بالسلامة ولا يعرفون فائدة الاحزان لا يفحصون عن اسبابها اصلا بل يغتاظون ويحنقون على محزنيهم ولا يفكرون بان الله يؤدبهم ثم لعدم صبرهم وقلة فهمهم يحاربون من كان آلة لاحزانهم من دون ان يجتنوا لانفسهم من ذلك فائدة. اما التلميذ الاديب فاذا ادبه معلمه وابوه لا يغتاظ من العصا التي ضرب بها بل يستعطف مؤدبه ويجتهد في ارضائه هكذا المسيحي العاقل لا ينتقم من محزنيه بل يطلب العون من الله وان زادت احزانه فيحتملها بالصبر والشكر لله فيخفف عليه صليبه ويحصل على الاجر والثواب. فيا لقوة الصليب العجيبة التي لا تقهر وبالسعادة من يقتبله بالفرح لانه ينال الخلاص.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات