من أقوال الآباء


التى تنفى تأليه الإنسان


فى صلاة الصلح للقداس الكيرلسى يقول الكاهن:
"يا رئيس الحياة وملك الدهور، اللهم الذى تجثو له كل ركبة ما فى السموات وما على الأرض وما تحت الأرض. الذى الكل مذلول وخاضع بعنق العبودية تحت خضوع قضيب ملكه. الذى تمجده الأجناد الملائكية والطغمات السمائية والطبائع العقلية، بصوت لا يسكت ناطق بألوهيته. وإذ سررت بنا نحن أيضاً الضعفاء الأرضيين أن نخدمك لا من أجل نقاوة أيدينا، لأننا لم نفعل الصلاح على الأرض. بل مريداً أن تعطينا نحن البائسين غير المستحقين من طهرك...
ولا تطرحنا نحن عبيدك من أجل دنس خطايانا. لأنك أنت العارف كخالق جبلتنا أنه ليس مولود إمرأة يتزكى أمامك."

Uوكما قال السيد المسيح "أنا قلت أنكم آلهة... لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله" (يو 10: 34) رغم أنه هو الإله الحقيقى وحده، هكذا قال لتلاميذه "أنتم نور العالم" (مت 5: 14) مع أنه هو النور الحقيقى وقال "أنا هو نور العالم" (يو 8: 12) فهل نحن نتساوى معه؟

لقد أفرد القديس كيرلس الكبير فى كتابه "شرح إنجيل يوحنا" فصلاً كاملاً (الفصل الثامن) عرض فيه مقارنة شيقة بين الابن والوحيد الجنس وبين البشر فى هذه النقطة وذلك فى تفسيره لعبارة "كان النور الحقيقى" (يوحنا9:1). فضمن ما كتب قال ما يلى:

النص العربى:
"يجمع الإنجيلى الإلهى كل ما قاله سابقاً، ويحدد بشكل آخر الحق الخاص بالنور، أى الابن الوحيد، ويفصل بينه وبين الخليقة، على نحو بارز، أى ما هو بالطبيعة -أى الحق- وما هو بالنعمة، بين المشارك والمشاركين[1]. بين الواهب والذى يعطى من عنده، والذين يأخذون من الغنى الوافر. كل هذا فى عبارة واحدة، "كان النور الحقيقى". وإذا كان الابن هو النور الحقيقى، فليس آخر غيره هو النور حقاً، فلا يوجد من يملك إمكانية أن يصبح النور، ولا تملك الكائنات أن تعطى من طبيعتها النور، لأنها خلقت من العدم، ولا تستطيع أن تجود بما لا تملك، ولا أن تتطور وتصبح النور. فمن كان أصله العدم، لا يملك أن يجود، وإنما ينالون أشعة النور الحقيقى، الذى يشع فيهم بمشاركة[2] الطبيعة الإلهية (2بط 1 :4)، وعندما يتشبهون بالطبيعة الإلهية يدعون نوراً ويصيرون نوراً.
فكلمة الله هو جوهريا "النور"، وهو ليس كذلك من قبل النعمة بالمشاركة، ولا نال هذه المكانة عرضياً، ولا وهبت له كنعمة، وإنما النور هو الصلاح غير المتغير للطبيعة غير المخلوقة، وهو ينطلق من الآب إلى وارث جوهره.
والمخلوق لا يستطيع أن يحتمل أن يصبح النور، وإنما يقبل النور مثلما تقبل الظلمة الأشعة، أو كما توهب النعمة، وهذه هى المكانة التى أعطاها الابن بسبب محبته للإنسان. وإذن هو وحده النور الحقيقى، والباقين ليسوا كذلك."[3]


Uوفى الفصل التاسع يكمل القديس كيرلس بأكثر وضوح موضحاً مفهومه ومجيباً على المعارضين الذين يقولون: "لو كان القديسون ليسوا بالطبيعة، النور، فلماذا لا يدعوهم المخلص شركاء النور بدلاً من النور؟ وكيف يصبح المخلوق مختلفاً عن ابن الله. مادام التلاميذ قد سمعوا "أنتم نور العالم" (مت 5: 14)" فيجيب القديس كيرلس بقوله السديد:

النص العربى:
"إجابتنا على هذا يا ساداتى الأعزاء هى: نحن أبناء الله بل دعينا آلهة فى الأسفار الإلهية حسب المكتوب "ألم أقل أنكم آلهة وبنو العلى كلكم" ( مز82 :6). هل يعنى هذا أن نتخلى عن كياننا ونرتفع إلى جو اللاهوت غير المنطوق به وأن نخلع الابن الكلمة من بنوته ونجلس نحن فى مكانه مع الآب ونجعل محبة الذى أكرمنا عذراً للكفر؟ حاشا لله. فالابن هو كائن غير متغير، أما نحن فبالتبنى صرنا أبناء وآلهة بالنعمة، غير جاهلين من نحن، وعلى نفس القياس لا نؤمن أن القديسين هم النور...."[5]


Uوقد أوضح القديس كيرلس الكبير مراراً وتكراراً أننا أبناء بالتبنى وأننا ننال هذه العطية كنعمة بسبب تعطف الله علينا لكنها ليست من طبيعتنا كما هو الحال مع الابن الوحيد، ففى تفسيره لعبارة "نصير أبناء الله أى المؤمنين باسمه" (يو 1: 12) فى كتاب "شرح إنجيل يوحنا" يقول ما يلى:

النص العربى:
"إذن نحن نرتفع إلى كرامة أسمى من طبيعتنا بسبب (بفضل) المسيح لأننا سنكون أيضاً "أبناء الله" ليس مثله تماماً، بل بالنعمة وبالتشبه به. فهو الابن الحقيقى، الكائن مع الآب منذ الأزل، أما نحن فبالتبنى بسبب تعطفه، ومن خلال النعمة التى أخذناها "أنا قلت أنكم آلهة، وكلكم أبناء العلى" (مز 82: 6) فالطبيعة المخلوقة الخاضعة للخالق، دعيت إلى ما هو فوق الطبيعة بإرادة الآب فقط، أما الابن، والإله والرب، فهو ليس الابن والإله بإرادة الآب واختياره، وإنما بالولادة من جوهر الآب ذاته يصبح بالطبيعة له كل صفات الله وصلاحه. وأيضا يمكننا أن نرى بكل وضوح أنه الابن الحقيقى بالمقارنة مع أنفسنا فهو بالطبيعة له كيان خاص، غير كياننا الذى بالتبنى وبالتشبه. إذن هو الابن بالحق وبالطبيعة، ونحن صرنا به أبناء أيضاً، وننال الخيرات بالنعمة دون أن تكون هذه الخيرات هى من طبيعتنا."[7]
للحديث بقيه

تحياتي